الإيرانيون يحاولون استغلال جزر القمر للالتفاف على العقوبات

إيران تنتهج أسلوب التحايل للتخفيف من قيود العقوبات الأميركية بإعطاء الضوء الأخضر لشخصيات في قطاع الأعمال للحصول على جوازات سفر من جزر القمر، بهدف حماية مصالحهم التجارية.
الاثنين 2018/07/02
المال مقابل جنسية ثانية للإيرانيين

بوزورجمهر شرف الدين وديفيد لويس

لندن – في يناير الماضي ألغت جزر القمر بهدوء مجموعة من جوازات السفر التي اشتراها أجانب خلال السنوات القليلة الماضية. ولم ينشر هذا البلد الصغير الواقع قبالة ساحل شرق أفريقيا تفاصيل عن السبب وراء هذا القرار، واكتفى بالقول إن هذه الجوازات صدرت بشكل غير مناسب. لكن قائمة سرية بأسماء من حصلوا على جوازات السفر اطلعت عليها رويترز تشير إلى أن هذه الخطوة وراءها دوافع أكبر مما أعلنته الحكومة. فقد وجدت الوكالة أن أكثر من 100 من بين 155 شخصا ألغيت جوازات سفرهم الصادرة من جزر القمر في يناير كانوا إيرانيين.

وكان من بين هؤلاء عدد من كبار المديرين التنفيذيين في الشركات التي تعمل في مجالات الملاحة والنفط والغاز والعملات الأجنبية والمعادن النفيسة، وهي المجالات التي تستهدفها جميعا عقوبات دولية مفروضة على إيران.

وقد اشترى بعض هؤلاء أكثر من جواز سفر صادر من جزر القمر. ويخشى دبلوماسيون ومصادر أمنية في جزر القمر والغرب من أن يكون بعض الإيرانيين قد حصلوا على جوازات السفر لحماية مصالحهم في ظل عقوبات أصابت بالشلل قدرة إيران على تنفيذ أنشطة تجارية على الساحة الدولية وعلى الرغم من أن أيّا من هؤلاء الأشخاص أو الشركات ليسوا هدفا للعقوبات، إلا أن القيود على إيران ربما تجعل من حمل جواز سفر آخر أمرا مفيدا.

 

تحاول إيران التخلص من قيود العقوبات الاقتصادية التي تطالب بها الولايات المتحدة المجتمع الدولي، بعد تعليق الرئيس الأميركي دونالد ترامب العمل بالاتفاق النووي الذي أبرمته الدول الكبرى معها في صائفة عام 2015، لكن إيران اختارت أن تنتهج أسلوب التحايل للتخفيف من قيود العقوبات، حيث كشف تقرير لوكالة رويترز أن العديد من الإيرانيين اشتروا جوازات سفر من جزر القمر، الدولة الصغيرة الواقعة بين موزمبيق ومدغشقر بهدف حماية مصالحهم التجارية.

وتتيح جوازات السفر الصادرة من جزر القمر إمكانية السفر دون تأشيرة إلى مناطق في الشرق الأوسط والشرق الأقصى، ويمكن أن يستخدمها إيرانيون لفتح حسابات في بنوك أجنبية وتسجيل شركات في الخارج.

ولا تسمح الحكومة الإيرانية رسميا لمواطني البلاد بحمل جواز سفر ثان. لكن مصدرا إيرانيا مطلعا على عمليات شراء جوازات السفر الأجنبية قال إن وزارة الاستخبارات الإيرانية أعطت الضوء الأخضر لبعض كبار الشخصيات في قطاع الأعمال والشركات للحصول على هذه الجوازات لتسهيل السفر والمعاملات المالية. ولم ترد الحكومة الإيرانية والسفارة الإيرانية في لندن على طلبات للتعليق.

وقال حميد مسيدي وزير الداخلية السابق في جزر القمر والذي كان في منصبه أثناء إصدار بعض هذه الجوازات إن لديه شكوكا في أن بعض الإيرانيين “يحاولون استغلال جزر القمر للالتفاف على العقوبات”. وأضاف أنه “ضغط من أجل إجراء المزيد من عمليات المراجعة والتدقيق قبل منح جوازات السفر للأجانب”. لكنه لم يقدّم تفاصيل.

وأحجمت وزارة الخزانة الأميركية عن التعليق وقالت إنها لا تتطرق إلى التحقيقات الجارية. وقال كينيث كاتزمان خبير الشرق الأوسط في خدمة أبحاث الكونغرس بالولايات المتحدة إن جزر القمر كانت واحدة من بين عدة دول أفريقية تحاول إيران أن يكون لها بها نفوذ دبلوماسي وتجاري. وأضاف كاتزمان “الحصول على جوازات سفر من جزر القمر سيسمح لهم بالقيام بأشياء دون اكتشاف أنهم إيرانيون”.

وطبقا لقاعدة بيانات جوازات السفر في جزر القمر اشترى، في المجمل، أكثر من ألف شخص ولدوا في إيران جوازات سفر من جزر القمر في الفترة من 2008 وحتى 2017. واشترى غالبية هؤلاء الجوازات بين 2011 و2013 عندما تم تشديد العقوبات الدولية على إيران وخاصة على قطاعي النفط والمصارف.

وتم تخفيف العقوبات الدولية على إيران بعد توقيع اتفاق عام 2015 يستهدف منع طهران من تطوير أسلحة نووية. وفي مايو الماضي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق واصفا إياه بأنه “معيب ومروع واتفاق لصالح طرف واحد”. ومنذ ذلك الحين فرضت وزارة الخزانة عقوبات جديدة على أشخاص تقول إنهم على صلة بالحرس الثوري الإيراني وبرنامج الصواريخ الإيراني وبعض شركات الطيران الإيرانية وخدمات تحويل الأموال. وسوف يبدأ سريان المزيد من العقوبات الأميركية في أغسطس ونوفمبر القادمين.

