الإيمان مصدر للرقي بالإنسان ومواجهة التطرف والكراهية

الثلاثاء 2014/04/22
الكتب السماوية دون استثناء تدعو إلى قيم المحبة والتآخي والسلام

حتمية الصراع بين الأديان والحضارات التي نظر لها عدد من المفكرين لا تتماشى مع الحقيقة التي توصل لها بعض الباحثين الذين تعمقوا في دراسة مقارنية لمختلف الديانات ليصلوا الى نتيجة مفادها أن التعايش ممكن بينها، من ذلك ما أكده الباحث الأردني إبراهيم غرايبة الذي يرى أن التواصل والتفاهم بين الأديان متاحان شرط أن نفهم البعد المقاصدي للكتب السماوية.

ينطلق الكاتب إبراهيم غرايبة من التأكيد على جذور الديانات التي تنتمي جميعها إلى سلسلة واحدة من الأنبياء، ابراهيم وأبنائه، وقد جرت العادة على تسميتها بالديانات السماوية أو التوحيدية.

ويشير غرايبة إلى أنّ العلاقة بينها تبدو وكأنها علاقة بين عدّة مذاهب منضوية تحت راية دين واحد، فالمسلمون مكلفون بالإيمان بالكتب ومن سبقهم من الأنبياء، ويحظى الأنبياء جميعهم بمكانة كبرى لدى المسلمين لا تقلّ عن مكانتهم لدى أتباعهم، والأمر كذلك بالنسبة للمسيحيين.

ويؤكد الكاتب أن تأثير الأديان والمعتقدات على بعضها البعض يبدو واضحا، وكذلك تتجلّى امتداداتها في ما بينها، فهي بطبيعتها متممة لبعضها. فحتّى الأديان والمعتقدات المخالفة للأديان السماوية نشأت على الأغلب أو تطورت من لدن أديان سماوية.

ويعتقد الباحث الأردني أنّ استمرار الحضور اليهودي والمسيحي والصابئي في الشرق بعد الحكم الإسلامي، لا يدل فقط على حيوية هذه الأديان وقدرتها على الاستمرار والتواصل بين أتباعها، ولكنه يؤشر على حالة التعايش والحوار والتفاعل التي ظلت قائمة على مدى قرون في ظلّ الحكم الإسلامي.

ضرورة وقف التمييز القانوني بين المواطنين على أساس الدين والعمل المشترك لمواجهة التشدد الديني

ويقدم الكاتب أمثلة على ذلك من خلال حديثه عن بعض الكنائس التي بنيت في العهود الإسلامية والتي لا تزال قائمة حتى اليوم، وبعضها لا يؤشر فقط على التعايش والتواصل، ولكن على تفاعل وجدل إسلامي مسيحي، مثل كنيسة أمّ الرصاص في جنوب الأردن، والتي كانت أهم مركز مسيحي في الشرق الأوسط.

من جهته يدعم المؤرخ الأردني صالح حمارنة فكرة الجدل الذي كان قائما بين الأديان بالقول: “هي ليست عملية تحريف وتشويه، تجعل من الكائنات الحية أقرب إلى التجريد وعدم الاكتمال، وذلك بناء على فتوى مسيحية لم تعمر طويلا تقضي بتحريم رسم الكائنات الحية على نحو تام، وهي فتوى ربما تكون قد تأثرت بالفقه الإسلامي الذي تحرم بعض اتجاهاته ومذاهبه رسم الكائنات الحية”.

ويدلل غرايبة على ذاك التفاعل الإسلامي المسيحي من خلال العودة إلى التراث العربي الإسلامي الذي يظهر قائمة طويلة من الكتب التي ألفت في جدل الأديان ودفاعها عن نفسها، والرد على بعضها على نحو يؤشر على حرية دينية واسعة. ومازالت المئات من هذه الكتب والمخطوطات محفوظة في المكتبات الأوروبية على وجه الخصوص.


الإيمان بكل الكتب السماوية


ويطرح الكاتب قضية مهمة في مسألة الإيمان والانتماء الديني، مؤكدا أن المطلوب ليس أن يصبح المسلمون يهودا أو مسيحيين، ولا أن يتحول اليهود إلى الإسلام أو المسيحية، ولا أن يتحول المسيحيون إلى الإسلام أو اليهودية، ولا أن ينشئوا معا دينا واحدا، فالإسلام يطلب الإيمان بكل الكتب والأنبياء، والقرآن يؤشر في مدحه للنّصارى بأنهم يؤمنون بالقرآن دون أن يُسلموا، ولكن المطلوب هو الاستيعاب الشامل للرسالات.

ويدعم هذا الطرح استنادا إلى القرآن، فالقرآن وصف جميع بيوت العبادة على اختلافها بأنها أماكن يذكر فيها اسم الله كثيرا، وقد انتشر كلّ من الإسلام والمسيحية بين معظم أتباعهما ضمن منظومة حضارية وفكرية وثقافية، أكثر من انتشارهما بفعل التبشير والقتال والدّفاع.

صحيح أنّ التاريخ الإسلامي ونظيره المسيحي يقدّمان نماذج كثيرة عن التبشير والقتال الديني، ولكن الفكرة الأساسية هنا تُفيد بأنّ اليهود والمسيحيين والمسلمين بحاجة إلى فهم واستيعاب مقاصد الكتب السماوية وتطبيقها في بناء حضاراتهم ودولهم، وبغير ذلك فإن الإيمان سيكون منقوصا، والحضارة أيضا ستفقد العطاء والسلّام المُنشئان للإبداع والتقدم اللّذان يحميانها أيضا.


الاستماع للآخر


ويعتقد الكاتب أن المؤمنين بالله جميعهم يحتاجون إلى أن يستمعوا لبعضهم البعض، وأن يفكروا في طرق تُمكّنهم من العمل سويا، ليجعلوا الإيمان مصدرا للرّقي بالإنسان وتحقيق السلام ومواجهة العنف والتشدد والكراهية. كما يرى أن القرآن احتفى بالمسيحيين، ويدلّل على ذلك بالقول: “كلّما تلوت القرآن الكريم أغبط المسيحيين على هذه الحفاوة والتكريم والثناء الذي يتمتعون به في القرآن”.

الكنائس التي بنيت في العهود الإسلامية ولا تزال قائمة، تؤشر على التعايش، وعلى جدل إسلامي مسيحي

وفي ختام نصّه يقدم الكاتب جملة من الأفكار لتطوير العلاقة بين الأديان وإرساء أطر للتواصل والحوار، من بينها مشاركة أتباع الأديان لبعضهم البعض في المناسبات والأعمال والبرامج الدينية والعامّة، والعمل المشترك معا لإزالة العقبات القانونية والإدارية والمجتمعية التي تكرّس التّمييز وعدم المساواة، مثل الإشارة إلى الدين في الوثائق الرّسمية، ووقف التمييز القانوني بين المواطنين على أساس الدين، والعمل المشترك لمواجهة التشدد الديني والعنف.

حاول ابراهيم غرايبة بهذه الأفكار الّتي قدمها في نصّه أن يزيل بعض النقاط الغامضة حول العلاقة التي تربط الأديان ببعضها البعض، ليؤكد أنّ التواصل ممكن إذا ما تمّ فهم العمق المقاصدي لجلّ الكتب السماوية.

13