الإيزيديون ما بعد داعش: الذكرى مريرة والمستقبل غامض

إيزيديات تروين قصص معاناتهن ونضالهن لتأمين لقمة العيش لأطفالهن بعد أن حرمهن الجهاديون من أزواجهن وتجنيد أطفالهن كمقاتلين، وبيع النساء في سوق النخاسة.
الاثنين 2019/07/15
اضطهاد طويل ومرير

لالش (العراق) – خمس سنوات مرت على اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية لمدينة سنجار الجبلية في شمال غرب العراق التي تسكنها الأقلية العرقية الدينية المعروفة بالإيزيدية.

لم تكن هذه الأقلية معروفة كثيرا قبل أن تتعرض لأقسى اضطهاد على أيدي عناصر داعش الذين قتلوا المئات من رجالها وأطفالها، وخطفوا نساءها واتخذوهن سبايا واستعبدوهن جنسيا.

وبحسب إحصاءات المديرية العامة لشؤون الإيزيدية في وزارة أوقاف حكومة إقليم كردستان، قُتل نحو 1280 إيزيدياً، ويُتّم أكثر من 2300 طفل، وتعرض ما يقارب من 70 مزارا للتدمير منذ أن شن تنظيم داعش هجوما وحشيا على سنجار في أغسطس عام 2014.

وخطف التنظيم أيضا أكثر من 6400 إيزيدي، معظمهم من النساء والفتيات، نجا منهم نحو 3400 شخص. وتروي إيزيديات قصص معاناتهن ونضالهن لتأمين لقمة العيش لأطفالهن بعد أن حرمهن الجهاديون من أزواجهن.

عبودية جنسية

إيزيديات

تحت خيمتها الضيقة ذات الإضاءة الخافتة، تمرر ليلى شمو قطعة قماش زهرية اللون بمهارة تحت إبرة ماكينة الخياطة، لتخيط طرفيها وتصنع منهما قطعة ملابس تتمكن بأجرتها من تأمين قوت لأسرتها.

وبينما تقوم شمو بعملها في مخيم خانكه للنازحين في شمال غرب العراق، تُلقي بين الحين والآخر نظرة على اسم زوجها، كيرو، الموشوم على يدها اليسرى. ولا يزال زوجها في عداد المفقودين بعد خمس سنوات من اجتياح داعش لمسقط رأسها في سنجار. في ذلك الوقت، أقدم الجهاديون على قتل الرجال الإيزيديين بشكل جماعي أو خطفهم، وتجنيد الأطفال كمقاتلين، وبيع النساء في سوق النخاسة واتخاذهن سبايا واستعبادهن جنسيا، فيما فر من نجا إلى مخيمات النزوح البائسة.

لا يزال هؤلاء غير قادرين على العودة إلى سنجار حيث دمر التنظيم الحقول والبنية التحتية الزراعية التي كانت العمود الفقري لاقتصاد هذه الأقلية العرقية التي كان الجهاديون يعتبرون أبناءها “كفارا”.

على غرار شمو، تسلمت النساء اللواتي حرمن من معيل لعائلاتهن، زمام الأمور في عائلاتهن، في ظل دعم ضئيل من الدولة، وكسرن بذلك أحد المحرمات في هذا المجتمع الصغير المغلق.

وتقوم شمو ببيع فساتين، وملابس لأطفال حديثي الولادة في المخيم، وأغطية وسادات مطرزة، مقابل دولارات قليلة. تستخدم آلة الخياطة وقطع قماش تبرعت بها منظمة “خالصا” الخيرية غير الحكومية التابعة لطائفة السيخ.

وتقول شمو، الأم والسبية السابقة لدى التنظيم المتطرف “لو كنت بقيت بلا عمل، لكان فكري مأخوذا طيلة الوقت بما فعله داعش بي، ولماذا زوجي ليس هنا، وأين طفلَي، وأقاربي التسعة الذين ما زالوا في قبضة الدواعش”. وتضيف “بفضل مدخول آلة الخياطة، أعتني بابني وبنتَي، وبأختي وزوجها أيضا”.

خطفت شمو بينما كانت حاملا في شهرها السابع، وأنجبت في الأسر، ثم فصلت عن زوجها وأطفالها. وأطلق سراحها مع ثلاثة من أطفالها، لكن زوجها واثنين من أولادها وأحباء آخرين، لا يزالون في عداد المفقودين. وتقول شمو “هم دائما في قلبي. مع هذه الوشوم، هم على يدي أيضا. أراهم حين أعمل”. غياب الرجال واضح في مخيم خانكه. على مدى قرون عدة وفي جميع أنحاء العالم، تركت الحروب مجتمعات دون عمال رجال، وملأت النساء الفراغ. لكن انعكاس الدور له خصوصية كبيرة في مجتمع الإيزيديين المحافظ.

إيزيديات

وتقول خبيرة الماكياج الثلاثينية في مخيم خانكه، أسيمة، “في السابق، كان من المعيب في سنجار أن تعمل النساء. أما الآن، فأصبح العكس. النساء يعملن أكثر من الرجال”.

