الإهمال يخفي مجد ميناء قرطاج في البحر المتوسط

مرفأ يكتب تاريخ الضاحية الشمالية من العاصمة وحاضرها الثقافي والسياحي.
الجمعة 2021/09/24
موطن ملوك الصيد والتجارة والحرب

لا أحد يُهمل وجهه، كذلك لا يمكن للبلدان أن تهمل تاريخا ناصعا يفترض أن يزيّن حاضرها ومستقبلها، فميناء قرطاج الذي يقع على الضفة الشمالية من العاصمة يعاني من عدم الاهتمام رغم موقعه المحاذي للمدينة التاريخية وعلى مقربة من القصر الرئاسي، وهو محاذ لحي يضم فيلات الطبقة الراقية.

تونس - ترسو قوارب الصيد على ساحل ميناء قرطاج القديم أو ما تبقى منه، لتضطلع بالدور ذاته الذي كان يمارسه الأجداد القرطاجيون ملوك الصيد والتجارة البحرية في حوض المتوسط قبل قرون.

تتكدس أكوام الشباك على الرصيف الترابي للميناء التاريخي وهي تنتظر لحظة قدوم الصيادين في المساء ليبحروا بحثا عن رزقهم مستعينين بمصابيح زيتية. في الأثناء، وفيما تشارف أشعة الشمس على المغيب يتقاطر الزائرون للاستمتاع بمشهد تقاطع المغيب مع سطح البحر في المكان المفعم بالتاريخ.

ويكتسب الميناء هيبة لدى المولعين بتاريخ قرطاج كونه كان منصة انطلاق السفن التجارية والحربية للقرطاجيين الذين بسطوا نفوذهم بشكل كامل في حوض البحر المتوسط وصنعوا مجد قرطاج التي حملت لقب “إمبراطورية البحر” لعدة قرون.

الميناء يكتسب هيبة لدى المولعين بالتاريخ كونه كان منصة انطلاق السفن التجارية والحربية إلى {إمبراطورية البحر} لعدة قرون

يقع الميناء في قلب المدينة التي تضم المدرج الروماني وباقي أطلال المدينة التاريخية وعلى مقربة من القصر الرئاسي، وهو محاذ لحي يضم فيلات الطبقة الراقية في ضاحية قرطاج.

يأخذ الميناء شكلا دائريا حيث تحيط المياه بجزيرة صغيرة، وتتصل مياه الميناء بالبحر المتوسط عبر فتحة لا تزيد عن عشرة أمتار تمر عبرها مراكب الصيد اليوم، لكن انحسرت مساحة الميناء عما كانت عليه في الماضي بسبب العمران.

يقول رجل أمن بزي مدني في مقر الحراسة المطل على الميناء “تقطن في المنطقة المحاذية العديد من الشخصيات السياسية المعروفة ومن بينهم وزراء سابقون. الموقع مهم جدا ولكنه يشكو من الإهمال”.

ويضيف الحارس “يعاني الصيادون من ضيق الميناء، يأتي بعضهم من مناطق أخرى خارج قرطاج، وتسبب هذا في اكتظاظ يفوق طاقة الاستيعاب الحقيقية فضلا عن أن سطح المياه منخفض داخل الميناء وهذا يعيق تحرك السفن بأريحية”.

وبجانب ميناء الصيد، لا تزال القطع الصخرية الضخمة من بقايا الميناء العسكري المحاذي شاهدة على تاريخ قوة عسكرية مهابة في حوض المتوسط.

واستخلص الباحثون أنه تمت إقامة هذه الموانئ ما بين القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد أي نحو 600 سنة تقريبا بعد تأسيس قرطاج، وتتمثل في مرفأ حربي ومرفأ تجاري يشتملان على تجهيزات متطورة منها أحواض لترميم السفن وإصلاحها وحظائر لبناء سفن جديدة ومخازن للبضائع والمواد الخام.

بوابة صغيرة لمجد كبير
بوابة صغيرة لمجد كبير

وبحسب الرسم التقريبي للمدينة في متحف قرطاج، كان المرفأ الحربي والجزيرة محفوفين بأرصفة كبرى على طولها مخابئ معدة لقبول 220 سفينة ومحاطين بسورين مرتفعين، وكانت الجزيرة ترتفع قبالة المدخل بكيفية تمكن أمير البحر من رؤية ما يقع في عرض البحر في حين أن القادمين منه لا يرون ما بداخل الميناء بوضوح، فحتى التجار لا يمكنهم مشاهدة ما يجري داخل الميناء العسكري.

