الإنفاق على المحتوى المتميز، أزمة جديدة للصحف العريقة

تواجه مؤسسات النشر تحديات متعددة تكرس أزمتها التقليدية في زمن الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، فلجوؤها إلى التحسين من جودة المحتوى الإعلامي بإنفاق مبالغ كبيرة، أصبح يشكل عبئا إضافيا غير قادرة على تحمل تبعاته، وهو ما يثير مخاوف العاملين في صحف عريقة كالغارديان البريطانية.
الخميس 2016/11/03
مستقبل مجهول يفزع الجميع

لندن - أمام أزمة الصحف الورقية، ومع استحواذ الإعلام الرقمي وشركات الإنترنت على صناعة الإعلام واستقطاب الجمهور، وجدت الصحف نفسها مضطرة إلى إنفاق مبالغ كبيرة على محتوى متميز، وإعادة هيكلة دورية تضمن لها البقاء على ساحة المنافسة، إلا أن هذه المبالغ أصبحت كاهلا ثقيلا على صحف عريقة كالغارديان البريطانية.

وقالت صحيفة بوليتكو الأميركية إن طاقم العمل في غرفة أخبار صحيفة “الغارديان” البريطانية يشعر بالقلق بشأن مستقبله، ويعتبر أن الأسوأ قادم، بعد فقدان عدد كبير من الصحافيين لوظائفهم في مؤسسات إعلامية متعددة هذا العام.

وأضافت الصحيفة الأميركية أن الغارديان أنفقت 48 مليون جنيه إسترليني من دون تحقيق عائدات مهمة في النصف الأول من السنة المالية الأخيرة.

وتؤكد إدارة الصحيفة أنها ممسكة بزمام الأمور المالية، إلا أن الموظفين داخل المؤسسة يشعرون بقلق بالغ، حيث قامت الغارديان بخفض تكاليفها وخسائرها هذا العام، لكن يبدو أن ما حققته بهذا الشأن ليس كافيا في ظل الأزمة الخانقة التي يعاني منها الناشرون في أوروبا، وتدل على ذلك تحركاتهم الأخيرة ومطالبة الحكومات بفرض قيود على شركات الإنترنت العملاقة ومنحهم نصيبا من كعكة الإعلانات الرقمية.

ونقلت بوليتكو الأميركية على لسان متحدث باسم الغارديان، قوله إن “الصحيفة في طريقها إلى الانهيار”، متحفظا على مناقشة تفاصيل مالية محددة، في حين كانت رئيسة التحرير كاثرين فاينر، قبل فترة، قد طالبت القراء بمساعدة الصحيفة بالاشتراك الشهري أو السنوي، من أجل المحافظة على درجة تغطيتها للأحداث وعدم الاضطرار إلى التخلي عن مراسليها وكتابها المنتشرين في أنحاء العالم.

وذكّرت فاينر -التي كانت رئيس تحرير الطبعة الأسترالية للغارديان، وتسلمت موقعها قبل عامين بعد رئيس التحرير السابق آلان روسبيردغر- بأن الغارديان مثلها مثل بقية وسائل الإعلام، تعمل في بيئة تجارية صعبة بشكل لا يصدق، وتحتاج إلى دعم القراء والمؤسسات اليوم أكثر من أي وقت مضى، من أجل المحافظة على حساسيتها العالية لمتابعة الأحداث.

وتشير الأرقام إلى تراجع مخيف غير مسبوق في إيرادات الصحف الورقية، والأمر ينسحب أيضا على إيرادات الإعلانات الرقمية التي تسجل انخفاضات حادة بدورها، وذلك بسبب ارتفاع نسبة القراءة من خلال الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي تحديدا، والتي يجني ثمارها العملاقان الأميركيان غوغل وفيسبوك، تاركين مؤسسات النشر تلهث وراء حلول جديدة لاستقطاب المعلنين والبقاء على قيد الحياة.

