الائتلاف الوطني يتطلع لتقارب بين القاهرة والرياض حول سوريا

مازال الغموض يسيطر على مسار تطورات الأزمة السورية، وحتى الآن لم تتمخض حالة الحراك الإقليمي والدولي حول سوريا عن نتائج ملموسة يمكن الحديث عنها في العملية التفاوضية هناك، ولا يزال وضع الرئيس السوري بشار الأسد في مستقبل سوريا غير واضح؛ وفيما تهيمن قوى خارجية على مساحة كبيرة من النقاش السياسي والعسكري داخل البلاد، لا تزال صورة المعارضة على حالها مشتتة ومنقسمة، وفق هيثم المالح، رئيس اللجنة القانونية بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي عبر خلال لقاء مع “العرب” عن تطلع الائتلاف إلى تقارب بين الرياض والقاهرة في الملف السوري.
الجمعة 2017/01/13
سني لا تخولني لأكون رئيسا توافقيا لسوريا

القاهرة- يذهب البعض من المحللين إلى ربط تعقيدات الأزمة السورية بحال معارضتها، والتي وإن كان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة من أهم مكوناتها وأكثرها وضوحا إلا أنه ليس الوحيد الممثل لهذه المعارضة بما يجعل الإجابة معقدة على أسئلة كثيرة تطرح في سياق تطورات الملف السوري من ذلك.

لا ينكر هيثم المالح، رئيس اللجنة القانونية بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي إلتقته “العرب” في القاهرة، أن المعارضة السورية باتت مشتتة وضعيفة، لكنه أرجع هذا الوضع إلى رغبة دول عربية وغربية، في أن تظل المعارضة على تلك الحال، مشيرا إلى مسألة التواصل المباشر بين تلك الدول وفصائل بالمعارضة، وإغداقها بالدعم المالي والسياسي، سهل عملية الانفصال عن الائتلاف كجسم وحيد وشرعي للمعارضة.

ويعتبر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أحد أهم مكونات العملية السياسية في سوريا، وهو من أبرز المكونات شرعية، وفق قرارات الأمم المتحدة والجامعة العربية، على اعتبار أنه الجسم الأول في المعارضة، إذ تم تشكيله في بدايات الثورة، وضم جميع المكونات والأطياف في حينه، قبل أن يتعرض للانشقاقات من جانب شخصيات لها وزنها داخله، على خلفية اتهامات بهيمنة جماعة الإخوان المسلمين عليه، ورسم سياساته وفقا لمصلحة وأجندة الجماعة.

هيئة التنسيق السورية لا تمثل أي وزن في الداخل السوري، وأي حراك بشأن الأزمة السورية لن يكتب له النجاح طالما أنه بعيد عن الائتلاف الوطني لقوى المعارضة

بين القاهرة والرياض

عكس حديث المالح رغبة داخل الائتلاف في عودة التقارب بين الرياض والقاهرة، وقال “إنه لو حدث ذلك، سيكون له تأثيره الإيجابي على المعارضة، والملف السوري برمته”. وتمنى المالح لو أن التقارير الإعلامية التي تتحدث عن زيارة وشيكة للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى القاهرة تكون صحيحة، لافتا في الوقت نفسه، إلى أن ثمة مؤشرات على قرب التفاهم بين الرياض والقاهرة في الملف السوري، على ضوء مساع، لم يشرحها، لإعادة تشكيل محور “الرياض القاهرة”، في مقابل المحور “الروسي الإيراني”، وتوقع أن تشهد الأيام القادمة انفراجة في تلك العلاقات، ويكون لهذا التقارب ثمن، لم يوضحه.

وحذّر من أنه إذا نجح المشروع الإيراني في سوريا، فإن ذلك سيكون كارثة على كل الدول العربية والإسلامية. وأشار إلى تصريحات لبعض المسؤولين الإيرانيين عن خلايا نائمة لهم في كل الدول العربية، كما طالب القاهرة بأن تعيد النظر في علاقتها مع طهران، وتساءل: ما هو الفرق بين داعش وحزب الله إذا كانت الأفعال متشابهة والقسوة والوحشية التي يتعاملون بها واحدة؟

ونفى المالح ما رددته بعض وسائل الإعلام، بأنه يطرح نفسه حاليا رئيسا توافقيا للبلاد، لافتا إلى أنه صار الآن في “أواخر العمر” (87 عاما). وأوضح أنه تقدم بمقترح، بالتعاون مع مجموعة من الشخصيات داخل الائتلاف منذ أكثر من سنتين، يتضمن تشكيل “جيش وطني”، مكون من 10 آلاف جندي، بالإضافة إلى جهاز شرطة من 5 آلاف آخرين، وحكومة انتقالية ودستور جديد، وبالفعل قدم نفسه في حينه كرئيس توافقي في هذه الفترة، وكان المشروع في معظمه مستلهما من التجربة المصرية، من حيث تشكيلة المجلس العسكري والقضائي والشرطي.

