الإنكليزية والفرنسية في العالم العربي.. ضرتان أم شقيقتان

خرج الاستعمار الإنكليزي والاستعمار الفرنسي من العالم العربي، وفكّكا مستوطناتهما وسحبا آلتهما العسكرية، لكنّهما لم يستطيعا سحب لغته من الألسن والكتب والسجلاّت والذاكرة التي ارتسمت فيها حتى لدى الفئات العريضة من غير المتعلّمين.
الثلاثاء 2016/04/26
إتقان لغة منهما أفضل من اليتم اللغوي

تؤكّد الحفريات المعرفية والألسنية أنّ اللغات تعمّر أكثر من أصحابها وتجد لها حواضن اجتماعية وثقافية وسياسية، فكم من لغة انتشرت وتكاثرت وتطوّرت في غير بيئتها ومصدرها الأوّل كالأسبانية في أميركا اللاتينية وحتى الهولندية في إندونيسيا.

يكاد العالم العربي أن ينقسم من جهة اعتماد اللغة الثانية إلى انكلوسكسونيين وفرانكفونيين، لا بسبب الماضي الاستعماري وحده، بل نتيجة الصعوبات التي أضحت تعانيها اللغة الأم في ملاحقة الفتوحات العلمية والتكنولوجية كمثيلاتها من اللغات التي لم تقبض بناصية البحوث والتقدم رغم قدمها واستمراريتها وانتشارها والاعتراف بها في الهيئات الدولية.

الحقيقة التي لا ينكرها اثنان هي أنه لا مكان تحت الشمس ولا حضور فاعل ومؤثر في البلاد العربية لمن لا يتقن غير لغة الضاد من اللغات الحيّة والأكثر انتشارا وحظوة، وفي مقدمتها الإنكليزية والفرنسية، اللغتان اللّتان تكادان أن تقسما العالم إلى معسكرين لما يميّز كل واحدة من فطنة وإحاطة وجرس إيقاعي أخّاذ، بالإضافة إلى العراقة واحتلال الصدارة في الآلة الإعلامية وغيرها من وسائل التواصل، ممّا جعل الأجيال الجديدة تتعلّق بواحدة من هاتين اللغتين أو بكليهما معا نظرا لانتمائهما إلى العصر بامتياز، فلا تصحّ دونهما أي ملاحة جوية أو بحرية أومعلوماتية، علاوة على أنّ اللغتين حاضرتان في القارات الخمس وتشتركان في أصول ومصادر كثيرة، بالإضافة إلى سهولة الكتابة بالحرف اللاتيني حتى لا تكاد تخلو لوحة مفاتيح منهما في عصر الكيبورد والخطّ دون حبر.

يدافع أنصار اللغة الإنكليزية عن عالميتها (تخيلوا ما يمكن أن يعانيه سائح لا يتقن الإنكليزية) وكذلك عن تصدّرها للغة المال والأعمال والصحافة، بالإضافة إلى مبدأ التكثيف والاختزال ويتحمّس بالمقابل أنصار الفرنسية لشاعرية لغة بودلير وفيكتور هيغو، فلا يتخيّلون عالم الموضة والعطور والأناقة دون قاموس هذه اللغة الذي يصفونه بالرشاقة حتى صار من العرف أن تنطق مثل هذه المصطلحات بلكنة أصحابها ومبتكريها الفرنسيين كنوع من الاعتراف والتكريم. ولا بدّ من الإشارة إلى أوّل قاموس يثري الإنكليزية بروافد قادمة من لغات أخرى وهو قاموس “ويبستر” الأميركي (الطبعة الأولى كانت عام 1828).

الفئات العمرية والاجتماعية التي تتحمّس للإنكليزية أكثر من الفرنسية في تونس غالبيتها من الشباب وحاملي الشهادات المتوسطة والعليا

تلك هي سطوة اللغة حين يرفع أبناؤها والمتكلمون بها من شأنها في شتى مجالات الحضارة والتقدّم، فتفرض نفسها على العالم كلغة منتصرين حتى وإن كانوا مستعمرين وذلك بصرف النظر عن المعيار القيمي في قراءة التاريخ الذي يظلم أحيانا، لكنّه يعترف بالذي يسود.