ويرى العاملون في الغارديان أن مستقبل الصحيفة يبدو قاتما ومخيفا، وأفضل سيناريو يتوقعونه سيتضمن قيودا كبيرة على ميزانية غرفة الأخبار وتجميد التوظيف، وإجراءات أخرى تقوض الكتابة الصحافية فيها.

أفضل سيناريو يتوقعه موظفو الغارديان يتضمن قيودا كبيرة على ميزانية غرفة الأخبار وتجميد التوظيف

ولا يبدو أن الإدارة تفكر في تحويل كل محتواها إلى محتوى مدفوع، لكن سواء فرضت رسوما على القراء أم لا، فإن صمود الصحيفة سيعتمد على تقليل النفقات بصورة جذرية وكبيرة.

وتعود أزمة الغارديان إلى انخفاض مستوى الإعلانات في الصحافة الورقية إلى مستويات غير مسبوقة في عام 2015، والتي وصلت أحيانا إلى نسبة 30 في المئة.

وذكرت الغارديان أن “العائدات من صناعة الإعلانات انخفضت في المملكة المتحدة بنسبة 25 بالمئة خلال العام الماضي، بينما لم تهبط سوق الإعلانات الرقمية بهذه الحدة”.

واضطر مسؤولون في الغارديان إلى اتخاذ إجراءات “توفيرية حادة في ظل تباطؤ المبيعات الإعلانية الأخيرة”.

وقال رئيس المجموعة الناشرة، ديفيد بيمسل، إنّه من الضروري التخلّي عن “التوظيفات الجديدة، والرواتب، والسفرات المكلفة”.

ووجه بيمسل أصابع الاتهام إلى شركتي غوغل وفيسبوك، وقال إن “عمالقة الإنترنت يستحوذون على الإعلانات الرقمية بوتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعا”.

ويقول مدير التسويق في إحدى شركات الإعلانات الكبرى “وصلنا إلى لحظة مصيرية، حيث لم يعد شراء الإعلانات في الصحف المطبوعة مجديا. المشكلة ليست في المؤسسات الصحافية الورقية، لكن لا بد من التركيز على حجم الإنفاق الذي يحقق سرعة الوصول ونوعيته، وطبيعة الجمهور”.

وينسحب هذا الواقع المتدهور على الصحف في شتى أنحاء العالم ولا يقتصر فقط على الغارديان، وفقا لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” قبل أسبوعين.

ويتوقع التقرير أن ينخفض الإنفاق العالمي على إعلانات الصحف المطبوعة بمعدل 8.7 في المئة، أي ما يوازي 52.6 مليار دولار في العام 2016، وفقا لتقديرات غروب أم، الشركة المتخصصة في شراء الإعلانات، والتي أشارت إلى أن ذلك سيكون أكبر انخفاض منذ الركود الاقتصادي عام 2009، حينما انخفض الإنفاق على نطاق العالم بنسبة 13.7 في المئة.

ورأت أن هذا الانخفاض ستكون له ارتدادات سلبية، ستطال كبار الناشرين حول العالم، مما قد يزيد من عبء الضغوط عليهم من أجل تعزيز الإيرادات الرقمية أو الإسراع إلى التعويض عن الإيرادات المفقودة، وصولا إلى إعادة النظر في شكل المطبوعات ومحتواها.

ونتيجة لذلك سارعت مجموعة كبيرة من كبريات الصحف إلى تقليص التكاليف بهدف التأقلم مع الواقع الجديد، ومنها “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال”، فيما أقدمت كل من “الغارديان” و”دايلي ميل” على تقليص عدد الوظائف وتسريح المئات من الموظفين.

وقال ميرديث كوبيت ليفين، الرئيس التنفيذي للإيرادات في صحيفة “نيويورك تايمز”، “كان عاما صعبا بالنسبة إلى الصحف، خصوصا في النصف الأول منه”.

18