حوار أستانة

في سياق مساعيهم للإمساك بزمام حل الأزمة في سوريا، عسكريا وسياسيا، اقترح الروس عقد مفاوضات في أستانة بكازاخستان، تحت رعاية روسيا وتركيا وإيران. وأثار هذا الطرح الكثير من الجدل، خصوصا في اعتباره بديلا لمسار جنيف المتعثر. يقف هيثم المالح في صف المنتقدين لمحادثات أستانة، التي من المفترض أن تعقد أواخر الشهر الحالي. واعتبر أنها التفاف على مسار مفاوضات جنيف، التي ترعاها الأمم المتحدة، وشكك في الوقت نفسه في نزاهة روسيا كوسيط، وفي قدرة تركيا على ضبط الأمور في هذا المسار.

وقال هيثم المالح إن الائتلاف الوطني لم يحسم حتى الآن أمره من الذهاب إلى أستانة، مشيرا إلى أن الممثل الرئيسي للمعارضة السورية لم يتلق دعوة للمشاركة، ووصف الرؤية، في هذه المسألة، بأنها “ضبابية”، حيث لم يطرح عليهم برنامجا معينا، ولا مقترحات محددة، ولا أفكارا بشأن مفاوضات أستانة، وقال “نحن لا نعرف حتى الآن علام سنتفاوض بالضبط.. وهل سيكون هذا المسار بديلا لجنيف أم استكمالا له؟”.

وعن موقف الائتلاف من مسألة وضعية بشار الأسد في مستقبل العملية السياسية في سوريا، والحديث عن فترة انتقالية، أكد المالح أن هذه المسألة محسومة بالنسبة إلى الائتلاف، وهي عدم قبول بشار الأسد كجزء من الحل في سوريا. ولفت إلى أن تركيا، ربما كانت تقصد من وراء التفاهم مع روسيا، الوصول إلى نتيجة مهمة، وهي طرد المقاتلين الإيرانيين من سوريا.

وألمح كذلك إلى أن ثمة عدم انسجام بين إيران وروسيا مؤخرا، على خلفية التفاهم بين موسكو وأنقرة. وقال “هناك اختلاف بين الإستراتيجيتين الروسية والإيرانية في سوريا، فطهران لديها مشروع فارسي، يمتد من باكستان إلى البحر المتوسط، وتقاتل من أجله، لذلك فهي لن تترك سوريا بسهولة، وهذا ما يفسر عمليات التغيير الديمغرافي، التي تقوم بها طهران حاليا في سوريا، ومنح أكثر من مليون شخص أجنبي الجنسية السورية، بينما روسيا لا يهمها شخص بشار الأسد، وإنما النظام السوري، ولهذا فإن اللعبة التركية في سوريا، قائمة على طرد المقاتلين الإيرانيين من دمشق، لأنه دون ذلك لن يتم احترام اتفاق وقف إطلاق النار”.

وتعثرت مفاوضات جنيف بسبب تعنت غالبية الأطراف حول نقاط مهمة، منها التباين في رؤية الأطراف الفاعلة بشأن تحديد هوية الفصائل الإرهابية، وتوصيف كل طرف لما هو “الفصيل الإرهابي” بالضبط، وهنا يبرز الخلاف الأميركي-الروسي حول فصائل بحجم جبهة النصرة (فتح الشام) وجيش الإسلام، ويدخل على الخط التباين التركي الإيراني في نفس السياق، بشأن التعامل مع حزب الله اللبناني، والفصائل الكردية في الشمال السوري.

وغير معروف حتى الآن مصير مفاوضات جنيف التي تتم برعاية الأمم المتحدة، خصوصا مع الإعلان عن مسار آخر في كازاخستان، بضمانات روسية تركية مشكوك في حياديتها بشأن هذه الأزمة، فيما ينتظر كل اللاعبين في الملف السوري الساكن الجديد للبيت الأبيض، دونالد ترامب، وما ستأتي به سياسته في الأزمة السورية، لا سيما وأن هناك حديثا عن تفاهمات روسية أميركية بشأن هذا الملف، وهو ما سينعكس على الأداء الإقليمي فيها، وكانت واشنطن من الأطراف الداعمة للائتلاف السوري المعارض، خلال فترة أوباما.

وأوضح المالح أن واشنطن هي اللاعب الرئيس في الملف السوري، رغم أن الظاهر غير ذلك، ولو أرادت واشنطن طرد موسكو من سوريا لفعلت. وفي تقديره أن التفاهم حول سوريا، ليس بين روسيا والولايات المتحدة فقط، وإنما تدخل على الخط معهما تركيا، بعد التقارب الأخير بين موسكو وأنقرة. وأكد أن السياسة الأميركية الجديدة بشأن التعامل مع الائتلاف لن تتغير، لافتا إلى أن الرئيس الأميركي الجديد لا يستطيع الانفراد بالسياسة الأميركية وحده، وأن هناك مؤسسات أخرى أكثر تأثيرا في القرار من الرئيس، بالإضافة إلى أن هناك قطاعا كبيرا داخل الولايات المتحدة غير راض أصلا عن الرئيس الجديد، ولا ينسجم مع سياساته.

