الإهمال والانتهاكات اللفظية مخاطر تهدد الأسرة العربية

بحث المرأة الدائم عن أمانها وراحتها بعيدا عن زوجها، أول نتائج العنف العاطفي الخطيرة، فالمرأة الخائفة دائما ضعيفة وهشة وعرضة للوقوع في محاولات اصطياد رخيصة.
السبت 2018/10/13
العنف العاطفي عدو لدود للمرأة

رغم تعدد أنواع وأشكال العنف الأسري بين أطراف العائلة الواحدة، يبقى العنف العاطفي أكثرها خطورة بسبب صعوبة تعريفه وتفسير ظواهره وفهم توابعه النفسية والتربوية. وتظل العلاقات الصحية القائمة على تأسيس أسر متوازنة نفسيا واجتماعيا خط الحماية الأول من ذلك العنف النمطي.

تزايدت تحذيرات الخبراء من العنف الجسدي واللفظي الذي ينجم عنه تكوين أسر مضطربة تمثل خلايا مهددة للمجتمع. ويتغاضى البعض عن الحديث عن العنف القائم على استبدال أنماط الود والمحبة والتقدير بين أطراف الأسرة إلى أخرى مسيئة ومهينة وعدائية، ما يعزز تفكك الأسر واندلاع المشكلات المتكررة وتعدد الأزمات، التي تنتهي في النهاية بانقسام الأسرة إما بانفصال غير رسمي وإما بالطلاق.

أمام محكمة الأسرة بمصر الجديدة (شمال القاهرة)، وقفت منى حسن، العشرينية الحسناء، تنتظر دورها في عرض قضية الخلع التي أقامتها ضد زوجها المهندس الشاب المتخلف عن الحضور للمرة الثالثة، حتى أن كافة التسويات باءت بالفشل لإهماله المجيء للبحث في الأمر.

تحكي منى لـ”العرب”، وهي في انتظار حضور زوجها “يقيني أنه لن يحضر إلى المحكمة، ولن يُعير الأمر اهتماما، هكذا كانت حياتي معه، ينظر إلي كقطعة أثاث فاخرة استهوته وبمجرد اقتنائها لم يعد يقدم لها العناية اللازمة.. تركني وحيدة طيلة عام كامل بعد زواجنا، ومنذ الأسبوع الأول وهو يقضي غالبية وقته خارج المنزل، فبات الصمت عنوانا لحياتنا الأسرية”.

وتتابع “وقته مقسم بين عمله وبيت والدته والسهر مع رفاقه، عاتبته أكثر من مرة على إهماله لي دون جدوى، لم يتغير إلا لبضعة أيام ثم يعود بعدها إلى أسوأ مما كان عليه، ولم يعد يغازلني أو يسمعني كلمات رقيقة، وأما مناسباتنا الخاصة مثل ذكرى خطبتنا، أو يوم ميلادي فلا يتذكرها”.

يلخص ما ترويه منى إحدى حالات العنف العاطفي أو الإساءة العاطفية، فلا تعدّ حالتها استثناء يشذ عن القواعد، بل هي القاعدة ذاتها التي تتكرر في الكثير من الأسر العربية. وتطرح قضية العنف العاطفي والفكري على موائد النقاش والتحاور وتكشف النقاب عن هشاشة العلاقات الزوجية التي تبنى على أسس ضعيفة سرعان ما تنهار معها الأسر، مع كون هذه الحالة من العنف لا تحظى بتعريف محدد، لأنها لا تترك علامات استرشادية على وقوعها، أو تتمكن الزوجات من شرحها بسهولة في جلسات التصالح هربا من الطلاق وحفاظا على الأسرة.

أشكال العنف الفكري والعاطفي لا تنحصر في بيئة دون غيرها، وهو لا يتبع ثقافة معينة، فقد يقع في جميع الطبقات

يندرج العنف العاطفي والفكري واضطهاد المشاعر وتهميش أنوثة الزوجة كلها ضمن حالات يعتبر رصدها من الأمور المستحيلة على الباحثين والزوجات أنفسهن في ظل انعدام آثارها الملموسة، ما يفسر صعوبة وضع تعريف محدد لهذا النوع المؤدي إلى الطلاق خاصة مع عدم تحمل النساء له.

تفاقمت ظاهرة الطلاق في المجتمع المصري بشكل كبير حتى أنها وصلت وفق آخر الدراسات والإحصائيات إلى 250 حالة يوميا ما وضع البلاد في المرتبة الأولى عالميا ضمن قائمة حالات الطلاق. وهو ما يمثل خطورة بالغة على مؤسسة الزواج، وينذر بكوارث اجتماعية ونفسية خطيرة تتخطى الكلمات المكررة عن التفكك الأسري وانهيار كيانات الأسر الحديثة.

