الإنهاك المعلوماتي.. متلازمة تحد من أفق الخيال عند الأطفال وتهدد نموهم الفكري

تكنولوجيات العالم الرقمي أضرّت بالملكات الإبداعية لدى الصغار.
الجمعة 2020/09/25
عش بالخيال لتحيا

تفاقم استخدام الأطفال للتكنولوجيا الحديثة في السنوات الأخيرة، وأدت أزمة فايروس كورونا والحجر الصحي الذي تواصل لأشهر إلى قضاء الأطفال ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية في ظل تساهل الأسر التي أجبرت على التغاضي عن هذا الاستخدام المفرط للهواتف الذكية والكمبيوترات واللوحات الإلكترونية، مما دفع أخصائيي علم النفس والتربية إلى التحذير من التأثير السلبي للعالم الرقمي والإنهاك المعلوماتي على ملكة الخيال والتخيل لدى الطفل والذي أصبح يهدد قدرته على الإبداع.

لندن – حذر أخصائيو الصحة النفسية من الآثار الوخيمة للاستخدام المفرط للإنترنت على الأطفال والتي قد تصيبهم بمتلازمة “الإنهاك المعلوماتي”، منبهين إلى أن قضاء الصغار معظم أوقات فراغهم والتي طالت بسبب كورونا أمام الشاشات المختلفة، يمنعهم من استخدام مخيلتهم الخاصة التي تُعد حجر الأساس في تنميتهم المعرفية.

وأشار المختصون إلى أن اعتياد الأطفال العمل على تطبيقات الهواتف الذكية وغيرها من المواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية يبدد ملكة الخيال والتخيل لديهم، لأن هذه المواقع المختلفة التي يتعرضون لها يكونون فيها متلقين فقط، لذلك فهي لا تنمي مداركهم العقلية ولا تحفزهم على الإبداع، كما أكدوا أن الكم الهائل من المعلومات الذي يتعرضون له يسبب لهم تشوشا واختلالا في التوازن المعرفي، موضحين أن الاستخدام المفرط لهذه التقنية، وخاصة قضاء الأطفال أوقاتا كبيرة في اللعب بالألعاب الإلكترونيّة، من شأنه أن يجعلهم أقل ذكاء، حيث لا يتوفر لهم الوقت الكافي للتفكير في إطار أوسع ويكبح ملكة الخيال لديهم.

ولفت الخبراء إلى أن متلازمة الإنهاك المعلوماتي تعتبر من المشكلات التي يتعرض لها الطفل بسبب استخدامه المفرط للإنترنت ولوسائل التواصل الاجتماعي دون رقابة، محذرين من استخدام هذه الأجهزة الحديثة أكثر من ساعة يوميا، كون هذه الأجهزة تشكل الصور الذهنية بطريقة آلية بغض النظر عن رغبة الطفل.

كما أشاروا إلى أن الإفراط في استخدام هذه الأجهزة يصيب الطفل بخمول جسدي واضح، وضعف شديد في التركيز خاصة عند الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و12 سنة، وذلك بسبب المشاهدات السريعة للصور التي ترافق الألعاب في هذه الأجهزة، مما يؤدي إلى تخزينها في العقل الواعي أو اللا واعي عند الطفل ويستمر عقله في استرجاعها حتى بعدما يتوقف عن اللعب، ويتسبب ذلك في تشتته الفكري وضعف تركيزه وفي إصابته بالإنهاك المعلوماتي ويضعف ملكة الخيال والتخيل لديه.

وأكد المختصون أن الطفل يحتاج في سنوات عمره الأولى إلى القراءة والغناء والسماع إلى قصص ما قبل النوم التي من شأنها أن تساعده على تطوير قدراته المعرفية، وخاصة ملكة التخيل، موضحين أن أي إهمال في التواصل بين الوالدين والطفل أو تعطيل لتلك الملكة قد يؤخر تطوره.

وأكدت الدراسات الحديثة أن الأطفال الذين يمتلكون ملكة التخيل هم الأكثر إبداعا وتفوقا وفهما، حيث يدفعهم خيالهم إلى استكشاف ما حولهم دائما، ويجعلهم أكثر حيوية ونشاطا، لأن ملكة الخيال تدفع الأطفال إلى الفضول والاستكشاف، على عكس الأطفال الذين يقضون معظم أوقاتهم أمام شاشات التلفاز أو الألعاب الإلكترونية.

التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي والوصول الفوري إلى الإنترنت والهواتف الذكية تضر بقدرة الأطفال على التركيز

وكشفت أن الأطفال الذين يمتلكون القدرة على التخيل أكثر قدرة على التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم بطريقة واضحة، نتيجة مشاركتهم في اللعب التخيلي مع غيرهم من الأطفال، وهو ما ينمي قدرات التواصل والمهارات الاجتماعية لديهم.

وشددت الدراسات على خطورة الهواتف الذكية ومتابعة الوسائط المتعددة على تركيز الأطفال. ولفتت إلى أنهم ولدوا في عالم يحفزهم باستمرار على النقر على الشاشة والمتابعة المحمومة. ويقول جيم تايلور، مؤلف كتاب “تنشئة جيل التكنولوجيا”، إن هناك “كما متناميا من الأدلة الواضحة، حتى وإن لم تُثبت تماما واختلفت حولها الآراء، على أن التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي والوصول الفوري إلى الإنترنت والهواتف الذكية تضر بقدرة الأطفال على التركيز. إننا نحدث تغييرا جذريا على الطريقة التي يفكر بها الأطفال وطريقة نمو مخهم”.

