الإيرانيات يتحدين شرطة الأخلاق في عصر الإنترنت

الحجاب هو إحدى المعارك المهمة في محاولة الإيرانيين وفي مقدمتهم النساء نيل حريتهم المسروقة من الدولة، ويبدو أن "الثورة الصامتة" التي بدأتها النساء منذ أعوام أصبحت معلنة على الشبكات الاجتماعية.
الخميس 2018/11/08
ثورة نسائية

طهران - عادت ظاهرة الاحتجاج ضد الحجاب الإجباري في إيران لدى قيام فتاة في العاصمة طهران، الاثنين، بخلع الحجاب في نفس المكان الذي قامت فيه عدة فتيات بالحركة ذاتها وتم اعتقالهن خلال الأشهر الماضية.

وتداول ناشطون مقطعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي يظهر فتاة في وسط ساحة “انقلاب (الثورة)” في طهران، وهي تلوح بحجابها في الهواء، لكنهم أكدوا أن قوات الأمن اعتقلتها عقب ذلك.

وكانت السلطات الإيرانية قد اعتقلت حوالي 30 امرأة منذ انطلاق حملة مناهضة الحجاب الإجباري في 27 ديسمبر الماضي.

وقد توصلت دراسة جديدة أجرتها الشرطة الإيرانية إلى استنتاج مفاده أن الإنترنت هو المسؤول الأول عن مقاومة المرأة المتزايدة لقانون الحجاب الإلزامي.

وقد تم نشر الدراسة المعنونة بـ”شرح التحديات الخارجية التي تواجه الشرطة في السيطرة على الحجاب السيء” في العدد الأخير من مجلة الأمن العلمي ربع السنوية للشرطة الوطنية. وتدعي الدراسة أن “وسائل الإعلام والفضاء الافتراضي” من أهم التحديات والعقبات أمام إنفاذ القانون في كفاح الشرطة ضد “اللا حجاب” أو “الحجاب السيء”.

طلبت الدراسة من 32 ضابط شرطة ورجال دين شرح أهم التحديات التي تواجه الشرطة عند التعامل مع الحجاب. ومن بين المشاركين، أشارت الأغلبية إلى وسائل الإعلام والفضائيات والإنترنت باعتبارها التحدي الأكبر. وجاء “غياب القوانين واللوائح الشاملة المتعلقة بالحجاب” في المرتبة الثانية، وثالث أكبر تحدّ، بحسب المشاركين، كان “عبادة الموضة وتوافر محلات بيع الفساتين غير اللائقة”.

ويظهر التقرير أن هناك بعض الاعتقاد بأن بث “مسلسلات وأفلام محلية وأجنبية” على التلفزيون الإيراني الذي تديره الدولة ساهم في “التطبيع مع الحجاب السيء”.

كما أنحت الدراسة باللائمة على وسائل الإعلام التي “تضخم إجراءات الشرطة سلبيا”. كما سلطت الضوء على “نقص القوى العاملة الماهرة والعناية ونقص المرافق”.

وفي عام 2016، اعترف الجنرال حسين أشتاري، قائد الشرطة الإيرانية، بفخر، بأنه في كل يوم يتم إلقاء القبض على حوالي 2000 امرأة في طهران ومدن أخرى بسبب ارتدائهن ملابس غير ملائمة.

ومنذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، بذلت الحكومة الإيرانية كل ما في وسعها لإجبار النساء وترهيبهن للالتزام بقوانين الحجاب الإلزامي الذي تعتبره “لباسا إسلاميا”.

وعلى مر السنين، جربت مجموعة متنوعة من التكتيكات لفرض هذه الممارسة.

ومع ذلك، فإن التجسيد الأكثر وضوحا للشرطة الأخلاقية وسياسة الترهيب كان “الدوريات الإرشادية”، المعروفة أيضا باسم “دوريات الأخلاق”.

دوريات الأخلاق تستمد نفوذها من القوة البشرية التي توفرها منظمة "الباسيج" شبه العسكرية
دوريات الأخلاق تستمد نفوذها من القوة البشرية التي توفرها منظمة "الباسيج" شبه العسكرية

تأسست دوريات الأخلاق في عام 2005 كفرع للشرطة الوطنية، وعناصرها تُستمد في الغالب نفوذها من القوة البشرية التي توفرها منظمة “الباسيج” شبه العسكرية، وعادة ما تتألف الدورية العامة من شاحنة صغيرة بطاقم من ذكور ونساء يرتدين الشادور. وتتواجد هذه الدوريات في التقاطعات المزدحمة، وخارج مراكز التسوق والأماكن العامة الأخرى. كما تنتشر الدوريات في الأحياء الميسورة حيث يُعتقد أن النساء يملن أكثر إلى خرق قواعد اللباس.

