الإيسيسكو: المسلمون في مواجهة التشدد الديني والتعويم الغربي في آن

الخميس 2015/02/19
مقاومة التيارات الإسلامية المتطرفة وتصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام من الجهود الضرورية لتخفيف التوتر وإرساء علاقات بين الأديان

الرباط - المنعرج الحاد الذي يمر به العالم العربي الإسلامي والناتج عن تعالي أصوات الإرهاب والتشدد في المنطقة، وما أنتجته من ربط متسرع مضلل بين الإسلام والإرهاب، فرض على عديد الفعاليات المجتمعية والفكرية والدينية بذل جهود مضنية من أجل تبديد اللبس، وتأكيد أن الإسلام، كما غيره من الأديان، بريء مما يمارس باسمه هنا وهناك، لكن ذلك لم يحل دون الانتباه إلى أن العالم الإسلامي أصبح يواجه ضروبا شتى من التطرف.

المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وبصفتها فرعا من فروع منظمة التعاون الإسلامي آلت على نفسها إلا أن تتصدى للتطرف الشائن عالي المنسوب في العالم الإسلامي، وأن تقاوم أيضا تطرفا مقابلا أصبح يتخذ من ممارسات التنظيمات الإسلامية المتطرفة منطلقا لوصم الإسلام بدين العنف، وتبذل المنظمة جهدا دؤوبا لدحض هذه القراءة التعميمية.

في هذا السياق قال المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو): إن العالم الإسلامي يواجه اليوم خطر التطرف من جانبين، هما الإسلاميون المتشددون والمتطرفون الغربيون الذين يتحينون الفرص للإساءة إلى العرب والمسلمين.

وقال عبدالعزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة التي تتخذ من الرباط مقرا لها “نحن نواجه خطرين، خطر المتطرفين من المسلمين الذين يشوّهون صورة الإسلام، وخطر المتطرفين في المجتمعات الغربية الذين يستغلون هذه التشوهات ولديهم الاستعداد للإساءة إلى المسلمين ومعتقداتهم”. وأضاف “هي عملية صعبة لأننا نحتاج إلى جهد كبير وإلى تعاون العديد من المنظمات والهيئات في الغرب وفي العالم الإسلامي”.

وقال التويجري: إن موقف الإيسيسكو التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي “يصب في اتجاه الثقافة الإسلامية المعتدلة التي تنشر السلم والتسامح والحوار بين المجتمعات الإنسانية، لأن هذا مبدأ قرآني”.

وأضاف “نحن نعمل على أن نبيّن للمجتمعات الإنسانية كلها، أن المسلمين هم جزء من المجتمع الإنساني وفيهم العاقل وغير العاقل، والمعتدل وغير المعتدل، كما هو شأن كل المجتمعات الإنسانية، لذلك لا يجوز أن يتهم الإسلام بالجرائم والانحرافات التي يمارسها قلة من المسلمين”.

واعتبر أنه “لو اتخذنا ذلك معيارا لاتهمنا مجتمعات أخرى بالجرائم التي يرتكبها بعض أبنائهم، وهذا من غير العدل والموضوعية”.

العنف والفكر المتطرف اللذان يسودان المناطق العربية مخالفان لتعاليم الإسلام وإن ادعى مرتكبوهما أنهم مسلمون

يذكرُ أن منظمة الإيسيسكو سارعت إلى إصدار بيان بخصوص مقتل ثلاثة طلبة مسلمين في ولاية نورث كارولاينا الأميركية قبل نحو أسبوع، واصفة قتلهم “بالجريمة البشعة” و”النكراء” واستنكرت الصمت الإعلامي والرسمي في الولايات المتحدة إزاء هذه الجريمة، إذ لم يبادر الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى إدانتها إلا مؤخرا تحت ضغط وسائل التواصل الاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني.

وقال التويجري إن هذا “يبين حيفا واضحا في التعامل مع المسلمين، وتقصّدا في عدم تبيان ما يتعرضون له أحيانا من اعتداءات وعنصرية”.