وأكد الخبراء أنه مع التكنولوجيا الحديثة وانتشار المعلومات بشكل واسع، بات النجاح غير مرتبط بمن يعرف أكثر، بل بالقدرة على التفكير المنطقي والمبدع، وهي المهارات التي تقوضها الوسائل الرقمية بتحجيم القدرة على التركيز، وأشار ويليام كليم، أستاذ علم الأعصاب ومؤلف كتاب “دورة مهارات التعلم”، إلى أن دراسة أجريت عام 2014 وجدت أن الطلاب الذين دونوا الملاحظات تدوينا يدويا كاملا كانوا أفضل من الذين استخدموا الكمبيوتر المحمول في استذكار للمعلومات.

وأوضح الخبراء أن العالم الرقمي ألحق ضررا بمهارات القراءة لدى الأطفال والتي تعتبر ركيزة أساسية في نمو ملكة الخيال والتخيل لديهم، ويؤدي هذا الضرر إلى كبح نشاطهم وقدرتهم على الخلق والإبداع، موضحين أن خيال الطفل يمر بمرحلتين وهما الخيال الإيهامي وبه يحقق الطفل الصغير رغباته التي لا يمكنه تحقيقها في الواقع. والخيال الإبداعي ويكون نتيجة لنضج الطفل العقلي، وهنا يوجه الخيال إلى غاية علمية ولا يقوم على الوهم.

وقال أستاذ اللغة الإنجليزية أنتوني إيسولين في كتابه “عشر طرق لتدمير خيال طفلك” الذي ألفه في 2010، “يحل التلفزيون محل الخيال المطلوب لقراءة كتاب جيد، إذا أردنا أن يقرأ أطفالنا الكتب، فمن الضروري الحد من تعرضهم للتلفزيون”، معربا عن أسفه لجميع الأنشطة الثرية التي تم استبدالها بالشاشات في الوقت الحالي مثل لعب الكرة، بناء حصن ترابي، التحدث مع الأصدقاء، وجمع القطع النقدية أو حتى تخريب آلة بالمنزل من أجل استكشافها بالرغم من معرفة العقاب الذي سنتعرض له.

وقالت الدكتورة لويز بونس من جامعة أكسفورد بروكس في أحد المؤتمرات السنوية لقسم علم النفس التنموي بجمعية علم النفس البريطانية “هناك مجموعة متزايدة من الأبحاث للتحقق من تأثير انخراط الأطفال في الخيال على تنميتهم”.

Thumbnail

وأضافت “أردنا أن نختبر ما إذا كان الأطفال الذين ينخرطون في ألعاب الخيال أكثر إبداعا، لأنه من الناحية النظرية، اللعب في عوالم خيالية يتطلب الخيال لتصور العالم بشكل مختلف عن الواقع الحالي، الذي هو أيضا بالضرورة يجعلك تفكر بشكل إبداعي”.

وأنجزت بونس وفريقها مقابلات مع 70 طفلا تتراوح أعمارهم بين 4 و8 سنوات لتقييم مدى انخراطهم في ألعاب الخيال، وتم تقسيم الأطفال إلى 3 مجموعات وطلب من الأطفال في المجموعة الأولى أن يتخيلوا وكأنهم في موقف يعكس واقع الحياة، مثل وجود الطفل بحفلة شاي أو أن يتظاهر بكونه معلما. وفي المجموعة الثانية طلب من الأطفال التخيل وكأنهم في موقف يتضمن أحداثا لم يكن من المحتمل أن تحدث في الواقع مثل أن يقاتل الطفل أسدا دون أن يصاب بأذى أو أن يذهب إلى المدرسة في طائرة هليكوبتر. وفي المجموعة الثالثة طلب من الأطفال التخيل وكأنهم في موقف يتضمن أحداثا مستحيلة مثال الذهاب إلى مدرسة السحرة أو اللعب مع جني صغير.

كما أنهى الأطفال ثلاث مهمات تتعلق بالإبداع، في المهمة الأولى، وجب عليهم أن يفكروا في أكبر عدد ممكن من الأشـياء الحمراء، وفي المهمة الثانية، كان عليهم وصف أكبر عدد ممكن من الطرق للتحرك في جميع أنحاء الغرفة من النقطة أ إلى النقطة ب، أمّا في المهمة الثالثة، فكانوا مطالبين برسم شخص حقيقي وآخر خيالي. في المهمتين الأولى والثانية ينال الأطفال النقاط وفقا لعدد وتميز الإجابات التي قدموها. وأما في المهمة الثالثة فكان تقيّيم رسومات الأطفال بحسب مستوى الإبداع فيها وذلك وفقا لاثنين من الحكّام. وكما توقع الباحثون، كشفت النتائج أن الأطفال الذين يمارسون ألعاب الخيال أحرزوا مستويات أعلى من غيرهم في التفكير الإبداعي في المهام الثلاث، على الرغم من أن النتائج كانت أقوى في المهمتين الأولى والثانية مما هي عليه في مهمة الرسم الثالثة.

وقالت بونس “إن النتائج تقدم دليلا على أن الانخراط في الألعاب التي تتضّمن تخيل سيناريوهات غير واقعية على نحو متزايد يرتبط بالتفكير الإبداعي أكثر، بالرغم من أننا في هذه اللحظة لا نعرف اتجاه هذه العلاقة. فمن الممكن للأطفال الذين يتمتعون بألعاب الخيال أن يصبحوا لاحقا أكثر إبداعا، وقد يكون من الممكن للأطفال الأكثر إبداعا الانخراط لاحقا بالمزيد من ألعاب الخيال”.

وتابعت “على الأقل فإن هذه النتائج تقدم دليلا تشجيعيا للوالدين والمدرسين لتشجيع الأطفال على ممارسة ألعاب الخيال كوسيلة لتطوير مهارات التفكير الإبداعي لديهم”.

21