الإنكشاريون الجدد

الخميس 2014/03/13

شيء من الغيظ كاد يقتلني، وسبب لي بعضا من الإرباك، وقليلا من عدم الثقة، وكنت على وشك التوقف عن تكملة مقالاتي، حين علق أحدهم مرتين على مقاليَّ السابقين بأني أروّج لنظرية المؤامرة، وأن حال ثورات الربيع العربي، ليس كما يقول “شعدون”، أي ليس كما كتبت، بالرغم من أنني لم أنتهِ بعد من إدراج جميع حواراتي مع شعدون، التي تحتوي على كثير من الدلالات والأدلة.

لكن ميزة “شعدون” أنه دائما يدفعني قدما، وإن سقطت في بئر من الحيرة يسحبني بدلوه الرائع، ويخرجني من بئر أوهام قد يغلقه عليّ أولئك المتوجسون، سواء مني أو مما أكتب، أسندني على كرسي وناولني كأس ماء، وأخذ الحاسوب المحمول من حجري ووضعه في حجره، وكتب: لا يجب الانتظار حتى ولو لخمس سنوات وليس خمسين عاما، إلى أن يفرج عن وثائق الاستخبارات الأميركية أو الغربية التي تحتوي على ما كان يحدث خلف كواليس ثورات “الربيع العربي”، لنرى من أشعل نارها، لسببين، الأول لأن الأميركيتين اعترفوا بذلك ضمنيا في عدد من المناسبات. ثانيا اعتراف رجالات استخباراتهم بإشعال ثورات منتصف القرن العشرين، سواء القوالب الثورية اليمينية التي افتعلوها في أميركا اللاتينية، أو القوالب اليسارية التي افتعلوها وساهموا بها وشجعوها بالمال في بعض العواصم العربية والآسيوية، فلِمَ لا يكون هذا مبررا للاعتقاد بأنهم وراء ما يحدث اليوم بنفس الوتيرة، لكن مع اختلاف المعطيات، التي يبدو أنهم توصلوا إليها أثناء وبعد ثورات تلك الحقبة؟

ففي كتاب لعبة الأمم لضابط الاستخبارات الأميركي “مايلز كوبلاند” (1970)، لم يتمّ الاعتراف بدور أميركا وراء تلك الانقلابات والثورات فقط، بل إنه لخص النتيجة الأساسية التي توصلت إليها الاستخبارات الأميركية حينها، وهي أن الدعوة للديمقراطية كانت ستقود إلى الفوضى، ولقد ردّد الكاتب هذا في أكثر من مكان، فهدفهم الأساسي حينها الانقلاب سواء بثورة شعبية أو ديمقراطية تتولى فيها الجيوش سدّة الحكم.

ذلك السيناريو صلح لمنتصف القرن العشرين، لكن في أعتاب القرن الحادي والعشرين، الفوضى هي السيناريو الذي يتناسب مع القوى الاستعمارية.

لماذا؟؟ لأن الانقلابات العسكرية للقرن العشرين قوّت شوكة جنرالات تلك الجيوش، وفي الوطن العربي بنيت ثلاثة جيوش أساسية من رحم تلك الثورات، وجميعها كانت تهدّد من قريب أو بعيد أمن إسرائيل، لذلك وجبت الفوضى حتى لا تقوم قائمة لتلك الدول.

ووفقا للكاتب فإن الأميركان قليلو الصبر، لذلك هم دوما يختارون الطريق “الثوري”، وأظن أنهم مازالوا يفعلون، واستعملوا الإنكشارية العسكرية في القرن العشرين، ومازالوا يستعملون -ولاحظي استخدام الكاتب لهذا اللفظ- الإنكشارية أي الجنود الجدد وفقا للغة التركية في الفترة العثمانية، وهم مشاة الجيش العثماني، ومن أقوى فرقه وأكثرها نفوذا،لاحقا تحوّلت الفرق الإنكشارية لقوة نغصت حياة سلاطين الدولة العثمانية، وعرّضت الدولة لكثير من الفتن والقلاقل، حين انصرف زعماؤها عن حياة الجندية وصاروا يتدخلون في شؤون الدولة، ويزجّون بأنفسهم في السياسة العليا لها، لدرجة أن صاروا يعزلون بعض السلاطين ويقتلون البعض، ويأخذون العطايا عند تولي كل سلطان جديد، لدرجة أن صار هذا حقا مكتسبا لا يمكن لأيّ سلطان أن يتجاهله.

وهذا بالضبط ما تدرّب عليه الإنكشاريون الجدد في الدورات التي نظمتها وموّلتها بعض الدول الغربية، مثل ألمانيا وأميركا، وجند فيها جيش من الإنكشاريين، شمل الشباب ومحدودي الدخل، وأنصاف المتعلمين ومقتنصي الفرص، وانتشر هؤلاء على طول دول الوطن العربي وعرضه، وفاض سيلهم إلى شرق آسيا وأميركا الجنوبية وأوكرانيا، كوّن هؤلاء بؤر جماعات أطلق عليها لاحقا عنوان شرعي تحت مظلة الديمقراطية يقال له “معارضة”، لتثير مشروعية للقلاقل التي يسببونها، ويعزلون السلاطين أو يقتلونهم، وبكل وقاحة يأخذون العطايا، وإن لم تكن هذه الأمور تحدث بالتسلسل في كل دول القلاقل الحديثة، إلا أنها حدثت جميعها في بعضها على الأقل.

وهذا ليس ما أقوله أنا شعدون سليل قبيلة الشعادنة، النحاسي الممسوس بثورات الربيع العربي، لكن هذا ما كتبه رجال الاستخبارات الأميركية منذ زمن بعيد، لكن من طبيعة البشر النسيان، وسهل اتهام الآخرين بنظرية المؤامرة، ربما لإعطاء الغرب شيئا من الشرعية في ما يفعلونه بشعوب العالم المتخلفة، فلقد كتب رجل الاستخبارات ذاك عام 1970، أنه للإطاحة بأيّة حكومة يجب القيام بالتالي، والتالي مازال يستخدم حتى اليوم:

أولا: مهاجمة تلك الحكومة إعلاميا مُحيكا التهم ضدّها، لإثارة المجموعات المتعصبة، بينما تخفف من حدّة التهم المعتمدة للآخر (المعارضة) حتى ينجح الانقلاب.

ثانيا: دراسة ردود الفعل للدعاية، لتتعرف إلى هوية المتعصبين، الذين سيتمّ العمل والتعامل معهم.

ثالثا: قرّبْ المتعصبين (الخونة)، وسلّحهم، وتعلم كيف تتعرف إلى أهدافهم. وهذا ما تمّ بالفعل.

رابعا: اكشف هوية المعتدلين الذين يجب أن يتسلموا زمام الأمور في الوقت المناسب، أحيانا قبل الإطاحة بالحكومة وأحيانا بعدها، ثم اعمد إلى تقوية ورقة الربح، وهذا ما حدث حين فاز الإخوان المسلمون في معظم دول الربيع العربي، لكنه من الصعب تحديد الرابح بين فصائل المعارضة السورية، لذلك لانت أميركا مع الأسد لاحقا.

خامسا: أمّن الاعتراف بالحكومة الجديدة عندما ينجح الانقلاب، وتابع مساندة وسائل الإعلام المثيرة للفوضى. مثل قناة الجزيرة واسعة الانتشار.

بعد أن انتهى من كتابة المقال عني، أعطاني الحاسوب لأراجع المقال؛ وماذا يمكنني قوله على قول شعدون أكثر من شكرا شعدون؟

16