الإيرانيون والروس وماء الحياة

الجمعة 2015/05/29

عزز تنظيم الدولة الإسلامية قبضته على نصف مساحة الأراضي السـورية بعد سيطرته على مناطق إستراتيجية واسعة، توّجها بالسيطرة على آخر معبر حدودي بين سوريا والعراق، بالسيطرة على مدينة تدمر التي تفتح طرقاً لحمص ودمشق اللتـين تعتبران من أبرز معاقل النظام في عمق سوريا، كما تمر منها الطريق الرئيسية إلى دير الزور.

لقد نشر خبراء دوليون ومعارضون سوريون خرائط تفصيلية تُظهر أن قوات النظام السوري لم تعد تسيطر سوى على أقل من 25 بالمئة من مساحة البلاد، وتتركز سيطرتها في العاصمة دمشق وعلى خط طولي ضيّق يمتد من درعا إلى دمشق، ثم تمتد السيطرة لتشمل حمص ومحافظتا الساحل، فيما يهيمن تنظيم الدولة على نصف سوريا الشمالي والشرقي، مع جيوب تحت سيطرة الأكراد تقارب 5 بالمئة من مساحة سوريا، ويسيطر الجيش الحر وبقية قوى المعارضة المسلحة على نحو 20 بالمئة من مساحة البلاد.

رغم أن نصف سوريا التي يهيمن عليها تنظيم الدولة الإسلامية لا تضم نصف سكان سوريا، ولا حتى ربعهم، إلا أنها مساحات غنيّة بالثروات، فهي تضم حقول الفوسفات وغالبية آبار النفط والغاز، ونحو نصف محطات إنتاج الكهرباء، وتعطي نحو نصف إنتاج سوريا من القمح، بينما لم يعد النظام يسيطر إلا على 10 من حقول النفط والغاز، وعلى خمس معابر حدودية من أصل 19 معبراً لدول الجوار، وهذه المعابر الخمس جميعها مع لبنان، بالإضافة إلى أنه لا يعيش تحت كنفه أكثر من 20 بالمئة من مجمل سكان سوريا.

إن سيطرة تنظيم الدولة السهل والسريع على مدينة تدمر، أثار الكثير من التساؤلات والشبهات، فالتنظيم سيطر على تدمر بما يشبه الاستلام والتسليم أي دون قتال جدي وعنيف، كما أنه عبر أكثر من 200 كم في الصحراء ليصل إلى المدينة وليحتل معسكرات ومخازن أسلحة ومطار، دون أن يتعرض لممانعة من (نظام الممانعة) الذي راح مقاتلوه ينسحبون على أنغام أغاني فولوكلورية سورية وكأنهم منتصرون.

وفق غالبية التقديرات، فإن انسحاب النظام بيسر وسهولة، هو مناورة من قبله ورسالة لإثارة ذعر الغرب من انسحاب (النظام العلماني) الذي يحمي كنوز الحضارة الإنسانية أمام ضربات (النظام الجهادي) الذي سيدمرها كما فعل في العراق، وتوقيع الرسالة واضح “إما أن تتعاملوا معي وتحتضنوني كمنقذ، أو أنكم مرغمون على التعامل مع الجهاديين كواقع يهدد التراث الإنساني”، وبمعنى آخر أكثر شيوعاً (الأسد أو تدمير البلد).

دون وقف المضخة الإيرانية والروسية عن ضخ ماء الحياة للنظام فإن الأزمة ستطول ولن يكون أمام الشعب السوري سوى الموت والجوع

إن التنظيم الجهادي القاعدي الذي يسيطر على نصف سوريا الصحراوي هو، في الواقع، هدية من السماء للنظام السوري، لأنه يبرر للنظام السوري رفع يافطة الحرب على الإرهاب وليثأر من (البيئة الحاضنة) حسب زعمه، ويدمرها بالبراميل، وبالمقابل فإن هذا (التنظيم الجهادي) يساير لعبة النظام طالما تُؤمّن له (البقاء والتمدد) من خلال رخاوة مقاومة النظام لتقدمه.

سارع كثير من المعارضين السوريين والمحللين الغربيين إلى افتراض أن النظام السوري بات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، ورُسِمت سيناريوهات عدة، منها ما افترض بدء تطبيق النظام للخطة “ب” أي الانسحاب لسوريا المفيدة له، ومنها ما افترض أنه بدأ يرسم خطوط التماس لحدود دولتين، وبعضها افترض قرب المشهد الأخير من الأزمة السورية بقرب سقوط دمشق وهروب الموالين منها بعد انهيار مفاجئ للنظام، وغيرها من السيناريوهات التي توحي بأن الأمر مسألة أيام.

صحيح أن هناك حقيقة واضحة، وهي أن النظام لم يعد قادراً على مواجهة المعارضين لحكمه مع تعدد الجبهات التي فتحها، وبعد الخسائر الكبيرة التي مُني بها خلال أربع سنوات، إلا أن الفصل الأخير من (الفيلم) يبدو بعيداً، واقتراب انهيار النظام أمر ضعيف، لأن المضخة التي تزوده بأسباب القوة والحياة مازالت تعمل دون كلل.

إن مجموع انتصارات المعارضة السورية المسلحة بأنواعها المتعددة، لا تشكل انتصارا قادرا على لي يد النظام، ومن غير المرجح أن تحدث تغيرا إستراتيجيا يجبر القـوى الحليفة للنظام، على تغيير موقفها الداعم له تسليحيا واقتصاديا وسياسيا، وهكذا فالنظام السوري سيبقى قادرا على البقاء، طالما أن طهران وموسكو تعهّدتا بتزويده بالسلاح والمقاتلين والمال والمساعدات الأخرى بلا حساب.

إن انهيار النظام السوري يعني انهيار أحلام من يدعمه، أي أنه يعني القضاء على الحلم الإيراني بدور إقليمي فعال وعظيم يساعد إيران على الهيمنة على القرار العربي، كما يعني القضاء على الحلم الروسي منذ أيام القياصرة بالتواجد في المياه الدافئة، ويساعد روسيا المعاصرة كي تصبح واحدا من اثنين يحكمان العالم، وهذا بالذات ما يدفعهما، كل بطريقته، لدعم النظام السوري بلا حدود، وبلا حساب، وبلا رادع أخلاقي أو إنساني أو عقلاني.

صحيح أن تراكم انكسارات النظام السوري أمر مهم، ويمكن أن يُبنى عليه لإرغام النظام ومن وراءه للقبول بالتفاوض وبحل سياسي، لكن دون وقف (المضخة) الإيرانية والروسية عن ضخ (ماء الحياة) للنظام السوري فإن الأزمة ستطول، ولن يكون هناك أمام الشعب السوري سوى تحمّل الموت والجوع والمرض والفقر وكل الآلام الأخرى أزمنة أطول، ولاختصار الزمن، لا بد للسوريين أن يبحثوا عن طرق لوقف تلك المضخات.

إعلامي سوري

8