وعندما اجتاح تنظيم داعش مسقط رأسها في العام 2014، قضت عائلة أسيمة نحو أسبوعين في العراء على جبل سنجار، قبل فتح ممر آمن للإيزيديين للفرار. ومنذ ذاك الحين، تعيش أسيمة في مخيم خانكه حيث افتتحت قبل شهرين فقط صالون تجميل بمساعدة منظمة “جيندا” المحلية التي زودتها بمستلزمات الماكياج. وتقول “عائلتي كانت في حاجة إلى معيل”.

ومن أصل 3300 إيزيدي تحرروا من تنظيم الدولة الإسلامية على مدى السنوات الخمس الماضية، 10 بالمئة فقط هم من الرجال. أما الغالبية فمن النساء والفتيات اللواتي أجبرهن التنظيم على “العبودية الجنسية”.

وبموجب العقيدة الإيزيدية، تصبح النساء، وإن مستعبدات، منبوذات من الطائفة إن تزوجن من خارجها. لكن القرار التاريخي الذي أصدره زعيم الطائفة بابا شيخ في العام 2014، طالب بقبول النساء الناجيات العائدات ضمن الأقلية. إضافة إلى ذلك، تركت بعض النساء اللواتي أجبرن على الإنجاب من مقاتلي داعش، أطفالهن في سوريا المجاورة، كشرط لقبولهن مجددا ضمن الطائفة.

وبالنسبة للأطفال الذين خطفهم تنظيم الدولة الإسلامية فيحاولون التعافي من سنوات الأسر بيد الجهاديين، بعد عودتهم إلى مجتمعاتهم المصدومة في العراق، وهم يعانون من غسل أدمغة ومشاعر محطمة.

وقد أنقذ العشرات من الأطفال الإيزيديين والتركمان خلال الأشهر الأخيرة، مع انهيار “الخلافة” التي أقامها تنظيم داعش في سوريا والعراق، مجندا فيها الأطفال ليقاتلوا ومستعبدا النساء جنسياً.

أشباح الأسر تطارد الأطفال

 ​إيزيديات ​    ​

تمّ لمّ شمل الكثيرين مع عائلاتهم، لكن تعافي هؤلاء الأطفال الذهني يتم ببطء بسبب طول فترة النزوح، وافتقار الموارد، والمحيط المعتاد على الخوف أكثر من التسامح، ووسط كل ما يذكرهم بالمعاناة التي عاشوها.

وقد حاولت لمى مرارا الانتحار في العاشرة من عمرها مهددة بطعن نفسها أو القفز من سطح مبنى مرتفع، بعد مرور أشهر قليلة على عودتها إلى العراق. وتقول والدتها نسرين (34 عاما) “أخاف ألا تكون أبداً كالأطفال الإيزيديين الآخرين”.

وأمضت لمى نصف حياتها أسيرة لدى تنظيم الدولة الإسلامية الذي أجبرها على اعتناق الإسلام والتحدث بالعربية بدلا من لغتها الكردية الأم. وتضيف نسرين “ما زالوا مغسولي الأدمغة. عندما يشعرون بالملل، يبدأون في الحديث عن رغبتهم في العودة إلى داعش”، مشيرة إلى أن “أي أخصائي نفسي لم يزرهم”.

وسيحتاج المجندون قسرياً إلى علاجات خاصة بحسب أعمارهم، وفق ما تقول ميا بلوم، الأكاديمية الأميركية التي تدرس قضية الجنود الأطفال. وتوضح أن الأطفال المخطوفين قد يعاد تأهيلهم بسهولة لأن لديهم ذكريات أقل عن الحياة في ظل تنظيم داعش، والذين أخذوا في سن المراهقة “لديهم ذكريات ما قبل الصراع ويمكنهم العودة إلى طفولتهم السعيدة”.

لكن أولئك الذين تم تجنيدهم خلال سنوات التكوين، تم تعليمهم نبذ الأقليات، وربما يفتقرون إلى ذكريات إيجابية عن مسقط رأسهم. وسيتطلب ذلك جهودا كبيرة من المجتمعات نفسها التي ما زالت ترهبها فكرة التنظيم، وغالباً ما تعامل الأطفال الذين تم إنقاذهم كجهاديين في طور الانتظار.

الإيزيديون بالأرقام

من بين ما يقارب 1.5 مليون إيزيدي في العالم، يعيش العدد الأكبر، وهو 550 ألفا، في العراق، مع وجود أعداد أقل في المناطق الناطقة بالكردية في تركيا وسوريا.

وأسفرت عقود من الهجرة عن توجه أعداد كبيرة من الإيزيديين إلى أوروبا، وخصوصا ألمانيا التي تأوي نحو 150 ألفا من أبناء هذه الطائفة، إضافة إلى السويد وفرنسا وبلجيكا وروسيا.

ولكن منذ اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية لسنجار في العام 2014، هاجر ما يقارب من مئة ألف إيزيدي من العراق إلى أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا وكندا.

ولا يزال نحو 360 ألفا يعيشون اليوم في مخيمات النازحين بشمال غرب العراق. ولم يتمكن سوى بضعة آلاف فقط من العودة إلى سنجار حيث لا تزال معظم المنازل أنقاضا، والكهرباء والمياه النظيفة والمستشفيات شحيحة.

7