غاضب من موقف مصر

في رده على سؤال كيف ينظر الائتلاف إلى القاهرة كلاعب في الملف السوري؟ أبدى المالح، في البداية، غضبا من معاملة السلطات المصرية له خلال دخوله البلاد، ولفت إلى أنه لم يحصل على “الإقامة” حتى الآن، بالرغم من امتلاكه كل الوثائق التي تعطيه ذلك الحق. واعتبر المالح أن موقف مصر منه كشخص، يعتبر مقياسا لموقف القاهرة من الائتلاف السوري المعارض، حيث لم يُدع الائتلاف لحضور مؤتمرات القاهرة الخاصة بالأزمة السورية، رغم حرصه على التواجد في الحراك المصري من أجل هذه الأزمة.

وقال إن الأمر وصل إلى حد منع وفد الائتلاف من دخول القاهرة، لحضور مؤتمر كانت تنظمه مصر لمناقشة تلك المسألة، مؤكدا أن أعضاء الائتلاف، ليس لديهم مانع من حضور مؤتمر “القاهرة 3”، الذي ترتب له مصر في هذا الشأن إذا تلقوا الدعوة لذلك. ورغم أنه أبدى استعداده للدخول في الحراك المصري بشأن الأزمة السورية، كانت لهيثم المالح تحفظات على منصة القاهرة “مجموعة مؤتمر القاهرة المعارضة”، لأن أعضاء هذه المجموعة، حسب وجهة نظره، قرروا العمل بعيدا عن الائتلاف السوري. ووصف “هيئة التنسيق السورية بأنها لا تمثل أي وزن في الداخل السوري، وأي حراك بشأن الأزمة السورية، لن يكتب له النجاح، طالما أنه بعيد عن الائتلاف السوري”.

أعضاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ليس لديهم مانع من حضور مؤتمر القاهرة 3 الذي ترتب له مصر في هذا الشأن إذا تلقوا الدعوة لذلك

عن تفسيره لموقف القاهرة من الائتلاف السوري المعارض، اعتبر رئيس اللجنة القانونية بالائتلاف أن الذي يحكم مصر ويحركها في الملف السوري موقفها من تيارات الإسلام السياسي، وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين، والنظام في مصر يعتقد أن نجاح الثورة السورية يعطي الفرصة للتيارات المتطرفة لتهديد الأمن القومي المصري، وأن تلك التيارات سوف تتحكم في مقاليد الأمور بدمشق. وفي رأيه، هذا الموقف من جانب مصر، غير دقيق، فتيار الإخوان المسلمين، جزء من المعارضة السورية، لكنه لا يشكل أغلبية في ائتلاف الثورة وقوى المعارضة السورية.

وكان الائتلاف قدم طلبا للخارجية المصرية، برغبة رئيس الائتلاف أنس العبدة في الحضور إلى مصر، وتوضيح حقيقة انتمائه إلى جماعة الإخوان، غير أن هذا الطلب لم يُبت فيه حتى الآن. ورأى المالح أن هناك قاسما مشتركا بين مجموعة مؤتمر القاهرة والنظام المصري، حيث يمكن تصنيفهما في خانة التيارات القومية واليسارية، التي لها موقف سلبي من الإسلاميين. ودعا الإخوان إلى ترك العمل السياسي في كل الدول العربية.

وقال هيثم المالح إنه طلب ترتيب لقاء مع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط، ووزير الخارجية المصري سامح شكري لعرض بعض المقترحات عليهما، ومن ضمنها ضرورة التأكيد على خروج المقاتلين الأجانب في سوريا، الذين وصل عددهم، حسب تقدير، إلى أكثر من 40 فصيلا، يعمل معظمهم تحت إمرة إيران، وأنه لا حل للأزمة في سوريا دون خروج هذه المجموعات، بالإضافة إلى تبادل الحديث عن مفاوضات أستانة، والتعرف على رؤية القاهرة في هذا الصدد.

وتطرق الحوار مع هيثم المالح، إلى مسألة مقعد سوريا بالجامعة العربية، حيث لا يزال يحدوه الأمل باستلام مقعد دمشق بالجامعة، تنفيذا لقرارات القمة العربية. ورأى أن القاهرة والجزائر والعراق، عرقلت تنفيذ الاتفاق. وعاتب القاهرة لعدم دعوتها الائتلاف لحضور القمم العربية الأخيرة في شرم الشيخ والخرطوم، كما طالب الأمين العام الجديد بتفعيل قرارات القمم السابقة، التي أوصت بتسليم مقعد سوريا للمعارضة، لأن هذا الوضع يعطي انطباعا بفشل الجامعة في القيام بدورها.

تصوير: محمد حسنين

12