يبدو واضحا من خلال ما سيلحق من آراء وتبريرات في خصوص مناصري الفرنسية من جهة، والإنكليزية من جهة أخرى، أنّ شدّة التحمّس للغة بعينها لا يتأتّى فقط من ذكر مناقبها بل من التذكير بمثالب اللغة الأخرى، فكأنّ المدح لا يستقيم دون ذمّ وهجاء وهي حالة عربية بامتياز، ثم إنّ فكرة “اقتداء المغلوب بالغالب” وفق مقولة ابن خلدون جاثمة بقوة في رصد الكثير من التوصيفات والمواقف ما عدا الذين يتحيّزون إلى اللغة التي لم ينطق بها “المحتل” في الأمس القريب أو حتى البعيد، كالتونسي الذي يحبّذ الإنكليزية والمصري الذي يميل إلى الفرنسية، أو حتى الليبي الذي يرفض الفرنسية والإنكليزية والإيطالية التي حكم بها المستعمر على الثائر عمر المختار بالإعدام.

كما أنّ بعض غلاة العروبة مازالوا يتمسكون بمنطق “لغة المستعمر”رغم انحصار عددهم في الأجيال الشبابية، دون أن نغفل فئة السلفية الدينية وحتى التكفيرية التي لها مجلة إلكترونية تصدر بالإنكليزية، ويتشبث هؤلاء بإتقان اللغتين وفق مخطط انتشارهم أو حتى على مبدأ “اعرف عدوّك” أو حملا على الأثر الذي يسعون لتزويره في خدمتهم وهو “من علم لغة قوم أمن شرّهم”.

تبدو اللغتان الفرنسية والإنكليزية داخل العالم العربي مثل ضرّتين في الذهنية الشعبية الإسلامية التقليدية، إذ يصعب التوفيق بينهما دون مفاضلة، ويندر بل ويكاد ينعدم الذين يعدلون بينهما، لكنّ إتقان واحدة منهما على الأقل أفضل بكثير من حالة اليتم اللغوي التي كرّستها الأنظمة الرافعة للشعارات العروبية.

أنصار لغة شكسبير: لغة مطواعة في الآفاق المعرفية والاقتصادية

الإنكليزية تكتسح مواقع اللغة الفرنسية

تضافرت عوامل سياسية وثقافية وتاريخية عديدة لتجعل من الإنكليزية اللغة “نمبر وان” في العالم بحسب روّادها ومناصريها ومحبيها الذين وصل بعضهم حدّ الهوس، إلى درجة أن جعلوها لغة حلمهم وبديلا عن اللغات التي نشأوا وتربّوا عليها في حاضناتهم الأولى، من الهند شرقا إلى كندا غربا، مرورا بأفريقيا جنوبا إلى إيرلندا شمالا. “يكفي أنها لغة أميركا” كما قال لي شاب عاطل عن العمل في تونس ويتعلّم الإنكليزية في أحد المراكز المتخصّصة.

تتميّز الإنكليزيّة بالوضوح والدقّة والبعد عن المبالغة والإسراف الكلامي، ففي الوقت الذي نقول فيه “فلان فارع الطول” أو”طويل جدا” مثلا، يقول الإنكليزي “عملاق” بمنتهى البساطة، على حد توصيف أحد العرب المقيمين في بريطانيا، ويضيف أنها لغة لا تتحمّل المواربة كتلك التي تفتح الباب على مصراعيه للتأويلات والمنزلقات الخطيرة في الترجمة.

ولعلّ هذا يحيلنا إلى نص العبارة الأشهر في أروقة المتحدة والمتعلّق بانسحاب إسرائيل من “أراض عربية” أو “الأراضي العربية” ممّا أثار زوبعة تجاوزت القواميس وحضرت بقوة في ملفات السياسيين حتى خيّمت على أجواء المفاوضات.

يتحدث الذين يتقنون الإنكليزية، قراءة وكتابة وطريقة في التفكير أيضا، على أنها لغة مطواعة في الآفاق المعرفية والفنية والاجتماعية والاقتصادية، فكأنما هي “ماستر كاي” لكل الأبواب، إضافة إلى سهولة تركيبتها النحوية والإملائية مقارنة بالفرنسية، كذلك قدرتها الفائقة على الاختصار والتبليغ خذ كلمة ok مثلا، هل من أحد في العالم لا يعرف هذه الإشارة السحرية؟

تحلّق اللغة الإنكليزية في الأدب والفن بنفس الدرجة التي تكتسح فيها الحقول الاقتصادية والإدارية بل وأكثر. ويقول أحد المترجمين المختصين في الأدب “يكفي أنها لغة شكسبير وشارلز ديكنز وبرنارد تشو وجورج أورويل و صمويل بيكيت وأوسكار وايلد ووينستون تشرشل الذي حصل على نوبل في الأدب وليس في السياسة”.

