الإهداء.. فن العلاقات الاجتماعية

الخميس 2017/02/09

في وقت سابق كتبنا عن ظاهرة حفلات التوقيع كحلقة جمالية أدبية يمارسها الأدباء في مناسبات صدور مؤلفاتهم، لكننا لم نتحدث عن (الإهداء) كونه نصاً مقتصداً أملته لحظة الإهداء الشخصية للطرف الآخر- القارئ، وهي لحظة سريعة ضاغطة تكشف إلى حد ما بديهية المؤلف وتفاعله الصريح مع المُهدى إليه كتقليد اجتماعي وليس أدبياً محضا، فالاجتماعي هنا رديف للأدبي ومرافِق له، ويقيناً فإن لقاءات الإهداءات يسهم فيها “الاجتماعي” أكثر من “الأدبي” لذلك نجد القارئ المجهول هو الاجتماعي الذي يقتني الكتاب ويدفع ثمنه أملاً في الحصول على توقيع من المؤلف كذكرى خطّيّة، وبالتالي نجد أطيافاً واسعة من القرّاء تبحث عن مؤلفيها وتتابع إصداراتهم الكثيرة وتحتفظ بفرص التوقيع بخط المؤلف كعلامة تقديرية منه. الأدبي هنا شامل ويدخل في بابه الفني والسياسي والأكاديمي والثقافي بتعدد صنوفه، فالمؤلف -كتسمية- واحد، والجمهور -كتسمية- واحد، والمكان يتشابه في كل مكان من حيث هو قاعة يتواجد فيها المؤلف مع جمهوره الشخصي الاجتماعي الكثير والأدبي القليل أو الجمهور الشبابي الحريص على فرصة التوقيع والذي يستهويه التعرف على المؤلف عن قُرب.

هذه ملامح سريعة عامة عن بعض التقاليد التي يمارسها المؤلفون حينما تصدر لهم مؤلفات مطبوعة تبيّن على نحوٍ تقريبي العلاقة الشكلية بين المؤلف والآخر، مصِراً على تسميته بالاجتماعي فالأدبي شبه غائب في الكثير من محافل التوقيع لأسباب ما، أما إذا كان الأدبي حاضراً بقلته القليلة فهو نمط شكلي توفيقي في غالب الأحيان ويقترب كثيراً من الاجتماعي كحضور تمليه بعض ضرورات العلاقة الشخصية، وهكذا نرى الاجتماعي هو الطاغي في مثل هذه المناسبات (الإهدائية) التي كانت متباعدة لكنها اليوم أصبحت متلاحقة بسبب سرعة الطبع، وربما استسهال الكتابة أيضاً وبالتالي أصبحت ظواهر التوقيع متكررة ودائمة حتى للأسماء التي لا يعرفها غير الجيران!

المؤلف وحده صاحب المأدبة في هذه الحفلة الصغيرة يبرر فيها العلاقة الودية -الاضطرارية- الاعتبارية لإشهارها شكلياً بإمضاءٍ سريع كما لو أنه رسالة مبتورة غير مهيأة لأن تكتمل “عزيزي فلان.. مع التقدير”، لكنها ستكتمل -لو تأملنا الأمر من زاوية أخرى- بوجود العنصر النسوي وما يفيض به من حضور عطري شفاف “صديقتي الجميلة فلانة.. هذا فيض من الكلمات الوردية لعلها تليق بجمالك” أو”صديقتي الرائعة فلانة.. حضوركِ جمّل اللحظة البيضاء فزادتنا بياضاً وألقاً”، وهكذا تنثال الجملة تلو الجملة بطبقية واضحة أملتها لحظة التوقيع الشفافة المنحازة إلى العنصر النسوي، وهذا أمر طبيعي لكننا نؤشره كواقعة تحدث دائماً مع الأدباء الموقّعِين، مثلما نؤشّر للبعض الذين يختارون ألواناً لأحبارهم والبعض الآخر ينمّق من جملته ويحرّك حروفها، وفي العادة يميل المؤلف في إهداءاته الى الاختزال ويعتني بخطه كثيرا على خلاف عادته في الكتابة اليومية، وربما يهيئ قلماً جديداً بخط عريض وواضح ليكون توقيعه أكثر وضوحاً واسمه مبصوماً على وجه الورقة البيضاء بعد الغلاف كشاخص بارز للآخر المُهدى اليه.

ستكون لحظة الإهداء لحظة ضاغطة على المؤلف، وهي لحظة إنتاجية سريعة سينساها ما إن يكتبها وبالتالي لو جمعنا مثل هذه الإهداءات على مر التاريخ الثقافي سنحصل على نصوص قصيرة غاية في الأهمية ويمكن أن نقرأ منها الحالة الجمالية والنفسية للمؤلف، لا سيما لو جمعنا إهداءات المشاهير في العالم والعالم العربي فسنحصل على نتيجة ظريفة وجميلة تمكّننا من قراءة مشاهد متفرقة في أزمنة وأمكنة متعددة.

الفكرة فيها جماليات نصوصية غاية في المتعة والسحر، لكن نحتاج إلى مؤسسة متفرعة تجمع تواقيع المشاهير من أدباء وعلماء وسياسيين وفنانين لنكون أمام نصوص مقتصدة ومضغوطة. وسيكون أغلبها مدهشاً.

كاتب من العراق

14