الابتزاز الإيراني

في مواجهة العقوبات الأميركية اليوم، تمارس إيران نفس الابتزاز الذي مارسته قبل أربعة أعوام. بدلت بعض أوراقها التي فاحت منها رائحة العفن، واستحدثت بعض الأساليب التي تواكب المرحلة الراهنة.
الثلاثاء 2019/07/09
مصالح القوى الكبرى تلتقي في دعم إيران

ما بُنِيَ على ابتزاز فهو باطل. الاتفاق النووي الإيراني شُيِّدَ على ابتزاز طهران للمجتمع الدولي عبر التهديد بامتلاكها سلاحا نوويا. المنتصر الوحيد في الاتفاق كان إيران لأن كل ما تحقق من إنجازات سياسية واقتصادية للدول الست الكبرى بقي منقوصا وجاء على حساب دول وشعوب منطقة الشرق الأوسط.

قبل أربع سنوات شاءت الأقدار أن تلتقي مصالح القوى الكبرى في دعم إيران. الروس أرادوها عونا لهم في سوريا، والأوروبيون كانوا يتطلعون إلى سوقها الاستثمارية البكر، أما الصينيون فقد وجدوا لديها دعما لشق طريق حريرهم، فيما كانت الولايات المتحدة غارقة في مساعي باراك أوباما لنيل جائزة نوبل للسلام.

عندما وصل الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017 رافعا شعار “أميركا أولا”،  انهار الاتفاق النووي، ليس استعراضا من ترامب وإنما هو تعارض للاتفاق مع مصالح واشنطن في الداخل والخارج. لم يجلب الاتفاق سلاما للعالم ولحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ولم يحمل من الأموال ما يشبع طمع ترامب. انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق يعني أنه دخل غيبوبة لن يخرج منها إلا ميتا. الكل يدرك ذلك، ويدرك لماذا أيضا. فخطر إيران يتجاوز برنامجها النووي، وإرهابها يمتد أكثر فأكثر عبر أذرع سياسية وعسكرية تنشط في دول عدة. حتى الشق الاقتصادي للاتفاق وُلد مسخا عقيما بسبب انتهازية نظام الولي الفقيه.

في مواجهة العقوبات الأميركية اليوم، تمارس إيران نفس الابتزاز الذي مارسته قبل أربعة أعوام. بدّلت بعض أوراقها التي فاحت منها رائحة العفن، واستحدثت بعض الأساليب التي تواكب المرحلة الراهنة. فقد تغيرت مصالح الدول الست خلال هذه السنوات وبات من الأفضل ابتزاز كل واحدة منها على حدة.

بالنسبة للروس فقد باتوا يريدون رحيل إيران من سوريا، والصينيون يستغلون طهران ورقة على طاولة مفاوضات حربهم التجارية مع الأميركيين، أما الأوروبيون فهم أكثر عرضة للابتزاز الإيراني، ولكنهم يدركون أن طهران لن تتخلى عن الاتفاق الحالي معهم، إلا إذا فتحت بابا مضمونا للتفاوض مع واشنطن.

من تهديد الملاحة الدولية في مياه الخليج العربي، إلى التخلي التدريجي عن بنود الاتفاق النووي، مرورا باستهداف محطات طاقة وتجمعات تضم أميركيين في المنطقة، بالإضافة إلى الاعتداء على دول الجوار؛ كلها أدوات ابتزاز تمارسه إيران بحق العالم ككل والجوار العربي بشكل خاص. ابتزاز فقط وليس مقاومة.

لا تعتبر طهران اليوم أو حتى قبل أربع سنوات، مظلومة في المفاوضات على برنامجها النووي. لا يمكن التعاطف معها في مواجهة العقوبات الأميركية على برامج تسليحها ونشاطها الإرهابي، فلم يصنع نظام الولي رصاصة واحدة إلا واستهدف بها العرب، ولم يكترث يوما لا لشعب إيران ولا لشعوب المنطقة.

لا يحق لإيران أن تبكي كضحية وقد قتلت الآلاف وشردت الملايين في سوريا ودول المنطقة الأخرى. لا يمكن لها التذمر من انتهاك سيادتها وهي تتفاخر بـ”احتلال” أربع عواصم عربية. لا تستطيع ادعاء محاربة الإرهاب ولديها الحرس الثوري كما تحتضن نظام الأسد وميليشيا حزب الله، ولا أحد يصدق حرصها على حقوق مواطنيها وهي من يرفع مشانقهم ويخنق أنفاسهم.

تظن إيران أنها بابتزازها العالم تفرض نفسها على الخارطة الدولية كقوة عظمى، ولكن دولة يجلس رؤساؤها في المحافل الرسمية قرب أقدام زعيم ديني متطرف، ويتفاخر قضاتها بمشانق السياسيين المعارضين، ويحلف قادتها العسكريون بالولاء لطائفة دون الوطن ككل، لن تتحول إلى قوة عظمى مهما برعت في ابتزازها.

8