ما يميّز اللغة الفرنسية أنها جمعت أعراقا وقوميات وثقافات من مختلف بقاع الأرض، يشكّل سكان المستعمرات القديمة جزءا هاما منها
ويبرّر أيمن (26 سنة مغن وعازف جاز من تونس) سبب اختياره للإنكليزية في بلد فرانكفوني بقوله “يكفي أنّ عمالقة الفن والموسيقى في العالم قد غنّوا بهذه اللغة التي تحقق لك الانتشار والعالمية وتناسب اللون الذي اخترته وأحببته، كما أنّ الفرنسية لا تستهويني ولا يستمع إليها الآن إلاّ كبار السن من جيل الحنين إلى مرحلة الستينات والسبعينات”.

ويوعز غالبية مناصري الإنكليزية سبب تعلّقهم بها إلى أنها لغة البرمجات الإلكترونية والمراسلات ومحركات البحث، فضرورة إتقانها مسألة بديهية ولا تستدعي حتى ذكرها في السيرة الذاتية عند طلبات التوظيف بل أصبح السؤال عن مجال التخصّص ضمنها.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الفئات العمرية والاجتماعية التي تتحمّس للإنكليزية أكثر من الفرنسية في تونس غالبيتها من الشباب وحاملي الشهادات المتوسطة والعليا من دارسي الفروع العلمية، مع ترجيح طفيف لجهة الذكور على الإناث، كما يطالبون بتدريسها منذ الصف الأول في التعليم الابتدائي، وذهب بعض المتحمسين إلى الدعوة لإحلالها لغة ثانية بعد العربية وهو الأمر الذي يتعارض مع توجه الدولة وارتباطاتها التقليدية.

ولعلّ ما قد يبدو جديرا بالتوقف عنده أنّ الكثير من مدرّسي الإنكليزية الذين وقعت استعارتهم في بعض بلدان الخليج هم من التونسيين، وقد أثبتوا كفاءة كما يقول أحد هؤلاء ويبرّر ذلك بقوله “من يختار دراسة الإنكليزية في بلد فرانكفوني يكون أكثر استعدادا للتعمّق والتفوّق بحكم الرغبة والاختيار الحر، على عكس الذي يدرسها كتحصيل حاصل في بلاد تستخدم فيها الإنكليزية لغة أولى بعد العربية”.

يقول أحد المقيمين في الولايات المتحدة الاميركية أنّ الانكليزية بالنسبة إليه تشبه سقف البيت الذي تأوي إليه أسرة كبيرة وواحدة هي البشرية جمعاء ،ليس لأنها اللغة الرسمية للأمم المتحدة فقط، بل لأنها تجعلني أحس برابط وجداني من نوع خاص مع هذه اللغة التي تنصهر فيها جميع الأعراق والثقافات إضافة إلى خلوّها تقريبا من تعابير وتراكيب ذات دلالات أو خصوصيات تحيلك إلى لون ديني أو عقيدة بعينها، كالعديد من اللغات ذات المنبت الشرقي القديم، والتي غالبا ما تعرف بروحانياتها أو نشوئها في حضن عقيدة بعينها. إنها لغة الذين لا لغة لهم سوى التواصل الإنساني المحض.

الفرنسية: لغة الأدب والفنون والجماليات

لغة الثقافات الفكرية والأكاديمية

يتحدّث عشاق اللغة الفرنسية ومناصروها في العالم العربي بلغة تتصف بالانبهار العاطفي والولاء المطلق لثقافة يرونها سبّاقة في مجالات الأدب والفكر والنصوص التشريعية في تاريخ البشرية، كما يبرّرون سبب انحيازهم الذي بلغ درجة التعصّب لدى بعضهم بما يسمونه “رقّة وشاعرية هذه اللغة”

لعلّ ما يؤكّد ويسوّغ هذا الانحياز هو ما تقرّه دراسات كثيرة ومتخصصة حول الخصوصية الإيقاعية لهذه اللغة وجرسها الموسيقي الطاغي في نطق الجمل والحروف، ممّا يستدعي تدرّبا خاصا منذ مقاعد التعليم الأولى في ما يشبه تمارين “الفوكاليزم” المعروفة لدى المغنّين المحترفين وتلاميذ المعاهد الموسيقية.

لا ينكر اثنان قيمة لغة حملت فكر وقيم أكبر الثورات في تاريخ البشرية وصدحت عباراتها ومفرداتها على أعلى المنابر في التحام عضوي مع الحراك الشعبي وموجات الاحتجاج، فكان لها رموزها مثل “ميرابو” خطيب الثورة الفرنسية وجملتها الشهيرة “جئنا بإرادة الشعب ولن نخرج إلاّ على أسنّة الرماح”.

