الإنشاد في مواجهة الإرهاب.. أصوات مصرية طاردة للتشدد

انتشار فرق المدح يعزز الانفتاح على سماحة الدين، والمداحون غيّروا المفاهيم المغلوطة وسلّطوا الضوء على أخلاقيات الإسلام.
الأربعاء 2018/10/17
ثورة ناعمة ضد التطرف

أضحى للإنشاد الديني مكانة خاصة مع الإقبال غير المسبوق على حضور حفلات فرق المدح والإنشاد في الكثير من الدول العربية، وهو ما عزز من مسؤولية هؤلاء المنشدين الذين باتوا يحملون رسالة تسامح ومحبة وتمدن تواجه الغلو في التشدد والتطرف في الأفكار.

القاهرة – يشهد عالم الإنشاد الديني رواجا غير مسبوق في بعض الدول العربية، بعدما بات جزءا من كل محفل ثقافي غنائي، يشدو فيه المداحون قصائد الإمام البوصيري وأشعار أحمد بن الرضوان ورابعة العدوية وابن الفارض وابن عربي والحلاج وغيرهم، وأطلقوا العنان لأوصاف الرسول ومحبة آل البيت ولذة طاعة الله وجمال عبادته.

وظهرت في الآونة الأخيرة فرق إنشاد شبابية لها جمهور ممتد، يتلهف لاستماع الأشعار البديعة الممتزجة بألحان مختلفة، بعضها شرقي وأخرى غربية. وحظيت العشرات من الفرق الجديدة بإعجاب الكثيرين وشغلت أشجان مستمعي تلك الأناشيد حتى عادت لتملأ آذان كافة الطبقات والفئات دون تمييز.

وعكست القوة التي امتلكها الإنشاد مؤخرا تدشين مجموعة من المداحين في مصر، من ضمنهم المنشد الشهير محمود التهامي، مبادرة باسم “الإنشاد في مواجهة الإرهاب” لنشر التسامح وتعزيز قوى مصر الناعمة في مواجهة الفكر المتطرف عن طريق إقامة حفلات إنشاد تطوف كافة أركان البلاد.

وطرحت المبادرة تساؤلات عدة حول مدى فرضية تأثير هذا النوع من الفنون على مواجهة التشدد وكيفية استغلالها من أجل الدعوة لتجديد الخطاب الديني، الذي تندرج تحته نظرة الدين وعلمائه للفن والطرب.

ويصف التهامي الإنشاد الديني في تصريحات لـ”العرب”، بأنه “تأريخ لعصور إسلامية متفاوتة وليس مجرد وسيلة للذكر وإطراب الآذان بأبيات الشعر في مدح الرسول وآل البيت، وظل دائما انعكاسا لتسامح الإسلام وإعلاء للمحبة بين الجميع، وأضحى مقياسا للتمدن والتسامح والتفاهم، فكلما تراجع الإنشاد والمنشدون ازدادت حدة التشدد، وطالما عاد المديح إلى مكانته، بعد العامة عن التطرف والكراهية”.

لا يمثل الإنشاد الديني، الذي بدأ في عهد الرسول، وكان أول المنشدين الشاعر حسان بن ثابت، لكن ذاع صيته بقوة مع صعود التصوف في القرن الثالث الهجري، شكل مجموعة من الأبيات الدينية الملحنة بأصوات بديعة أو عبر ضربات الدفوف.

وتحولت المسألة إلى قضية جدلية حادة مع صعود التيار السلفي وانتشاره في بداية القرن الماضي محرما الإنشاد بكافة أشكاله، تارة لحرمانية الغناء والموسيقى، وأخرى للمبالغة في مديح الرسول والصحابة وآل البيت.

وشكلت أشعار الإمام البوصيري في مدح الرسول إشكالية كبرى، والتي عرفت باسم مجالس البردة الشريفة، بعد أن طالب مؤسس الوهابية محمد بن عبدالوهاب بسجن من يرددها، وأتُهم البوصيري نفسه بالشرك.

