الإهمال والفساد يهددان الأمن الغذائي للتونسيين

إهدار 1700 طن من الحبوب جراء سوء التخزين.
الاثنين 2020/12/21
طرق بدائية لتخزين قوت التونسيين

تزايد حجم شبهات الفساد في تونس رغم إقرار ترسانة من التشريعات لمكافحته، وبعد أن كان مقتصرا على مجالات معينة، أصبح يهدد بشكل لافت الأمن الغذائي للمواطنين، وتجلّت هذه المشكلة مع إتلاف كميات كبيرة من الحبوب دون استغلالها، في خطوة يرى اقتصاديون أنها تحمل في طياتها “صفقة” تجارية مشبوهة.

تونس - أثار إهدار 17 ألف قنطار (1700 طن) من الحبوب الممتازة جراء سوء التخزين جدلا واسعا في تونس، حيث طالبت عدة أطراف بضرورة فتح تحقيق في القضية وتحديد المسؤوليات، لما له من تداعيات وخيمة على الأمن الغذائي للمواطنين ولما يحمله في طياته من شبهات فساد.

وسارعت وزارة الفلاحة والموارد المائيّة والصيّد البحري، إلى توضيح المشكلة بعد أن تم تداولها في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، على إثر زيارة قام بها أعضاء من لجنة الفلاحة بالبرلمان إلى مركز تجميع الحبوب بقبلاط من محافظة باجة شمال غرب البلاد.

وقالت في بيان إنّه “حماية لكميّة البذور المجمّعة من محصول موسم 2020 والبالغة 115 ألف قنطار (1115 طن) والتّي هي تحت تصرّف الشّركة التّعاونيّة للبذور والمشاتل الممتازة والمخزّنة بمركز المدينة، توّلت الشّركة المذكورة تحويل 17 ألف قنطار (1700 طن) من البذور إلى مركز التّجميع بقبلاط”.

ولفتت الوزارة، في بيانها السبت الماضي، إلى أن ذلك كان على مراحل منذ مارس الماضي، حيث تم رفض استقبال 6 آلاف قنطار (600 طن) من البذور في البداية، ثم طلب ديوان الحبوب 11 ألف قنطار (1100 طن) للمحافظة عليها طبقا للاتّفاقيّة المبرمة بين الطّرفين.

وأوضحت أنه تم تخصيص 11 ألف قنطار بعد انتقائها لتحسين المراعي، أما الكمية المتبقية فسيتم استعمالها لإنتاج الأسمدة، مشيرة إلى أن هذه الوضعيّة كانت محلّ متابعة من قبل المصالح المختصّة بالوزارة، إذ وقعت عدّة زيارات لمواقع التّجميع منذ أغسطس الماضي.

محمد رجايبية: ما حصل شبهة فساد ونحمّل التعاضدية المركزية المسؤولية
محمد رجايبية: ما حصل شبهة فساد ونحمّل التعاضدية المركزية المسؤولية

وكانت وزيرة الفلاحة عاقصة البحري قد أجرت زيارة فجئيّة لمنشآت الشّركة التّعاونيّة للبذور والمشاتل الممتازة مطلع سبتمبر الماضي وقد أمرت على إثر ذلك بتكوين لجنة فنيّة مختصّة لمتابعة الأمر.

وفي الوقت الذي تستورد فيه البلاد سنويا كميات كبيرة من الحبوب بالعملة الصعبة، يتلف ما قيمته 2.5 مليون دينار (930 ألف دولار) بعد ترك الكمية المذكورة مكدسة في العراء وعرضة للعوامل الطبيعية دون استغلالها أو تقديمها كحوافز مشجعة لصغار الفلاحين.

وقال محمد رجايبية عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الفلاحة والصيد البحري (اتحاد الفلاحين) إن “ما حصل يعتبر إهمالا ويدخل في باب سوء الحوكمة، خصوصا وأن هذه الكمية قديمة (منذ 2018)، وكان يفترض أن تكون في شكل إعانات لصغار الفلاحين لما لها من مردودية عليهم أو إحكام خزنها دون تركها في العراء مكشوفة”.

وأضاف رجايبية في تصريح لـ”العرب”، “نستورد تقريبا 70 في المئة من حاجياتنا ولا نوفر سوى 30 في المئة، ما يطرح حقيقة وجود مراقبة لهذه التعاضديات وإمكانية وجود صلة مباشرة لها بالعملية، والأمر يعود إلى سلطة الإشراف (وزارة الفلاحة والصيد البحري)”.

