الإيغور.. ميدان جديد لانتقائية الإسلاميين

التركيز الإعلامي الإسلامي صوّب كل أسهمه على قضية الإيغور وحوّلها إلى “قضية رأي عام إسلامي”.
الجمعة 2020/01/03
قضية سياسية أم إنسانية

صعدت قضية أقلية الإيغور في الصين إلى صدارة الاهتمامات الإعلامية والسياسية في العالم في الأشهر الأخيرة. صعود صاحبته مواقف سياسية منددة ووقفات أمام سفارات الصين في الكثير من العواصم الإسلامية. ومع التأكيد على أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نص على أن “لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه أو معتقده، وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم..”، إلا أن الملاحظ أن التصويب الأخير على قضية الإيغور صاحبته انتقائية مريبة وتركيز لا يخلو من دوافع أيديولوجية.

صعدت قضية الإيغور فجأة إلى صدارة الاهتمامات، وهذا لا يعني أن القضية بدأت العام المنقضي، إلا أن التركيز الإعلامي الإسلامي صوّب عليها كل أسهمه وحوّلها إلى “قضية رأي عام إسلامي” ومسألة تحتاج المساندة والتعاطف وحتى الخروج للاحتجاج أمام سفارات الصين في بلاد عربية كثيرة.

في البدء كان الاهتمام التركي بالقضية من خلال الموقف الرسمي للخارجية التركية القائل إن “سياسة الصهر العرقي المنظم التي تمارسها السلطات الصينية بحق أتراك الإيغور، وصمة عار كبيرة على الصعيد الإنساني”، ثم تداعت المواقف المتعاطفة وكانت ذروتها مع تغريدة اللاعب الألماني من أصل تركي مسعود أوزيل “في تركستان الشرقية، المصاحف تُحرق، والمساجد تُغلق، والمدارس تُحظر، وعلماء الدين يُقتلون واحدا تلو الآخر، والأخوة الذكور يُساقون قسريا إلى المعسكرات”.

ونزلت تلك التغريدة بردا وسلاما على الأوساط الرسمية التركية، لأنها تغازل المخيال الجمعي الإسلامي، ولا يمكن تسجيلها بمثابة موقف رسمي. وكانت التغريدة منطلقا لتركيز إعلامي واسع أمّنته مواقع تركية وإسلامية كثيرة. أين تنتهي القضية وأين يبدأ التضليل؟

لتبين ملامح الانتقائية الإسلاموية في التركيز على هذه القضية، ولتأكيد أن الإيمان الحقوقي الكوني بحرية المعتقد لا يحول دون الانتقائية والتضليل، يجدر بنا أولا العودة إلى أصول القضية وتفاصيلها.

من الواجب مساندة مسلمي الإيغور وحقهم في ممارسة معتقداتهم الدينية، من منطلقات مبدئية وحقوقية وإنسانية، لكن الاطلاع على بعض الفواصل التاريخية المتصلة بـ”حركة شرق تركمانستان الإسلامية” (وهي منظمة مسلحة انفصالية تدعو إلى إنشاء دولة إسلامية مستقلة في تركستان الشرقية شمال غرب الصين) يدلنا على أن تلك الحركة تم تصنيفها من قبل منظمة الأمم المتحدة منظمة إرهابية في العام 2002، ثم أدرجتها الولايات المتحدة (للمفارقة) على لائحة المنظمات الإرهابية في أغسطس 2002، وهو ما يعني أن قضية الإيغور هي قضية سياسية بالأساس وليست قضية اضطهاد ديني كما واظبت وسائل الإعلام الإسلامية على الترديد.

يجدر أيضا التذكير بأن حسن محسوم المعروف باسم أبومحمد التركستاني، الذي يعتبر زعيم الحزب الإسلامي التركستاني ومؤسسه، عرف بكونه مرتبطا بتنظيم القاعدة وانضم إلى تنظيم طالبان أواخر تسعينات القرن الماضي، قتل في 2 أكتوبر 2003 برصاص الجيش الباكستاني.

قد يقول قائل إنه يفترض رسم المسافات بين حركة شرق تركمانستان الإسلامية وبين مسلمي المنطقة، لكن الموقف الصيني الرسمي يصرّ على أنه بصدد التعامل مع حركة انفصالية متطرفة لا مع سكان مسلمين في منطقة صينية. وشددت الدوائر الرسمية الصينية على أن “الإيغور وغيرهم من الأقليات في شينجيانج يتمتعون بالحرية الدينية وممارسة التقاليد الثقافية واستخدام لغاتهم العرقية”. وأضافت أن “هناك مساجد في شينجيانج أكثر من العديد من الدول الإسلامية”.