كما سافرت هذه اللغة وركبت البحر نحو العالم الجديد مع مونتسكيو وجورج لافييت وغيرهما من المنظرين والقادة، ثم لا ننسى ذلك الحراك الطلابي الشهير في مايو 1968 ورموزه الثقافية والسياسية مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، علاوة على ألمعيّة الأغاني التي ميّزتها النصوص ذات اللغة الشعرية الرشيقة كـلوي فيري وجاك بريل وجو داسان وميري ماتيو وشارل أزنافور، وقد ارتبطت هذه الأعمال الفنية بمرحلة يصفها الكثير بالعصر الذهبي للبشرية بعد خروجها من كوابيس الحرب.

ما يميّز اللغة الفرنسية أنها جمعت أعراقا وقوميات وثقافات من مختلف بقاع الأرض، يشكّل سكان المستعمرات القديمة جزءا هاما منها لكنها استقطبت أيضا كمّا هائلا من الذين اختاروها بمحض إرادتهم الحرّة ومنهم من شبّهها بالمنفى الاختياري، ومنهم من لم يكن له خيار آخر كالروائيين والكتّاب الجزائريين الذين لا يتقنون العربية من أمثال كاتب ياسين ومالك حدّاد وآسيا جبّار ومولود فرعون وغيرهم ممن أتقن الفصل بين المستعمر من جهة، ولغته من جهة أخرى كأداة تبليغ وقيمة ثقافية ومعرفية وبوابة لولوج العالمية.

الفئات العمرية التي تتحمس للإنكليزية أكثر من الفرنسية في تونس غالبيتها من الشباب وحاملي الشهادات العليا من دارسي الفروع العلمية

يلاحظ المستقصي لخلفيات أنصار اللغة الفرنسية في العالم العربي وإلى جانب كون أغلبيتهم الساحقة من المغرب العربي ولبنان، أنّ نسبة الإناث أعلى من الذكور وهو أمر لا يستغربه الذين ما انفكّوا يردّدون بأنها لغة الصالونات والطبيعة المؤنثة في طريقة التعبير عن المشاعر، كما أنها “من الطبيعي أن تنتشر في الوسط الفني والثقافي” يقول أحد الرسامين التونسيين “إنها لغة متحف اللوفر ومكتبات باريس الشهيرة والمقاهي الأدبية حتى فناني الرصيف”.

لا يتوانى أنصار الفرنسية عن انتقاد اللغة الإنكليزية في تقريريتها ووضوحها الزائد على اللزوم كما يقول شاعر تونسي يكتب بالفرنسية ويرى أنّ أوّل ما تحيله كلمة “مثقف” أو “طليعي” للأذهان هو نموذجها الفرنسي، بدليل أنّ مثقفي روسيا القيصرية مثلا ونخبها الثقافية والسياسية كانت تتميز بإتقانها للغة الفرنسية.

كما لا تخلو آراء بعضهم من التسييس وإلحاق الانتقادات والتوصيفات الجاهزة للسياسة الأميركية باللغة الإنكليزية وهي حالة لا تبدو منطقية في شيء، وإن كان هذا المنطق محصورا في بعض البسطاء والتقليديين من الجيل القديم في الأوساط اليسارية التي قرأت الفكر الماركسي بالفرنسية وتأثرت بالفورة اليسارية في فرنسا الستينات.

يتكاثر أنصار اللغة الفرنسية في بلدان المشرق التي لم تعرف الاحتلال الفرنسي وذلك لزيادة اطلاعهم بعد تمكنهم من الإنكليزية إضافة إلى موجات التقارب السياسي والاقتصادي لفرنسا التي لم تعد تركّز كثيرا على الناطقين بلغتها من مستعمراتها القديمة إضافة إلى دورها في احتضان اللاجئين إليها من المثقفين على وجه الخصوص.

يكثر المنحازون للفرنسية من ذكر مفاتنها الأدبية وقدرتها على أن تكون لغة علم وفن دون أن تفقد من ميزاتها وجاذبيتها، فهي مازالت لغة مؤتمرات وملتقيات دولية في التكنولوجيا والطب والهندسة كما في المسرح والسينما والرقص والرواية. تقول أحلام (25 سنة) وهي طالبة دراسات عليا في الأدب الفرنسي “تمنحني الفرنسية جناحين للحلم والتحليق وقدمين ثابتتين للتعامل مع الواقع اليومي والحقائق العلمية دون أن يختلّ توازني. أحس مع هذه اللغة بأنني أنتمي إلى الآن وهنا مثل ممثل على خشبة المسرح”.

12