الإيموجي يعوض المفردات اللغوية ويدمر القدرات التعبيرية

الاختلافات الثقافية عامل يحدد مدى قدرة الإنسان على فهم التعابير بالرموز.
الجمعة 2019/10/25
مواكبة المطالب السريعة للتواصل

يزعم البعض أن القيمة التعبيرية للصورة تعادل ألف كلمة، وهو ما يدعو إلى التساؤل عن إمكانية امتلاك رموز الإيموجي القدرة ذاتها التي تتيحها بضع كلمات على التعبير عن مشاعر الناس في الوقت الذي يبدو فيه التأثير العاطفي للكلمات هو الذي يجعلها أكثر بلاغة من جميع أشكال التواصل البصرية.

 لن تختفي رموز الإيموجي من لغة التواصل والتراسل الإلكترونية بين الناس سواء أحبوا ذلك أم كرهوه، وخاصة أنها علامات مختصرة ووصفية تعبر عن المشاعر وتجارب الحياة بكبسة زر واحدة، غير أن البعض من الخبراء يرى أنها لا تستطيع أن تفي بالغرض الذي صممت من أجله، فمن الصعب ترجمة جميع الانفعالات البشرية المعقدة بالرسومات، كما لا يمكن للناظر أن يستوعب معاني تلك الرسومات بدقة.

وهنا يطرح السؤال، ما الذي يمكن أن يحدث على الصعيد اللغوي، إذا ما أصبحت الرموز بمثابة اللغة التي يتحدث بها البشر بدلا من المفردات؟

تقول ماغي تولرمن، أستاذة اللغويات في جامعة نيوكاسل، إن “البشر هم النوع الوحيد المتمتع بلغة، وهو ما يميزنا عن سائر الحيوانات”.

وتمثل المفردات اللغوية إحدى أهم نقاط التطور الرئيسية في حياة البشر، فهي نقطة تحول حقيقية تختلف عن سواها، ولهذا السبب لا يزال الخبراء مذهولين إزاء أصول اللغات وكيفية نشأتها.

ويرى روبرت فولي، الباحث في العلوم الإنسانية وأستاذ التطور البشري في جامعة كامبريدج إن “اللغة أحد الأمور المعقدة القليلة التي تجعل من الحيوان إنسانا”.

ولكن ذلك لا ينفي أهمية الرموز التعبيرية التي تشكل في حد ذاتها ركنا أساسيا في عملية التواصل بين البشر، إلى درجة أنها تثير الكثير من النشاط المتعلق بالمدارك الاجتماعية في الدماغ، وهو نشاط تشهده أجزاء بالدماغ تختص بالتفكير في النفس والآخرين، وفق ما تشير الأبحاث التي أجريت في هذا المجال.

المفردات وحدها لا تكفي

بديل للتعابير غير اللفظية
بديل للتعابير غير اللفظية 

وفي عالم الاتصالات الرقمية، لم تعد المفردات وحدها تلبي كل الاحتياجات الإنسانية، وهو الاستنتاج الذي توصل إليه بالفعل قاموس أوكسفورد، إحدى أكبر المؤسسات في عالم اللغة الإنكليزية.

وفي عام 2015، عندما أعلن عن اختيار رمز تعبيري (إيموجي) ليكون هو “كلمة العام”.

وعلق حينها على هذا الأمر كاسبار جراثوول، رئيس موقع قواميس أوكسفورد الذي تديره جامعة أوكسفورد، بأن النصوص الأبجدية التقليدية “تناضل من أجل مواكبة المطالب السريعة للتواصل في القرن الحادي والعشرين والتي تركز على الرؤية”.

ويستخدم رواد مواقع التواصل الاجتماعي حاليا أكثر من 92 بالمئة من رموز الإيموجي التعبيرية في تغريداتهم وتعليقاتهم ومراسلاتهم اليومية عبر البريد الإلكتروني، وهذا ما أهل رموز الإيموجي لأن تكون لغة عالمية، وإن اختلفت طرق استيعابها من شخص إلى آخر.

ويعود تاريخ الرموز التعبيرية إلى اليابان وتحديدا إلى سنة 1997، وذلك حسب جيريمي بورج، مؤسس الموقع الإلكتروني “إيموجي بيديا” و”مؤرخ الرموز التعبيرية”.