ولتبين معالم الانتقائية وازدواجية المواقف يجدر أيضا استدعاء التوقيت السياسي الذي أثيرت خلاله القضية، ويفترض أيضا التعرف على من يحرّك “الحملة المساندة لمسلمي الصين المضطهدين”.

صعدت القضية إلى صدارة الاهتمامات في نهاية العام 2017 وبداية العام 2018. أصدرت السلطات الصينية مطلع أبريل 2017 جملة من الإجراءات والقوانين تنص على أن الموظفين في الأماكن العامة، من بينها المحطات والمطارات، سيكون لزاما عليهم منع النساء اللاتي يغطين أجسامهن كاملة، بما في ذلك وجوههن، من الدخول، وإبلاغ الشرطة عنهن. وكان التبرير الرسمي الصيني منطلقا من كون تلك الإجراءات تدخل في مجال محاربة الإرهاب، لكن وسائل الإعلام التركية والإسلامية عادت بعد أكثر من عام إلى تلك القوانين واعتبرتها ضربا من محاصرة المسلمين في شينجيانج. المثير في الأمر أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال خلال زيارته الرسمية إلى الصين في مايو 2017، متحدثا عن الإيغور إن “تركيا ما زالت ملتزمة بسياسة الصين الواحدة”، مشدداً على أن “المقيمين من مختلف الإثنيات يعيشون بسعادة في منطقة شينجيانج للإيغور التي تتمتع بحكم ذاتي بسبب ازدهار الصين هي حقيقة ثابتة، وتركيا لن تسمح لأحد بدق إسفين في علاقاتها مع الصين”.

ولاشك أن الاستدارة التركية من الإثناء على “السعادة” التي يعيشها الإيغور في الصين، إلى اعتبارهم محل حملات اضطهاد وتمييز، حتمتها تغيرات سياسية وإقليمية أخرى. اللافت أن التركيز الإعلامي على قضية الإيغور تزامن تقريبا مع انطلاق عملية “نبع السلام” التركية على سوريا، التي انطلقت في 9 أكتوبر 2019 الماضي، وهي عملية قامت بها القوات المسلحة التركية وجماعات المعارضة المسلحة المتحالفة معها ضد المناطق الخاضعة لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية. تزامن سمح للعديد من المراقبين بالقول إن تركيا أرادت بتركيزها على قضية الإيغور لفت الأنظار عن عمليتها في سوريا، وما قد يترتب عنها من قتلى وجرحى من “المسلمين” في سوريا، وأتاح للمراقبين أيضا التشديد على أن الدوافع السياسية التي أنتجت عملية نبع السلام ربما هي أقل خطورة ووحدة من تلك التي تواجهها الصين في منطقة شينجيانج. فكيف تسمح تركيا لنفسها بمواجهة الانفصاليين الأكراد خارج حدودها وتمنع الصين من ذلك داخل مجال سيادتها؟

وبما أن تركيا مثلت الصوت الإسلامي الأعلى في التنديد بالاضطهاد الديني الذي مورس على مسلمي الإيغور، فقد استدرج ذلك سيلا من المواقف الإسلامية التي دأبت على اقتفاء أثر السياسات التركية أينما حلت. فتداعت مواقف جماعات الإخوان وطائفة واسعة من التيارات الإسلامية الأخرى التي ذهب بعضها إلى حد الاحتجاج أمام السفارات الصينية، والمثير أن تلك التيارات نفسها بررت سابقا العملية التركية في سوريا، وتبرر الآن التدخل التركي العسكري في ليبيا.

الانتقائية المريبة التي سلطت على قضية الإيغور، والتضليل الإعلامي واسع النطاق الذي سلط عليها، إضافة إلى الأبعاد السياسية المتوفرة في القضية منذ البداية، فضلا عن العلاقات اللغوية والثقافية والدينية والعرقية التي تصل مسلمي الإيغور بتركيا، كلها عوامل صنعت نوعا من الضبابية التي وسمت القضية. وهو ما يفسر عدم وجود مساندة واسعة في العالم العربي الإسلامي، إذ اقتصر التنديد والاحتجاج على الحركات الإسلامية دون غيرها، والثابت أن هذه القضية ليست الملمح الأول أو الأخير للانتقائية الإسلاموية التي يغيب فيها المبدأ وتحضر فيها المصالح فقط.

13