برنامج لبيع جوازات سفر

بدأت جزر القمر التي يبلغ عدد سكانها نحو 800 ألف نسمة برنامج بيع جوازات السفر في عام 2008 كوسيلة لجمع سيولة تحتاجها بشدة. ورتبت جزر القمر اتفاقا مع حكومتي دولة الإمارات والكويت، اللتين كانتا تريدان استخراج وثائق هوية للسكان عديمي الجنسية المعروفين بالبدون. وكان من المقرر أن تشتري الحكومتان جوازات السفر من جزر القمر وتوزعها بعد ذلك على البدون.

في المقابل كانت جزر القمر تسعى للحصول على مئات الملايين من الدولارات للمساعدة في تنمية الاقتصاد الذي لا يتجاوز حجم الناتج فيه 600 مليون دولار سنويا. وكانت جزر القمر تقيم أيضا في ذلك الوقت علاقات مع إيران. وكان رئيس البلاد خلال الفترة من عام 2006 إلى عام 2011 أحمد عبدالله محمد سامبي الذي درس لسنوات في مدينة قم الإيرانية المقدسة.

بيع أكثر من 300 ألف جواز سفر من جزر القمر إلى إيرانيين عندما كان الرئيس أحمد عبدالله محمد سامبي في السلطة

ووفقا لمصادر محلية وبحث أجراه مركز تشاتام هاوس، كان هناك إيرانيون من بين حراس سامبي الشخصيين، وكان بعض أهل البلاد يصفونه بأنه “آية الله جزر القمر”. وفي عام 2008، زار طهران. وفي ذلك الوقت، كان الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد يبني علاقات مع دول أفريقية وأخرى من أميركا اللاتينية، بعد أن أدار الغرب ظهره إلى طهران. ورد أحمدي نجاد الزيارة بأخرى مثلها إلى جزر القمر في العام التالي.

ووفقا للبيانات، بيع أكثر من 300 ألف جواز سفر من جزر القمر إلى إيرانيين عندما كان سامبي في السلطة. ولم يرد سامبي على طلبات للتعليق. وكانت سلطات إنفاذ القانون في جزر القمر استجوبت سامبي في إطار تحقيقاتها في برنامج الجنسية الاقتصادية.

المشترون

وفقا للبيانات فإن من بين الإيرانيين الذين اشتروا جوازات السفر الصادرة من جزر القمر بينما كانت إيران تتعرض لعقوبات في الوقت الذي كان فيه إكيليلو في السلطة هم:

* مجتبى عرب محقي الذي قالت الحكومة في عام 2011 إنه أحد كبار مديري قطاع النفط الإيراني. وحصل محقي على جواز سفر من جزر القمر عام 2014 عندما كان رئيسا لمجلس إدارة شركة سفير جوستار هامون، وهي شركة تجارة دولية لم تواجه عقوبات.

* محمد صادق كوفيح، رئيس شركة كوفيح للموانئ والخدمات البحرية حصل أيضا على جواز سفر من جزر القمر في عام 2015. وكوفيح وأسرته من بين الشخصيات الرئيسية التي تدير ميناء شاهد رجائي في بندر عباس، المسؤول عن إدارة معظم حركة الحاويات الإيرانية. وقال متحدث باسم كوفيح للموانئ والخدمات البحرية، التي لم تتعرض لعقوبات، إن كوفيح ليس لديه جواز سفر من جزر القمر وإن جميع الخدمات التي تقدمها الشركة متماشية مع القوانين الإيرانية والدولية. وردا على سؤال حول سبب ظهور تفاصيل خاصة بكوفيح على قاعدة بيانات لجوازات سفر جزر القمر، قال المتحدث إن المعلومات “مُغرضة” وإن من الممكن أن يكون شخص آخر استخدم اسم كوفيح.

*حصل حسين مختاري زنجاني، وهو شخصية نافذة في قطاع الطاقة الإيراني ومحام متخصص في النزاعات المحلية والدولية، على جواز سفر من جزر القمر في عام 2013. ولم يتسن الاتصال بزنجاني للحصول على تعليق. كما أن شخصا آخر اشترى جواز سفر من جزر القمر وهو محمد ضراب، وهو تاجر ذهب يحمل الجنسيتين التركية والإيرانية. ووجهت محكمة أميركية اتهامات لضراب في عام 2016 باستخدامه النظام المالي الأميركي لإجراء معاملات بمئات الملايين من الدولارات لحساب إيران.

قلق دولي

بدأ حجم هذه المبيعات التي شملت المئات من جوازات السفر يثير قلق الدبلوماسيين الدوليين الذين يراقبون الوضع في جزر القمر. وقال مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية في المنطقة على اطلاع على برنامج جوازات السفر “نعتقد أن جزر القمر لم تفعل أي شيء للتدقيق في الأشخاص الذين يحصلون على جوازات السفر التي تصدرها”.

ولم ترد حكومة جزر القمر على طلبات التعليق. وقال الدبلوماسي الأميركي إن الولايات المتحدة تفرض حاليا إجراءات أكثر صرامة للتدقيق في حاملي جوازات سفر جزر القمر. وأضاف أن السلطات الفرنسية تشعر أيضا بقلق لأن آلافا من حاملي جنسية جزر القمر يقيمون في فرنسا. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية إن الوزارة على علم ببيع جنسية جزر القمر ولكن لا يمكنها التعليق على ذلك.

ولا يشكل بيع جوازات سفر جزر القمر خطرا أمنيا بالنسبة للغرب فحسب ولكنه لم يحقق أيضا ما كان متوقعا لاقتصاد الجزر.

7