الإنكليز يستعيدون رومنطيقيتهم مع الشاعر جون كلير

الكثير من المبدعين على مرّ العصور تعرضوا للتهميش والنسيان، سواء أثناء حياتهم حيث قادهم النكران إلى ألم العزلة، أو بعد مماتهم إذ ساقهم الزمن بعيدا عن الذاكرة، وذلك رغم ما لهؤلاء من أثر بالغ في المسار الإبداعي الإنساني.
الجمعة 2016/07/15
شاعر مؤثر رغم قرون من النسيان

ليس غريبا على العالم أن يتلقى مبدعين كبارا بالتجاهل وسوء الفهم، ولكن لأكثر من مرّة كان هناك شخص ما أو موقف يشبه الصدفة أو القدر المحتوم، يأتي بهم مجددا من تحت الأرض إلى النور، حيث تبرز كلماتهم وآثارهم من جديد كما لو أنّها أشرقت للتوّ في العتمة.

من بين هؤلاء المبدعين، يبرز اسم شاعر عظيم ولد في الثالث عشر من يوليو 1793 وهو جون كلير، أحد أبرز الشّعراء الرومنطيقيين الإنكليز على الإطلاق وصاحب مدوّنة تعتبر ذات فرادة وتميز عظيمين، حتّى في سياق الشعريّة الرومنطيقيّة نفسها؛ إذ تبزغ من طيّاتها ملامح لوجوديّة سوف تتعزّز في القصائد القادمة مستقبلا تأثّرا بتطوّر الفلسفة والفكر الغربيين.

كان فلاّحا بسيطا وراعيا من قرية صغيرة في الرّيف الإنكليزيّ (هلبستون)، حيث نشأ ومارس الفلاحة والتسكّع والقراءة والكتابة بمفرده في كوخ صغير. كان كلير فأر كتب لا يقيم في المدارس الرسمية وإنما يتغذى من الكتب ويحيا بها وفيها، حتّى أنّ البعض من المؤرّخين لتجربته يتحدّث عن قراءته لإحدى مسرحيّات شكسبير ستّا وثلاثين مرّة من فرط إعجابه بها.

جون كلير هو الشّاعر الذي تنطلق في الخامس عشر من شهر يوليو الجاري فعاليّات الدورة الثلاثين من المهرجان الذي يحمل اسمه في قريته الصّغيرة

هلبستون. إنه حادّ في مشاعره، متحمّس إلى أبعد حدّ ومنغمس في انشغافاته، حتّى أنّ اختفاء حبيبته ماري سيؤدّي به إلى كآبة وقلق متواصلين، انتهيا به داخل مصحّة نفسيّة رغم زواجه بامرأة أخرى أنجب منها تسعة أبناء.

قصائد ومذكرات بخط يد الشاعر

وذات مرّة، حاول الهروب من المصحّة بحثا عن حبيبته فقطع ثمانين ميلا على القدمين خلال ثلاثة أيّام دون أن يأكل شيئا تقريبا سوى البعض من الحشائش. إنّه الطّفل نفسه الذي انطلق يوما من أمام البيت مفتونا بمشهد الحقول والأزهار والأفق وفي ذلك يقول “كنتُ أحسبُ أنّ الأفق يشكّل حدّ العالم وأنّ يوما من المشي كان كافيا لبلوغه. ولهذا انطلقتُ بقلب مفعم بالسّعادة آملا في القيام باكتشافات”.

اكتشف جون كلير الحبّ قويّا ومؤلما، مثلما اكتشف محبّته للطّبيعة والحياة والعزلة وامتداد الطّفولة في قلبه، لكنّ أسئلة الموت بدت تلوح في البعض من تجاربه غير المنشورة، والماكثة إلى الآن في مخطوطات متفرّقة يشتغل عليها الباحثون الإنكليز أساسا، ومن خلف هذه الأسئلة يلوح حسّ وجوديّ ذكيّ ومتفرّد.

كلّ هذه الملاحظات تتناقل اليوم بين محبّي جون كلير الجدد، فقد كان الشّاعر مقروءا بشكل جيّد في عصره داخل العاصمة البريطانيّة، ويقال إنّ المرابيح من بيع كتبه كانت تُنفق على علاج الشّعراء القادمين من الأسر النّبيلة. لكن تمّ تناسي جون كلير لفترة طويلة إلى أن نبش التّراب عن مدوّنته شاعر الحرب العالميّة الأولى إدموند بلاندن، والآن يحظى باهتمام متزايد منذ ما يتجاوز الخمسين سنة.

اليوم، تظهر من فترة إلى أخرى كتب جديدة لكلير يتمّ التحقيق في مخطوطاتها من قبل باحثين لعل أهمهم رودجر روي. كما تبرز كتب نقديّة تخوض في تجربته الإبداعية، وأخرى تتضمن ترجمة لأعماله إلى الإيطاليّة والفرنسيّة واليابانية.

وقريبا سوف تصدر ترجمة لمختارات من شعره إلى العربيّة، قد اختارها رودغر روي بالتّنسيق مع كاتب هذه الكلمات، لترجمتها لأوّل مرّة إلى اللّسان العربيّ. وههنا ننشر أوّل نصوص عربيّة لجون كلير، نافذة أولى على سهوله الممتدّة:

14