وقال الباحث الجامعي المتخصص في التاريخ القديم بولبابة النصيري “ميناء قرطاج هو الأول في تاريخ سواحل البحر المتوسط وأفريقيا. وقع إنشاؤه بهندسة متميزة وفيه رونق خاص. هو شكل من أشكال قوة الدولة”.

ويضيف النصيري “كان الميناء يضم أسطولا بحريا كبيرا وجيشا. يعني ذلك أنه كانت هناك رحلات تجارية بحرية. كما يعني ذلك هيمنة على المجال البحري. ووراء ذلك هناك صناعة سفن واقتصاد كبير”.

ووفق المؤرخين، تمكن الفينيقيون (القرطاجيون الأوائل) من الاستفادة سريعا من موقع قرطاج المتميز حيث أصبحت خلال بضع سنوات محطة التجارة المتوسطية، واكتظت مخازنها المرفئية التي تعد قلب المدينة النابض ببضائع من مختلف دول العالم.

ولكن المرفأ لعب دورا رياديا في توسع قرطاج في غرب المتوسط وتأسيسها للعديد من المستوطنات في شمال أفريقيا وصقلية وإسبانيا ومناطق أخرى، وفرضها لاتفاقيات تجارية وعسكرية مع خصومها بفضل أسطول عسكري قوي يرافق مختلف الرحلات التجارية.

ميناء قرطاج هو الأول في تاريخ سواحل البحر المتوسط وأفريقيا وقع إنشاؤه بهندسة متميزة وفيه رونق خاص وهو شكل من أشكال قوة الدولة

ويؤكد تصميم للمدينة اعتمادا على ما تبقى من آثارها، في بحث أشرفت عليه الباحثة الألمانية اناستازيا بفايفر من معهد “فابر كورتيال” المتخصص في إعادة البناء الافتراضي عبر تقنية التصوير ثلاثي الأبعاد، ما دونه المؤرخون من ازدهار تجاري وعسكري للمدينة خلال فترة توسعها.

ويجسد التصميم الذي يعيد الحياة افتراضيا لقرطاج تنظيما عمرانيا ومؤسساتيا متطورا للمدينة الساحلية بما في ذلك التصميم المتقدم في ذلك العصر للمرفأين خلال القرن الرابع قبل الميلاد.

ويوضح شريط الباحثة كيف كانت السفن تنفذ إلى الميناء الحربي عبر الميناء التجاري الذي كان له مدخل واحد من البحر عرضه 70 قدما ويغلق بسلاسل حديدية. وبعد تدمير قرطاج سنة 146 قبل الميلاد في آخر حروبها مع روما، رممت الموانئ البونية من طرف الرومان الذين أعادوا تشييد الجزيرة حوالي سنة 200 ميلادي.

لكن معظم ملامح الميناء التاريخي اختفت بمرور الزمن تحت الأتربة فيما ارتفعت البنايات الحديثة فوق جانب كبير من أجزائه. وقد تحدثت السلطات منذ أكثر من عشر سنوات عن خطط لإعادة إحياء المرفأ المدرج مع بقايا مدينة قرطاج ضمن مواقع التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو.

وقال الباحث النصيري “هناك إهمال صحيح، لكن إعادة إحيائه من جديد تتطلب موازنة ضخمة بالمليارات من الدولارات. كما أن هناك مشكلة أخرى هو أن الجزء الأكبر من المرفأ لم يعد موجودا. ويحتاج المشروع إلى دعم من الدولة وشركات عملاقة متخصصة ولا يجب أن يقتصر على باحثين ووزارة”.

ولكن على الرغم من غياب أعمال التأهيل والترميم، يتدفق الزائرون يوميا على الميناء لالتقاط صور غروب الشمس واستحضار سفن القرطاجيين محملة بالسلع والجنود وصدماتهم المتكررة مع الرومان في وقائع حربية مشهودة.

ويقول النصيري “يظل المكان ساحرا ينطوي على تاريخ مليء بالمجد والهيمنة والأحداث المتقلبة في تاريخ قرطاج، لهذا يأتي الناس دائما إلى الميناء ليعيشوا في حضرة التاريخ”.

معظم ملامح الميناء التاريخي اختفت بمرور الزمن تحت الأتربة فيما ارتفعت البنايات الحديثة فوق جانب كبير من أجزائه
معظم ملامح الميناء التاريخي اختفت بمرور الزمن تحت الأتربة فيما ارتفعت البنايات الحديثة فوق جانب كبير من أجزائه

 

20