وتطورت الرموز التعبيرية عبر السنوات، ليضيف إليها رواد التكنولوجيا المبدعون باستمرار إشارات جديدة للتعبير عن تجارب ومعان لا تنتهي. ويتفنن الكثير منهم في تمثيل المشاعر الإنسانية بتعبيرات مختلفة، وهو ما يشيع جوا من البهجة بين المستخدمين ويساعد في توطيد علاقات الصداقة بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد أصبحت هناك أعداد لا حصر لها من الوجوه لتختار من بينها، فهناك الأشقر وداكن الشعر والملتحي وذو الشوارب والمندهش والمتبرم والضاحك والباكي.

الإحصائيات تشير إلى أنه يتم إرسال نحو 5 مليارات رمز تعبيري يوميا عبر تطبيق فيسبوك ماسنجر
الإحصائيات تشير إلى أنه يتم إرسال نحو 5 مليارات رمز تعبيري يوميا عبر تطبيق فيسبوك ماسنجر

وتشير الإحصائيات إلى أنه يتم إرسال نحو 5 مليارات رمز تعبيري يوميا عبر تطبيق فيسبوك ماسنجر، كما يتم التعليق بما يقرب من 60 مليون رمز تعبيري على موقع فيسبوك.

واعتبرت تينا غانستر المتخصصة بعلم النفس الاجتماعي أن الإيموجي “طريقة مبدعة للتعامل مع صعوبات الاتصال الرقمي”، مشددة على أنها تمثل بديلا عن التعابير غير اللفظية في الحياة الواقعية كلغة الوجه والجسد ونبرة الصوت غير المتوفرة في النصوص المكتوبة.

وتوضح غانستر ذلك قائلة “نستخدم الرموز التعبيرية لتوضيح المقصود من الجملة، فقد تعني مثلا السخرية أو التهكم. وبهذا تساعد هذه الرموز على تجنب سوء التفاهم”.

ويشاطر وجهة نظر غانستر عالم اللغويات بيتر شلوبنسكي، من جامعة لايبنس هانوفر، بتأكيده على أن الإيموجي لا يضر باللغة بشكل عام، غير أنه نوه إلى ضرورة عدم استخدام تلك الرموز في كل مكان أو وقت، وإنما يجب أن تقتصر على صور محددة للتواصل، كالرسائل القصيرة أو تطبيقات الدردشة.

ومن جانبها تقول أصيفة ماجد، أستاذة اللغة والتواصل والإدراك الثقافي في جامعة يورك البريطانية، “أعتقد أننا غالبا ما نرى أن اللغة تمنحنا معلومات مباشرة عن العالم. بوسعك أن ترى ذلك جليا في الطريقة التي نفكر بها بشأن الحواس، وكيف ينعكس ذلك على العلوم الحديثة”.

وتضيف “إن الكثير من الكتب المدرسية، على سبيل المثال، تشير إلى البشر باعتبارهم مخلوقات تعتمد على الرؤية البصرية”.

أساس منطقي

تؤكد ماجد أن جانبا من الأساس المنطقي لهذا الوصف أو التصور يرتبط بالمساحة المخصصة للرؤية في الدماغ مقارنة بنظيرتها المسؤولة عن الشم مثلا.

ورغم أن استخدام رموز الإيموجي قد وفر طرقا مهمة لإيصال الكثير من الرسائل البصرية بطريقة واضحة وسهلة.

ومثل أيضا وسيلة جيدة لتجاوز عائق الاختلاف في اللغات بين شعوب العالم، إلا أن الكيفية التي يتواصل بها الناس مع بعضهم ستصبح معتمدة بشكل تلقائي على قدر أكبر من الرموز مقابل عدد أقل من المفردات، وبالتحول إلى هذه الآلية فإن الناس قد يتوقفون عن التعبير بالكلمات.

وهذا يعني أن مشاعر البشر ستصبح عبارة عن قوالب جاهزة، ما سيحرم الأجيال من تعلم الطريقة الصحيحة التي يعبرون بها عن مشاعرهم بشكل واضح، واكتساب خبرات لغوية وشفوية متنوعة.