غير أن الدوريات أثبتت أنها غير فعالة في تخويف النساء، رغم معاقبة المخالفات بالجلد. وفي عام 2015، خلص مركز أبحاث البرلمان الإيراني إلى أن الدوريات قد فشلت.

ووجدت دراسة نُشرت عام 2014 من قبل مركز الدراسات الاستراتيجية الإيراني أن ما يقرب من نصف الإيرانيين يريدون أن يكون ارتداء الحجاب طوعيا وليس إجباريا مثلما هو معمول به. وفي مواجهة العنف المتصاعد ضد “الحجاب السيء”، ومنذ عام 2014 بدأ ما يطلق عليه الإيرانيون “الثورة الصامتة” ضد الحجاب الإلزامي. وأنشأت ماسية آلينجاد، الصحافية الإيرانية التي تقيم في لندن، صفحة على فيسبوك اسمها “حريتي المسروقة”، تدعو فيها النساء الإيرانيات إلى نشر صورهن دون حجاب.

وبدأت النساء في التفاعل مع الصفحة ونشر صورهن دون حجاب، وإبداء رغبتهن في نيل الحرية والتخلص منه. وخطوة بخطوة انتشرت الصفحة وتفاعلت معها الكثير من النساء حتى صارت مصدر غضب للسلطات، وبدأ النظام يشوه سمعة صاحبة الصفحة بشتى الطرق، حتى وصفتها إحدى الصحف المحسوبة على التيار المحافظ بأنها “عاهرة”.

ماسية تقول إنها تحترم الحجاب ولا تحرض ضده، لكنها ترى أن ارتداءه يجب أن يكون بالاختيار وليس بالإجبار. وترى أن الصفحة ليس لها أي غرض سياسي، بل هدفها الوحيد مساعدة النساء الإيرانيات في نيل حريتهن.

لم تقف “الثورة الصامتة” عند هذا الحد، فصورت بعض النساء أنفسهن وهن يقدن السيارات دون حجاب ونشرن الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، فاشتد غضب رجال الدين والشرطة، وأعلنوا أنهم سيعرفون من تفعل ذلك ويطلبون من مديرها في العمل طردها، بل وستتعرض للاعتقال إذا ضُبطت خلال القيادة دون حجاب.

لم توقف التهديدات تصعيد الاحتجاج ضد الحجاب، فبدأت النساء حملة جديدة اسمها “الأربعاء الأبيض”، والفكرة أن ترتدي النساء ملابس بيضاء عكس الشادور الأسود، ويخلعن الحجاب ويسرن في الشارع أو أي مكان عام لوقت قليل، وتصور كل واحدة نفسها وتنشر مقطع الفيديو على صفحة “حريتي المسروقة”، وتلقى الحملة انتشارا واسعا بين الإيرانيات حتى الآن.

يذكر أنه في عام 2016، أنشأ مطورو البرامج المجهولون تطبيق أندرويد لمساعدة الأشخاص على تجنب دوريات الأخلاق، لكن مقاومة الحجاب الإلزامي وقواعد اللباس “الإسلامي” تجلت أيضا في تحد
أكثر علنية.

ففي وقت مبكر من هذا العام، وقفت مجموعة من النساء اللواتي عرفن باسم “نساء الثورة” على منصات في طهران وأصفهان ومشهد، وربطن أوشحتهن حول عصي ولوحن بها أمام دوريات ألأخلاق.

لكن على الرغم من كل ذلك، لم يسبق لحكام الجمهورية الإسلامية أن شككوا في شرعية مضايقة النساء لإجبارهن على
الخضوع.

وعبر المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي في اليوم العالمي للمرأة عن رفضه لحركة “الثورة النسائية” الاحتجاجية، واصفا إياها بأنها “تافهة وصغيرة”، مضيفا أن الإنجاز الوحيد الذي يمكن أن يدعيه “أعداء” إيران هو أن “بعض الفتيات” قد خُدعن، وأبدى أيضا دعما قويا لإجراءات الشرطة في التعامل مع الأمر.

19