الإيطالية سوزانا تامارو ورواية جديدة

الأحد 2014/03/16
سوزانا تامارو إلى اليمين: مستويات عديدة للسرد

اليوميات أو أدب السيرة الذاتية هو السرد الذي تتولى فيه شخصية واقعية الحديث عن تاريخها الشخصي أو عن مرحلة زمنية مختارة من هذا التاريخ، حيث يركز فيه السارد على تاريخه الشخصي أو ما يسمى بتاريخ الأنا.

الروائية الإيطالية سوزانا تامارو في روايتها “اذهب حيث يقودك قلبك” والصادرة مؤخرا ضمن سلسلة إبداعات عالمية الكويتية بترجمة من أماني فوزي حبشي تستخدم هذا الأسلوب لسرد وقائع من تاريخ عائلة برجوازية كانت محكومة بقيمها وتقاليدها الصارمة، التي جعلت الجدة في هذه اليوميات تكشف عن الوضع الشاق الذي كانت تعيشه المرأة في ظل هذا الواقع، وذلك من خلال استرجاع مرحلة طفولتها وشبابها التي شكلت خروجا واضحا على هذا الواقع، جعلها تدفع من حياتها ثمنا باهظا.

الجدة المسنّة في هذه الرواية على خلاف الشخصية في السيرة الذاتية هي شخصية متخيلة، تكتب يومياتها التي تعيشها في شهور حياتها الأخيرة لحفيدتها الوحيدة التي تقرر السفر إلى أميركا، على شكل خطاب موجه لها لكي تقرأه كلما احتاجت إلى وجودها قربها، وتستعيد الشعور بالألفة التي كانت تجمعهما معا يوما ما، بعد أن لعبت معها دور الأم في مرحلة كان فيه من الصعب أن تؤدي إلا دور الجدة.

ونظرا لأن العلاقة فيما بينهما لم تكن على ما يرام في المرحلة الأخيرة من علاقتهما، فقد كان الحديث بينهما موجزا وقليلا جدا تجنبا للتصعيد والتوتر في هذه العلاقة، الأمر الذي يجعل هذه اليوميات وسيلة لقول كل ما لم تستطع الجدة أن تقوله لها في الماضي.


مكاشفات ما قبل الرحيل


السرد الذاتي في هذه الرواية كما تصرّح به الجدة هو رسالة مكاشفة أخيرة تكتبها الجدة لحفيدتها، تحاول فيها أن تصل ما انقطع بينهما حتى بعد موتها، علًها تستعيد شيئا من الألفة التي عاشتاها في الماضي، لكنها في الحقيقة تكشف عن صراع الأجيال الذي كان يحكم العلاقة بين جدة مسنّة وفتاة مراهقة ومتمردة وعنيدة ورغم ذلك تحاول أن تقدم لها خبرة حياتها علها تستفيد منها في حياتها، التي سوف تعيشها بعد رحيلها ( هأنا أرحل من دون أن أخبرك بأي شيء.

وهذا لن يصبح مجرد تأثير عكسي ولكن صدمة قوية وأعتقد أنه لن يكون من الهين أن تعيشي بفكرة مثل هذه. أي إن ما كنت ترغبين في قوله لإنسان عزيز عليك سيبقى دائما بداخلك وهذا الإنسان هناك تحت الأرض، ولن تتمكني من النظر إليه في عينيه ومن احتضانه، ومن أن تقولي له ما لم تقوليه مطلقا).

هذه المفارقة الوجودية في العلاقة بين الحفيدة والجدة هي ما تحاول الجدة في هذه اليوميات أن تستدركه بحكمتها وخبرة الحياة التي عاشتها، وهي تواجه قدرها في مواجهة واقع ظالم حرمها من أحلامها وتطلعاتها كامرأة مثقفة، في مجتمع كانت فيه هذه الصفة كفيلة بأن تجعل الرجال تتجنب الاقتراب منها بحكم الوظيفة التناسلية التي اختصر بها وجود المرأة من قبل هذا المجتمع.


سرد استرجاعي


تستخدم الكاتبة في هذه الرواية مستويات عديدة من السرد يجعل زمن الرواية يتحرك بين زمنين، هما السرد الاسترجاعي “الفلاش باك” الذي تستعيد فيه الجدة طفولتها ومرحلة شبابها ووقائع زواجها المخيب لآمالها وكذلك طفولة والدة حفيدتها وحياتها المتمردة التي عاشتها بوصفها جزءا من الحركة النسائية الثورية التي خرجت على قوانين المجتمع وعاشت علاقتها العاطفية خارج مؤسسة الزواج مع رجل التقت به أثناء زيارتها لتركيا، أصبح هو الوالد المجهول لهذا الحفيدة، إضافة إلى حياتهما المشتركة التي عاشتاها معا بعد أن أصبحت بمثابة الأم لها بعد انتحار والدتها.