ويشير أحمد عصمت، استشاري الأمراض النفسية بالقاهرة، إلى أن المرأة التي تقع فريسة للعنف الفكري والعاطفي تظل تعاني أمراضا نفسية واكتئابا إلى جانب الأمراض العضوية لفترات طويلة ربما لا تشفى منها سريعا، لكن يساعد العلاج على تجاوزها على المدى الزمني البعيد.

وينوه لـ”العرب” إلى أنه رغم الوقائع التي تؤكد أن العنف العاطفي يقع على الزوجة وحدها، إلا أن الزوج أيضا يقع فريسة لهذا النوع الشعوري غير الملموس من سوء العلاقات الزوجية.

ويدلل على هذا بالكثير من الأمثلة، فامتناع الزوجة عن فراش زوجها يعدّ عنفا عاطفيا، وينطوي الأمر لدى الزوج على حالة من رفض الزوجة له، وفي اتجاه معاكس اتهامه بالعجز وما إلى ذلك يعدّ عنفا، كذلك نسيان أمور خاصة تتعلق بعمل الزوج، أو ظروفه المرضية، أو ما يساعد على راحته تعدّ كلها عنفا عاطفيا وإهمالا فكريا.

لا تنحصر أشكال العنف الفكري والعاطفي في بيئة دون غيرها، وهو لا يتبع ثقافة معينة، فقد يقع في جميع الطبقات، بيد أن استخدام الأسلوب يختلف وفق الحالة المزاجية والثقافية والتعليمية للمعنف. في حديث مع زوج أقدم على قرار الانفصال بعد زواج دام 15 عاما، رغم ما تكبده من تكاليف مادية ومستحقات باهظة للزوجة وفقا القانون، قال الرجل لـ“العرب”، “إهمالها فاق كل الحدود، فهي تتجمل خارج المنزل بشكل مبالغ به، وفي البيت أشعر أنني أعاشر رجلا مثلي، حتى مرضي لم تترك التعليق عليه، لا تأتي مناسبة إلا وتعايرني به، مرددة على مسامعي ومسامع أبنائنا تضحياتها للبقاء مع رجل مريض، رأيت أن طلاقها تحرر من وضع بائس”.

ندرج العنف العاطفي والفكري واضطهاد المشاعر وتهميش أنوثة الزوجة كلها ضمن حالات يعتبر رصدها من الأمور المستحيلة على الباحثين والزوجات أنفسهن

تتفق سناء الجمل، استشارية العلاقات الأسرية بجامعة عين شمس، ومدربة التنمية البشرية، مع آراء الخبراء مؤكدة ضرورة الانتباه لهذا النوع من الإهمال العاطفي وفقدان القدرة على التواصل الذي يترك آثارا نفسية تفوق بكثير الآثار الجسدية المتعارف عليها، مع تهديد حتمي لمؤسسة الزواج.

وتشدد الجمل لـ”العرب” على إمكانية تقبل الزوجات للعديد من المشكلات الحياتية، أيا كانت، سواء المادية، أو فقدان الزوج وظيفته، أو إهمال الإنفاق على الأسرة وإلقاء أعباء الأبناء وشؤون دراستهم على الزوجة والعنف الجسدي والخيانة الزوجية، بينما تطلب الطلاق وتهدد بالانفصال فورا، وذلك ثأرا لكرامتها المنتهكة في حالات مثل الإهمال العاطفي والتنمر اللفظي والاستخفاف بها أمام الآخرين، أو التقليل من قدراتها الفكرية وتجميد مشاريعها الدراسية.

وتقدم الجمل فائدة إيجابية لهذا العنف الذي قد يولد لدى المرأة شعورا قويا بالتمرد على المألوف في حياتها من كافة النواحي، حتى أنها تغير من واقعها بالكامل،
وتهتم بنفسها أكثر من ذي قبل، وقد تتعلم لغة جديدة أو مهارة ما تساعدها على تغيير الصورة الدونية التي وصفها بها الشريك.

يبقى بحث المرأة الدائم عن أمانها وراحتها بعيدا عن زوجها، أول نتائج العنف العاطفي الخطيرة، فالمرأة الخائفة دائما ضعيفة وهشة وعرضة للوقوع في محاولات اصطياد رخيصة، كما أنها تفتقد لأهم مقومات التربية النفسية السليمة لأبنائها ولا تجد ما تمنحهم إياه من قوة الشخصية والثقة بالنفس، وهو ما ينذر بتوالد أجيال تعيد إنتاج العنف العاطفي والفكري ضدها وإعادة تصديره إلى الآخرين.

21