وعلق كريس ماكغفرن، رئيس “حملة التعليم الحقيقي”، بقوله “نحن نتجه نحو استخدام لغة الصورة التي ستؤثر حتما على جهود محو الأمية”، مشيرا إلى أن “الأطفال دائما ما يتبعون الطريق الذي يكون أقل مقاومة”.

لغة الصورة

علامات مختصرة تعبر عن المشاعر وتجارب الحياة بكبسة زر واحدة
علامات مختصرة تعبر عن المشاعر وتجارب الحياة بكبسة زر واحدة

تم تأسيس “حملة التعليم الحقيقي” في عام 1987 بهدف مكافحة التوجهات المثيرة للقلق في التعليم البريطاني.

وأضاف ماكغفرن “الرموز التعبيرية تنقل رسالة، ولكن استخدامها يولد الكسل، وفي حال اعتقد الناس بأن كل ما يحتاجون إليه هو إرسال صورة، فهذا سيؤدي إلى تراجع اللغة والتعبير”.

وقد تكون أيضا هناك اختلافات ثقافية على مستوى فهم الناس لرموز الإيموجي، وفق ما أكدت دراسة علمية سابقة أشرف عليها فريق من جامعة جلاسكو، ونشرت خلاصتها في مجلة “بيولوجي”.

وقد حاول الباحثون من خلالها دحض فكرة قدرة الإنسان على فهم تعبيرات الوجه في أي مكان في العالم.

وتبين للباحثين أن المشاركين في الدراسة من شرقي آسيا لاقوا صعوبة أكبر في تمييز بعض تعبيرات الوجه، كما كانوا أكثر ميلا إلى الخطأ في تفسير تعبير الوجه عن الدهشة بأنه تعبير عن الخوف، وكذلك التعبير عن الاستياء بأنه تعبير عن الغضب.

ويقول الباحثون إن هذا الخلط ينشأ لأن الناس في كل جماعة ثقافية مختلفة يلاحظون أجزاء مختلفة من الوجه عند قراءتهم لتعبيره.

ومال المشاركون في الدراسة من شرقي آسيا إلى التركيز على عيون الشخص، فيما مال الغربيون إلى التركيز على الوجه كله بما فيه العينان والفم.

وقالت الدكتورة راشيل جاك، الباحثة التي أشرفت على الدراسة “منطقة العين لا تظهر المشاعر بحدة واللافت للنظر أن الناس يميلون إلى الانحياز إلى التفسيرات الأقل خطرا من الناحية الاجتماعية فينحازون إلى الدهشة بدل الخوف”.

وأضافت “ربما يعكس ذلك الاختلاف بين الثقافات بالنسبة للمشاعر المقبولة اجتماعيا”.

وأطلع الباحثون 13 شخصا من الغرب و13 من شرقي آسيا على صور تبين تعبيرات الوجه الرئيسية السبعة: السعادة، الحزن، الحياد، الغضب، الاستياء، الخوف والدهشة.

واستخدم الباحثون وسائل متابعة حركة العين لتحديد اتجاه نظر المشارك لحظة قيامه بتفسير تعبيرات الوجه.

وبالنسبة للأشخاص من الدول الغربية كانت هناك صعوبة في التمييز بين التعبير عن الاستياء والغضب، أو الخوف والدهشة.

ويخلص البحث إلى أن المعلومات التي يستقيها الإنسان من العينين هي غالبا غير واضحة ويسهل الخطأ فيها مما ينعكس على التواصل بين الثقافات.

كذلك يشير الباحثون إلى أن هذا الاختلاف في تفسير التعبيرات ينعكس في الرسوم التي يستخدمها الأشخاص للتعبير عن المشاعر داخل الرسائل الإلكترونية.

لكن إذا ما استخدم الناس الإيموجي في السياق الصحيح، يمكن أن يكون أداة قوية من أدوات التعبير البصرية. إلا أنه في الكثير من الأحيان ليس الأداة الأفضل.

ولذلك يجب على المستخدمين أن يكونوا متأكدين من أن المتلقي خبير في ثقافة فك الرموز حتى يفهم معنى الإيموجي.

12