الإيقاف حماية أم وصاية

الأربعاء 2014/03/12

ليس السؤال أن تكتب في الصحافة القطرية أو لا تكتب فيها فهذا أمر تختلف فيه وجهات النظر من كاتب إلى آخر. فهناك من يرى أن هذا يصب في خانة الحق الشخصي للكاتب، وهناك من يرى أن الحق الشخصي يجب أن يتم التنازل عنه لصالح الحق الجمعي، وهناك من يرى أن الإيقاف من وسيلة إعلامية خارجية خير من الإيقاف والمنع من الداخل، وهناك من يرى غير ذلك. إلا أن جميع الآراء تظل في حدود اختلاف وجهات النظر المحمودة.

السؤال الذي نبحث له عن إجابة هو لماذا تقوم إحدى أكبر الصحف القطرية بإيقاف كاتب سعودي معين عن الكتابة لديها والسماح لآخرين من نفس الجنسية؟ طرحت هذا السؤال في تغريدة لي على التويتر وتعددت الإجابات مع عدم خلو بعضها من الشخصنة السلبية، إلا أن الغالبية كانت تشير إلى أمر واحد يكمن في اختلاف التوجهات وتمرد الكاتب على خط الصحيفة العام. ولنكن أكثر دقة تمرد “الكاتبة”.

وبالعودة إلى التاريخ القريب للصحيفة المسماة “العرب القطرية” في تعاملها مع الكاتبة نجد أنها قد منعت نشر إحدى المقالات التي تتحدث فيها عن مدينة دبي وتشيد بأهل المدينة وأخلاقهم العالية.

المقال في مجمله يتحدث عن شعب لا عن حكومة وفي العادة أن مثل هذه المقالات تجد طريقها للنشر حتى في أشد حالات الخلاف الدبلوماسي لأن العلاقات بين الشعوب لا تفسدها الخلافات السياسية. منع هذا المقال يثير بدوره عدة تساؤلات حول المبادئ التي تتشدق بها الصحيفة من جهة وحول السياسة الإعلامية للإعلام القطري بشكل عام، من جهة أخرى. المقال لم يتجاوز في مضمونه حرية الرأي ولم يتطرق إلى نقطة يمكن اعتبارها تجاوزا للخطوط الحمراء لحرية التعبير مما يشير بوضوح إلى أن شعار حرية الرأي الذي ترفعه الصحيفة مجرد شعار أجوف فارغ من أبسط معطيات حرية الرأي. هذا يقودنا إلى السياسة الإعلامية القطرية بشكل عام ويضع الشعارات التي ترفعها تلك الوسائل تحت الاختبار الفعلي والحقيقي خاصة في ضوء الخلاف الدبلوماسي بين قطر والدول الخليجية الثلاث.

المتابع للإعلام القطري منذ منتصف التسعينات سيلاحظ أن النسبة العظمى مما يتم بثه أو نشره خاليا تماما من أية إشارة إيجابية في حق السعودية وكأنها كتلة من الشر تجاور قطر. لاشك أن تواجد بعض الأقلام السعودية في تلك الوسائل كان يمكن أن يكون مؤثرا في هذا التوجه السلبي القطري وطرح وجهة نظر معتدلة تساهم في تبييض صفحة الإعلام القطري. كان يمكن أن يكون ذلك، ولكن الواقع يقول إن بعض تلك الأقلام دأبت على تجاهل إيجابيات المملكة واستعاضت عن ذلك بتمجيد المنجزات القطرية. لعلنا نتذكر تلك السلسلة من المقالات التي كالت فيها بعض الأقلامُ السعودية التي تكتب في الصحافة القطرية المديحَ لقطر لإطلاقها قمرا صناعيا يتيما. القارئ لتلك المقالات سيعتقد أن وطنه لا يختلف كثيرا عن الكونغو بينما الحقيقة أن السعودية أطلقت ستة عشر قمرا صناعيا خلال السنوات الأخيرة لم يحظ أي منها بفقرة صغيرة في مقال واحد لأي منهم.