وقائع الرواية تتنقل بين هذين الزمنين

أما المستوى الثاني فهو سرد الحاضر الذي تعيشه أثناء كتابة يومياتها، أو زمن تدوين اليوميات، ولذلك تنتقل وقائع الرواية بين هذين الزمنين حيث تكشف من خلالهما الجدة الكثير من الحقائق المتعلقة بأسرتها وبعلاقتهما التي عاشتاها معا على طرفي نقيض بسبب التفاوت الكبير في العمر بينهما.

الجدة في هذه اليوميات لا تحاول تقديم الوعظ والنصائح لحفيدتها، بل هي تحاول التعويض عن غيابها الذي باتت تشعر بدنوّه، باستمرار حضورها من خلال هذه اليوميات، وكأنه محاولة للانتصار على شرطها الوجودي عبر تأبيد حضورها من خلال الكتابة، لكنها مع كل هذا تتحدث عن الحياة كما خبرتها وعن صراع الأجيال وعلاقتها بالزمن وعلاقة الرجل بالمرأة في ذلك الزمن، إضافة إلى معرفتها التي كوّنتها حول الشخصية الإنسانية، والحب الذي لم تجده وعلاقته بمحبة الشخص لنفسه أولا، والقائمة على معرفة عميقة بالذات ( لماذا يصعب فهم الحقائق البديهية؟ إذا كنت قد فهمت عندئذ أن أولى صفات الحب هي القوة. ربما كانت الأحداث ستنتهي بطريقة مختلفة. ولكن لكي نصبح أقوياء يجب أن نحب أنفسنا، ولكي نحب أنفسنا يجب أن نعرفها في عمقها، نعرف كل شيء عنها، حتى الأشياء المخفية).


المرأة وثلاثة أجيال


وجهة النظر في هذا النوع من السرد هي وجهة نظر شخصية، يتم من خلالها ومن خلال وجهة نظر شخصية هي كاتبة اليوميات، ولذلك نتعرف إلى تجارب ثلاثة أجيال من النساء هي الجدة- الكاتبة، والأم التي انتهت منتحرة، والحفيدة. المفارقة أن هذه النماذج الثلاثة تنطوي على شعور متمرد دفعت كل منهن ثمنه فالجدة التي فضلت المعرفة والقراءة على بلادة النموذج النسائي المطلوب في المجتمع البرجوازي الإيطالي انتهت بزواج فاشل، في حين أن ابنتها الثورية النسائية قد فشلت في حياتها وانتهت منتحرة. كذلك الحفيدة التي شكلت شخصية متمردة انتهت وحيدة وغريبة في أميركا. وكما تركت الحفيدة وردتها التي زرعتها في حديقة المنزل وكلبها ديبو لكي تتذكرها الجدة من خلالهما، فإن هذه اليوميات هي الذكرى التي تريد أن تبقيها حاضرة في حياة حفيدتها.


حيث يقودنا القلب


على الرغم من محاولة الجدة نفي أية رغبة لها في أن يكون الهدف من هذه اليوميات هو تقديم النصائح والإرشادات لحفيدتها، فإنها تنطوي من طرف خفي على تقديم مجموعة من الأفكار التي تحمل معنى قيميا خاصا تتعلق بعلاقتنا بالأفكار والقضايا التي نؤمن بها وبكيفية تعبير الإنسان عن ذاته وهويته فيها. وإذا كانت تلك الأفكار هي عبارة عن خلاصات تجربة أنضجتها الظروف والحياة المديدة التي عاشتها، إلا أنها محاولة من الجدة لتحديد القيم والكيفيات الصحيحة كما تراها لكي نعبر عن وجودنا وذواتنا بصدق وشجاعة وإخلاص، وكأنه محاولة للتعويض عن الضعف الذي عاشته عندما كانت تدخل مرحلة العنوسة وقبلت بالزوج الأرمل الذي تقدم لها وكأنه قارب خلاصها. لذلك لا غرابة أن تجعل الكاتبة من الجملة الأخيرة التي تنهي بها روايتها عنوانا للرواية باعتباره التلخيص التام لفكرة وجودنا الحقيقي، الذي يجب أن نكون عليه ونسير فيه ( توقفي في هدوء واستمعي لقلبك وعندما يتحدث إليك بعد ذلك انهضي واذهبي حيث يقودك).

إن القلب هنا كما تتحدث عنه في يومياتها هو جماع الروح والعاطفة التي تدلنا، عندما نجلس ونتأمل في اختياراتنا أين نمضي، وما الذي يجب أن نختاره منها. إنها حكمة المرأة التي خبرت الحياة، وعانت من أخطائها وعثراتها، التي تريد لحفيدتها ألا تقع فيها ثانية. رسالة ممّن تعلّم أين يضع خطاه وكأنه تعويض عما ارتكبناه من أخطاء.

12