وحمّل عضو اتحاد الفلاحين مسؤولية ما حصل على عاتق التعاضدية المركزية، قائلا “هذا يعتبر شبهة فساد ولا بد من تتبع كل من ساهم في إتلاف هذه الكمية، نحن نستهلك 15 في المئة من البذور الممتازة ونسعى للترفيع في ذلك إلى 30 أو 40 في المئة، وهذه شبهة فساد وسوء حوكمة”.

ووفق بيانات أوردها المرصد الوطني للفلاحة، استوردت تونس منذ مطلع العام الجاري وإلى غاية أغسطس الماضي، زهاء 2210 ألف طن من الحبوب بقيمة 1.49 مليار دينار (قرابة 550 مليون دولار) أي بزيادة بنسبة 21.2 في المئة بمقارنة سنوية.

رمضان بن عمر: الإدارة التونسية تفككت وباتت عاجزة عن التصدي للفساد
رمضان بن عمر: الإدارة التونسية تفككت وباتت عاجزة عن التصدي للفساد

وبلغت قيمة واردات القمح الصلب 595.4 مليون دينار (221.6 مليون دولار) في حين بلغت تكاليف توريد القمح اللين مبلغ 614.5 مليون دينار (228.8 مليون دولار) وتوريد الشعير زهاء 384.9 مليون دينار (حوالي 134 مليون دولار).

وتطرح أوساط تونسية علامات استفهام بشأن مصير هذه الكمية، وفيما وقع إتلافها فعلا أو توظيفها لفائدة “عصابات” الفساد والصفقات المشبوهة.

وتساءل رجايبية خلال حديثه مع “العرب” قائلا “هل تم إتلاف هذه الكميات حقا أو سيتم استغلالها في مسالك أخرى؟” مستطردا بالقول “لا بد من فتح تحقيق في الملف بداية من العامين 2018 و2019 إلى اليوم، لأنه لا يوجد ما يثبت فعلا إتلافها وهذا ما سيكشف عنه التحقيق، الذي ستقوم به بصفة جدية لجنة الفلاحة على مستوى البرلمان”.

واعتبر المتحدث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر في حديثه لـ”العرب”، أن هذا التجاوز دليل آخر على تفكك الإدارة التونسية التي أصبحت عاجزة عن التصدي لأشكال الفساد.

وقال “لقد أصبحت الأمراض التي يمرّ بها المجتمع تنعكس على مستويات حساسة على غرار غذاء المواطنين، وهو ما كرسه الإفلات من العقاب والزبونية والعلاقات داخل الإدارة والإهمال المتواصل”.

وأضاف بن عمر “على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها بعدم التلاعب بالأمن الغذائي في وقت ترتفع فيه أصوات الفلاحين المحتجة بشأن البذور الممتازة وأزمة القطاع الفلاحي”.

وفي تعليق على هذه القضية، قال رئيس لجنة الفلاحة والأمن الغذائي بالبرلمان معز بلحاج رحومة السبت الماضي، إن “اللجنة قررت إحالة الملف على الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ومراسلة رئاسة الحكومة، ومطالبة وزارة الفلاحة بالتدخل العاجل لمحاسبة كل الأطراف المسؤولة عن الواقعة”.

وأوضح أن الشركة المسؤولة عن تخزين وتوزيع الحبوب مفلسة وأنه يجب حلها طبق ما ينص عليه القانون، مؤكدا أن الوزارة أصدرت أمرا لديوان الحبوب بصرف مبلغ 300 ألف دينار (111.7 ألف دولار) لسداد رواتب العمال.

وكانت النائب عن التيار الديمقراطي أمل السعيدي قد أشارت في تدوينة نشرتها على صفحتها بموقع فيسبوك، إلى أن هذه البذور الفاسدة على ذمة الشركة التعاونية المركزية للمشاتل والبذور الممتازة، وإلى أن الشركة كانت ولا تزال تشكو من إخلالات كبيرة جعلت منها شركة عاجزة ومفلسة.

ووفقا لتقارير رسمية، تمتد الأراضي الزراعية على مساحة تصل إلى 10 ملايين هكتار (5 ملايين هكتار من الأراضي الزراعيّة والباقي مراع وغابات) أي ما يقارب 65 في المئة من مساحة البلاد، ما سمح بأن يلعب القطاع الزراعي دورا حيويّا على الصعيد الاقتصاديّ، بتأمينه 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويساهم في تشغيل حوالي 13.4 في المئة من اليد العاملة بالبلاد.

وفي ظل الارتباك في النهوض بهذا القطاع، تصاعدت طيلة السنوات القليلة الماضية تحذيرات الخبراء من مخاطر التغييرات المناخية المتسارعة على أمن التونسيين الغذائي مستقبلا، إذا لم يتم اعتماد سياسات عاجلة للتأقلم معها باعتماد حلول مبتكرة وعملية لمواجهة هذا التهديد الوجودي.

10