وفي مجال السياسة الخارجية ومنذ ما قبل عزل العيّاط وبعض تلك الأقلام لا تفتأ الكتابة والدعاية للنشاط الدبلوماسي القطري. أما مرحلة ما بعد تصحيح المسار في مصر فقد أصبحت تلك الأقلام بوقا دعائيا للإخوان ولتنظيمهم الدولي، فأصبحت تركيا دولة الخلافة الجديدة وأردوغان الخليفة غير المتوّج، وتحولت قطر إلى مركز تنوير حضاري لحرية الشعوب والداعم لحركات التحرر مما يصفونه بالاستبداد. وبطبيعة الحال فسحب جنسية خمسة آلاف مواطن وسجن أسرة بكاملها بسبب مقال، وسجن شاعر بسبب قصيدة ليست أكثر من ضريبة يدفعها الشعب القطري لينال العالم الإسلامي حريته، أو هكذا يريدوننا أن نعتقد.

من الواضح أن سبب استبعاد الكاتبة سمر المقرن عن الكتابة في صحيفة “العرب القطرية” كان نتيجة ابتعاد مقالاتها عما اعتادت عليه بعض تلك الأقلام ولأنها انتهجت خطا مغايرا لما هي عليه وسائل الإعلام القطرية التي دأبت على دمج خطها التحريري مع الأجندة السياسية.

هذا النهج تسبب في انخفاض حجم جمهور أشهر تلك الوسائل، الجزيرة الفضائية، بنسبة 87 بالمئة حسب دراسات حديثة. ويبدو أن تبعات هذا الاستبعاد تلخصت في لفت انتباه بعض العاملين في تلك الوسائل إلى أنهم أمام خيارين، إما التماهي مع الخط التحريري المؤدلج أو التعرض للاستبعاد مما أدى ببعضهم إلى اتخاذ موقف استباقي بتقديم استقالاتهم من بعض تلك الوسائل ومنها ما ليس له علاقة بالسياسة. لاشك أن مثل ذلك الموقف يحسب لأولئك الإعلاميين. لكن اللافت للنظر هو صدور قرار وزارة الثقافة والإعلام السعودية، حسب تصريحات لبعض الكتاب السعوديين، بسحب كل الأقلام السعودية من الصحافة القطرية. هذا القرار (إن صدر قرار كهذا) يمكن النظر إليه من زاويتين لهما مشروعيتهما، إلا أن ذلك يثير بعض التساؤلات التي تحتاج إلى إجابة.

الزاوية الأولى: أن يكون صدوره انسجاما مع قرار سحب السفراء وهنا نتساءل عما يشكل مثل هذا القرار من ثقل ليصدر بعد سحب السفراء؟ أو هل هو ضمن حزمة من القرارات إلا أنه خرج مبكرا لظروف معينة! إن كان كذلك فهل أن توقيت صدوره مناسب؟

الزاوية الثانية: أن يكون صدوره، وحسب نفس المصادر، رغبة في حماية الأقلام السعودية من الاستبعاد بواسطة وسائل الإعلام القطرية، على طريقة بيدي لا بيد عمرو. الحقيقة أن الاستبعاد واقع سواء كان بيد عمرو أو زيد. المدهش أن هذا القلق على إحساس الكتاب لا نراه حينما يصدر قرار بإيقافي نتيجة هذا المقال مثلا. لذلك لا أستطيع استيعاب هذا التبرير.

الآن وبكل وضوح، إن لم يكن هذا القرار- إن صدر حقا- ضمن مجموعة قرارات فما المانع أن تستمر الأقلام السعودية في الإعلام القطري خاصة وأن بعض تلك الأقلام كانت وإلى ما قبل أيام من سريان قانون تجريم تأييد الإخوان تسير وفق النهج القطري في دعم التنظيم. كان يمكن أن يكون ذلك اختبارا لها ليتبين الصبح لكل ذي عينين. أما وإن القرار يمنع المشاركة فقد تم إخراجهم من زاوية حرجة لم يكن أمامهم فيها إلا أن يكونوا مع وطنهم في بيئة تهاجمه فيكون مصيرهم الإيقاف ليتبين زيف الشعارات التي ترفعها تلك الوسائل، أو أن يستمر البعض منهم في توجهه السابق ويتم تطبيق القانون ضده. القرار فرصة كانت تنتظرها بعض الأقلام لتظهر بمظهر المغلوب على أمرها والتي لا تستطيع أن تعبر عن رأيها. بهذا القرار نصنع مظلومية جديدة. مظلومية إعلامية للصادق منهم والمتلون. قرار أقل ما يقال عنه إنه قرار غير مقصود للحماية وليس قرارا مقصودا للوصاية كما يزعم البعض. حماية من انكشاف زيف شعارات جميع الوسائل الإعلامية القطرية وبعض الأقلام السعودية.


كاتب سعودي

9