الإنشاد الديني انعكاس لحالة التغيير السياسي والاجتماعي التي طالت المجتمع بعد أن ازداد حضور الجماعات المتشددة

وأسست أطروحات عبدالوهاب في عدم جواز الغناء مغالاة في التشدد، واستفحلت قضية الإنشاد حتى وصل إلى قطع عناصر داعش حديثا ألسنة عدد من المداحين في سوريا خلال العام 2015 عقابا لهم على الغناء للرسول وآل بيته.

ويرى مداحون أن الإنشاد يحمل رسالة أعمق من إطراب الأذن، فالمديح رسالة تسامح ومحبة تلمس القلب وتلين العقل الغارق في الغضب والحسد والكراهية، وتحمل كلمات أشعار المنشدين رسائل عن التواصل ونبذ العنف مهما كان شكله، وهو السبب الذي يجعل غالبية المتشددين يبالغون في تحريمه ومحاربته.

ويعزز الإنشاد قيمة التسامح لأنه كان دائما مصدرا لجذب غير المسلمين وغير المتدينين له، فهو يمتلك جاذبية خاصة تقرب بين القلوب وتضفي المحبة بين المستمعين، ما جعل الكثير من شتى الفرق والطرق والطروحات الفكرية يتفقون على جمال الاستماع للأشعار البديعة البراقة.

ويقول نور ناجح، مؤسس فرقة الحضرة الدينية، وهي إحدى فرق الإنشاد الحديثة، لـ”العرب”، إن فرقته استطاعت تكوين شريحة عريضة من الجمهور، بعدما قررت التجول في أنحاء مصر لنشر رسالة جمال الإنشاد لمريديه، كوسيلة ترسيخ المحبة على حساب التشدد، لأن الإنشاد الديني انعكاس لحالة التغيير السياسي والاجتماعي التي طالت المجتمع بعد أن ازداد حضور الجماعات المتشددة وتنامت الدعوات المتطرفة.

وأوضح أن المديح وحفلات الإنشاد شهدت رواجا لم يحدث منذ عقود، لأن الناس ملت الاستماع لخطب المنابر، بعد أن اعتلاها من لا يستحق التواجد عليها، وأصبح الإنشاد قوة ناعمة بديلة للدعوة وتعليم العامة أخلاقيات دينهم بالتركيز على الروحانيات.

وقدمت فرقة الحضرة نوعا جديدا من الإنشاد بالمزج بين بعض الأشعار الدينية الشهيرة والموسيقى الغربية، وقدم المنشدون أغان جديدة تجمع مقامات الإنشاد التسعة والفنون الموسيقية العالمية المختلفة، ومنها الأوروبية والسودانية والهندية وجمعوا صورا مختلفة من الثقافات الغنائية لتكون جزءا من الإنشاد الديني التقليدي ورسالة تنوير وتجديد.

ويقول كبير مداحي أسيوط (جنوب القاهرة) الشيخ رافع الزيناوي، إن الإنشاد الديني يصحح المفاهيم المغلوطة عن الدين الإسلامي والرسول، من خلال مدح النبي بصفاته وأفعاله، وأنه جاء رحمة للعالمين بخلاف ما يروجه البعض عن دين الإسلام، فدور الإنشاد نشر الروحانيات وثقافة تقبل الآخر، واستقطاب الشباب من العنف والتطرف.

وردًا على تحريم المديح، أكد الزيناوي أنه طالما لم تثر الموسيقى الغرائز فهي حلال، أما من يحرمون المديح فعليهم الاستماع لكلمات الإنشاد، فكيف لجمل تدعو إلى الحب لشعراء متصوفة أن تكون مفسدة لها حرمانية.

ويرى خبراء أن سبل مواجهة التشدد تعددت مؤخرا مع وجود رغبة مجتمعية لتخلص من تلك الرواسب التي باتت تشكل خطرا على الجميع، ما يفسر الإقبال الكبير من العامة على حفلات الفنون الدينية المختلفة.

13