ومن جهة أخرى اعتبر أن العنف والفكر المتطرف اللذين يسودان بعض المناطق العربية وما يترتب عليهما من إراقة للدماء “مخالفان لتعاليم الإسلام وإن ادّعى مرتكبوها أنهم مسلمون”. وأضاف أن “الإسلام دين الوسطية والاعتدال والرحمة، والذين يرتكبون هذه الجرائم ويتطرفون يخالفون تعاليم الإسلام”.

يشار إلى أن الإيسيسكو تأسست عام 1981 بقرار صادر عن مؤتمر القمة الإسلامي الثالث بمكة المكرمة في إطار منظمة التعاون الإسلامي بهدف تقوية العلاقات بين الدول الأعضاء في المنظمة في مجالات العلوم والثقافة ضمن المرجعية الإسلامية.

ودافع التويجري عن اللغة العربية وقال: إن من بين أهداف الإيسيسكو الحفاظ على اللغة العربية والدفاع عنها وحمايتها من الهجمات التي تتعرض لها.

وقال التويجري الحاصل على رسالة الماجيستر في اللغة الإنكليزية من جامعة أوريجون الأميركية “اللغة العربية هي لغة حضارتنا العربية الإسلامية ولغة قرآننا الكريم ولغة الحديث النبوي الشريف ولغة موروثنا الثقافي الذي تركه لنا الأسلاف”. وأضاف “صحيح أن هناك لهجات عديدة لكن اللغة العربية هي الأصل”.

موقف الإيسيسكو يصب في اتجاه الثقافة المعتدلة التي تنشر السلم والتسامح والحوار بين المجتمعات الإنسانية

وعن خروج بعض الجهات في العالم العربي بين الفينة والأخرى بمطالب لإزاحة اللغة العربية والتدريس بلغات أجنبية أو لهجات محلية كما حدث في المغرب العام الماضي، حيث دار جدل كبير بين المثقفين المغاربة حول إمكانية تطوير العامية المغربية مستقبلا والتدريس بها واعتمادها كلغة أم، قال التويجري “اليوم نشاهد أن اللغة العربية تزاح بشكل كبير من قبل العاميات، كما تشهد هجمة خارجية تقف وراءها بعض الدوائر التي لا تحب العرب والمسلمين متهمة العربية بأنها عاجزة عن مواكبة التطورات الخارجية وهذا غير صحيح”. وأضاف أن “اللغة العربية لغة قوية وقادرة على أن تواكب كل مستجدات الحياة. فيها خاصيات كثيرة وهي لغة تنمو ومحفوظة بحفظ الله تبارك وتعالى للقرآن الكريم”.

وقال: إن العالم العربي إذا ترك اللغة العربية الفصحى واشتغل بالعاميات عندئذ ستكون هناك قطيعة بين شعوب العالم الإسلامي وخاصة الدول العربية، وبين الدين والتراث والموروث الثقافي”.

والإيسيسكو على خطى منظمة المؤتمر الإسلامي ترتكز على ثلاث مجموعات، هي العربية والأفريقية والآسيوية، وقال التويجري: إن الإيسيسكو تختار في كل سنة من كل مجموعة عاصمة، “وبذلك تصبح العواصم الثلاث تمثل الدول الأعضاء في الإيسيسكو”.

وتسعى المنظمة إلى ربط جسور الحوار بين الشرق والغرب عن طريق لقاءات مع شخصيات بارزة، كان أبرزها في نوفمبر الماضي لقاء التويجري مع البابا فرنسيس.

وقال التويجري إنه “سعد بلقاء البابا فرنسيس” بمقر الفاتيكان، وإنه خصص له “وقتا طويلا للنقاش والحوار معه”. وأضاف “البابا شخصية عالمية كبرى. بصفته رئيسا للكنيسة الكاثوليكية فإن له تأثيرا كبيرا في العالم، وقد سعدت بالتعاون بين الإيسيسكو والكرسي الرسولي في نشر القيم الإنسانية التي تجتمع حولها الأديان السماوية المتمثلة في احترام الكرامة الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان ونشر الحوار الإنساني والتسامح بين شعوب العالم”.

13