الابتذال والحداثة: هل الترابط بينهما سمة العصر

قيم التفتح الحديث والفردانية التي تزعم أنها سيدة نفسها أدت إلى فظاظة الابتذال وأفرزت عكس ما تصبو إليه.
الخميس 2019/12/05
هل يجب أن تكون مبتذلا لتكون ابن عصرك "لوحة للفنان بسيم الريس"

هل يعني الابتذال إساءة الكلام أم إساءة السلوك أم إساءة الأدب؟ وهل يقوم على التشبث بسلوك وأقوال وأفكار مبتذَلة لتأكيد الذات، أم يقوم أساسا على ادعاء تأكيد الذات من خلال تلك الصفات والممارسات؟ هنا قراءة لكتاب “الابتذال والحداثة” للفرنسي برتران بوفون الذي يحاول اقتفاء مسار ظهور الابتذال، وتحديد مفهومه.

كثيرا ما نقرأ في الصحف السيارة وعلى صفحات التواصل الاجتماعي تنديدا بالابتذال الذي تتسم به برامج بعض القنوات التلفزيونية الخاصة في تونس، وما يتخللها من غناء سوقي ومزح لا تختلف بذاءته عن لغة الزعران والمنحرفين، وما يتحلى به مدعووها من ألبسة أشبه بأزياء كرنفال.

كل ذلك بدعوى مسايرة العصر ومخاطبة الشبيبة بلغتها، وما هي في الواقع إلا مسايرة لما يجدّ في بعض البلدان الغربية، حيث اجتاح الابتذال الفضاء العام، عن طريق تغير الخطاب وانتشار الإعلانات الإشهارية والموضة والمواقع الاجتماعية وتدني مستوى الحكام، إذ لم يسلم من الابتذال حتى قادة دول عظمى أمثال برلسكوني وساركوزي وترامب.

مبحث فلسفي

الحق أن الابتذال استشرى في كل شيء، في الكلام والسلوك، في الهندام والمظهر، في السير والركوب، في القول والكتابة، حتى صار مبحثا من مباحث الفلسفة، كما هو الشأن في كتاب “الابتذال والحداثة” للفرنسي برتران بوفون الذي حاول توصيف هذه الظاهرة، وفهم أبعادها، والبحث عن أصولها.

ولئن كان أصل المفردة في اللغة العربية يحيل على بذاءة القول وتفاهة الهيئة وركاكة الأسلوب وإراقة ماء الوجه، فإن أصل الكلمة في الفرنسية vulgaire مشتقة من اللاتينية vulgus بمعنى ما هو مشاع أو مشترك أو عام، دون أن يحمل بالضرورة معنى الاستهجان، فاللغة المبتذلة هي تلك التي يستعملها عامة الناس، ولا علاقة لها بالفحش والبذاءة، بينما كان المقصود بعبارة vulgarité الخمول والتهاون وعدم أخذ الأمور مأخذ الجدّ.

ولم تكتسب العبارة معناها الحالي إلا عام 1802 مع الكاتبة جرمان نيكر الشهيرة بمدام دوستائيل (1766 - 1817) حين لاحظت أن المبتذل تنقصه دائما استقامة في الهندام والفكر ونصيب من الوقار، وأنه يشعر بكونه في حِلّ من الأعراف والقواعد الاجتماعية وآداب التحضّر والذوق السليم، ويباهي بذلك كلّه سرّا وعلانية، أي أنه يفتقر للّباقة والثقافة والتساميٍ، ولا يخجل أن يحوز تلك الصفات المخلة، بل يتباهى بها.

الابتذال والحداثة

مسار ظهور الابتذال
مسار ظهور الابتذال

رغم أن فاقدي الذوق واللباقة والكياسة لم يخلُ منهم عصر، فإن سلوكهم قبل ذلك التاريخ لم يكن يجد تبريرا في محاور التطورات التاريخية حسب الكاتب، ومن ثَمّ ظل الابتذال في الثقافة الغربية غائما، دون تحديد مفهومي، لأنه ليس ظاهرة واضحة المعالم، محصورة في تعريف، وإنما هو سلوك يملك قدرة على الرواج والانتشار، أو التراجع أمام خصم عنيد، وحتى المداهنة بشكل يغري سامعه، فيسقط في تقليده ومجاراته.

وفي رأي الكاتب أن الابتذال تجتمع فيه عناصر ملتبسة، لافتة حينا وغائمة حينا آخر، شائنة ومتفشية، ما يجعل الإلمام بمعانيه أمرا غير يسير. وهو ما سعى إلى الإمساك به انطلاقا من محاولة مدام دوستائيل الأولى، أي منذ نشأة الحداثة التي صيغت من الفردانية والنفعية والنزعة الاستهلاكية حتى استفحالها الحالي، لينتهي إلى أن الابتذال يدل، في صيغة محايدة، على المشترك، أي ما يشترك فيه أكبر قدر من البشر؛ مثلما يدل، في صيغة قدح وذمّ، على كل ما هو معتاد وتافه ومستهلَك ورديء ومنقوص.

وموقفنا منه غير محدد هو أيضا، فمن وجهة نظر إيثيقية، ندفع عنا الابتذال حتى وإن كان يخصنا جميعا، ويترصدنا، وقد يغوينا أحيانا. ولكن الأمر لا يختلف إذا نظرنا إلى الابتذال من وجهة نظر سياسية، لأنه يعني أيضا ما نشترك فيه، لأنه قد يعني المهذبين وغير المهذبين، فلئن كان يفرّق بين الناس، فإنهم يوحّدهم أيضا، ولو بقدر ضئيل وأمد وجيز، لاسيما عندما ينجح في إبعاد المرء عن ذاته، في حالات الغضب والهيجان، ويجعله في حال لا يقوى معها على كبح اندفاعه وسعاره. وما الفرق في نظر الكاتب بين المؤدَّب والمبتذل إلا من جهة المظهر الخارجي، أو ما يسميه البرنيق، فالتمدّن والتحضر والتأدّب لا تصمد أحيانا أمام الابتذال.

ولعل أطرف ما في الكتاب ربطه ظهور الابتذال بأسس الحداثة، التي قامت على الفردانية والمادية والتساوي في الهيئة والسلوك. فبعد أن كان السابقون يعيشون تحت سطوة أمثلة مرغِمة، يعملون على الامتثال لمعايير محددة في الخطاب والسلوك واللباس، وهم على قناعة بأن للجمال والحق وجودًا مستقلا عن الرغائب والأذواق الخاصة، صار الحداثيون، منذ عصر الثورة الفرنسية إلى الآن، يفعلون العكس، فهم يريدون أن يكونوا أحرارا، ذوي سيادة فردية، مكتفين بذواتهم، ولا يقبلون بالتالي أن يرغموا على اتباع أي شيء، ويفخرون بأنهم أصلاء وعفويون، ويؤمنون بأن الجمال ذاتي ونسبي، وأن كل الأذواق موجودة في الطبيعة، ما يجعها في نظرهم متساوية، لا فضل لهذا على ذاك.

وكان من نتيجة ذلك أن قيم التفتح الحديث والفردانية التي تزعم أنها سيدة نفسها أدت إلى فظاظة الابتذال، وأفرزت عكس ما تصبو إليه، فالحرية تحوّلت إلى تهتّك ينافي الحشمة والوقار، وآلت إلى إنكار ذاتها نفسها ودمرت بذلك العيش المشترك.

ويبقى السؤال: كيف يمكن للفرد أن يكون ابن عصره دون أن ينحدر إلى الابتذال؟

14