الإنكليزي إدوارد بوند يدخل "الكوميدي فرنسيز " عبر البحر

بين المؤلف المسرحي الإنكليزي إدوارد بوند (81 سنة) والمخرج الفرنسي ألان فرانسون (71) علاقةُ تعامل متواصلة، حصيلتها إحدى عشرة مسرحية تمّ عرضها في مسارح فرنسا منذ 1992 بفضل هذا المخرج، عندما أنشأ “فرقة البشر”، ثم عند إدارته لمسرح الهضبة بباريس، آخرها مسرحية “البحر” التي دخلت رصيد مسرح “الكوميدي فرنسيز”″ العريق.
الاثنين 2016/08/15
ديكور كئيب لمسرحية إشكالية

مسرحية “البحر” هي من بواكير مؤلفات الإنكليزي إدوارد بوند، وكان كتبها عام 1972 حينما بدأ يرسّخ قدمه بأعمال لفتت إليه الانتباه مثل “عرس البابا” و”عند الفجر” و”طريق ضيقة نحو الشمال الكبير”، وهي أقل راديكالية من نصوصه التي اشتهر بها، ولا سيما ثلاثية الحرب: “أحمر، أسود وجاهل”، و”اهتياج الموسرين” و”السلام الكبير”، وهي مسرحيات تضع الهمجية التي تسكن قلب الإنسان موضع مساءلة.

والمعروف أن بوند مؤلف ومنظر وشاعر ومخرج ومترجم طور في موازاة نصوصه المسرحية التي تبلغ الثلاثين تأملا واسعا في فن المسرح من الزاويتين النظرية والسياسية، وحرص على تطبيقه في إخراجه وفي ورشات التمثيل التي كان يشرف على تنشيطها.

انتقام عبثي

يبدأ عرض مسرحية “البحر” الذي تقدمه حاليا فرقة “الكوميدي فرنسيز ” في باريس، بظلام يغمر القاعة والخشبة، وسط صخب عاصفة تتبدى رويدا رويدا عبر بياض أمواج مزبدة تتكسر على الساحل، وترج المتفرج رجّا، وكأنه وسطها. في ليلة عاصفة من عام 1907، يغرق البحر قارب صديقين عند شاطئ سوفولك المطل على بحر الشّمال، أحدهما كولن، خطيب الفتاة روز، يموت غرقا ولا يلفظه البحر بعد، فيجري البحث عن جثته؛ فيما الثاني، ويلّي، ينجو بأعجوبة.

وكان هاتش، حرس السواحل، وبائع الأنسجة في الوقت نفسه، قد رفض إغاثتهما، لاعتقاده أنهما من سكان الكواكب البعيدة، وهو ما استنكرته لويز رافي، تلك المرأة حادة الطبع، بين حصتي تمرين على مسرحية “أورفيوس″ مع صديقاتها القرويات، إذ فرضت مقاطعته وتسببت في إفلاسه إفلاسا أفقده عقله، فمضى ينتقم من جثة كولن بعد أن قذفتها الأمواج على الشاطئ، وهو على يقين من أنه من سكان المرّيخ.

وبعد جنازة ملحمية، تناثرت فيها أرمدة الميت، وتعالى النواح والعويل، وأغمي على بعض السيّدات، وتشاجر البعض الآخر، أقنعت لويز ويلّي الذي اكتشف محدودية هذا المجتمع المصغر بأن يغادر القرية رفقة روز، ويذهبا بعيدا ليعيشا معا عيشة الأزواج.

هي صور عن حياة أناس لا أفق لهم، ممزقين بين الوحدة والفراغ والخوف من الموت والفراغ، ويعيشون أحلاما أقرب إلى الكوابيس، في واقع يسوده الأقوى، مع حضور حاد لفكرة المؤامرة والقوى الخفية التي تسير العالم.

مسرحية (البحر) يمكن أن تكون تراجيديا، أو كوميديا، أو مسرحية واقعية تدور أحداثها في قرية على ساحل البحر في مطلع القرن الماضي

مسرحية تطرح ألوانا من الأسئلة الوجودية دون سعي للإجابة عنها، وسط ديكور يجمع بين السريالية والشاعرية، مع نزوع إلى الألوان التي تبعث في النفس كآبة غريبة. وهي أيضا تتأرجح بين سجلاّت كثيرة، حسب تقنية أثيرة لدى الكاتب تكون فيها المسرحية مؤلفة من مسرحيات أخرى متداخلة، لا تخضع لهذا اللون أو ذاك.

بين تراجيديا وكوميديا

مسرحية “البحر” يمكن أن تكون تراجيديا، أو كوميديا، أو مسرحية واقعية تدور أحداثها في قرية على ساحل البحر في مطلع القرن الماضي، أو تأملا في المسرح داخل المسرح، حيث جمع من النسوة القرويات يتدربن على مسرحية ميثيولوجية رديئة حول أورفيوس لتسلية سكان القرية، أو إنذارا بنهاية العالم في وقت عاصف، أو حلقة عن غزاة قادمين من كواكب أخرى، إذ يعتقد هاتش بائع الأنسجة أن سكان الكواكب البعيدة يحتلون السواحل ويلتهمون أمخاخ زبائنه ومواطنيه. وقد تكون أيضا مسرحية من مسرحيات تشيخوف، حيث سيدات بريطانيات يثرثرن ويحلمن بلندن وكأنها موسكو، أو مسرحية لإبسن، حيث يتولى الأبطال في الختام تقديم مغاز أخلاقية عما جرى.

هي كل ذلك في النهاية، تتأرجح بين الكلاسيكية وما بعد الحداثة، بين البيوت المغلقة والفضاءات المشرعة، وهو ما لا ينفيه بوند، إذ يصرّح “مسرحياتي تقوم دائما على مسرحية داخل مسرحية داخل مسرحية.. وركح فوق ركح فوق ركح”.

هي فعلا مسرحية بدايات، لها ما للبدايات من عثرات ونقائص، وقد حاول المخرج تدارك ذلك بالاستعانة بديكورات رائعة، تذكر أحيانا بلوحة اسكندنافية من نهاية القرن التاسع عشر، وأحيانا بلوحة لإدوار ماني، وأحيانا أخرى بسماء بريشة وليم تورنر، ديكورات كئيبة تبدو الشخصيات فيها مغروسة أو موضوعة كالدمى، فيضفي سكونها وهيئتها المضحكة وحركاتها داخل تلك الألبسة القديمة مسحة حزن وفراغ، والبحر، الذي يلفظ الجثث ويبتلع الأحلام، حاضر حضورا مهيبا في مدّه وجزره، وفي صخبه وغضبه.

ويحسب للعرض استعانته بممثلين أبدعوا في تقمص كل الأدوار، حتى تلك التي تفترض غناء ناشزا، أو تهريجا ساخرا كما هي حال بطلات أورفيوس، أو برانويا حادة أفضت إلى الجنون شأن هاتش، ولكنه ظل محافظا على الصيغة الأولى دون أن يسعى إلى تخفيفها مما يثقلها، كمشهد الوعظ حين لفظ البحر جثة كولن، التي بدت مسجّاة وسط منظر بحري رائع، وأقبل هاتش يطعنها أمام صديقه الناجي ويلي وعرّاف عجوز يعيش في كوخ على الشاطئ، يطلق حكمة “العذاب لغة كونية، وكل من له لغة هو كائن بشري”.

16