الابتزاز السياسي سلاح النهضة لفرض توازنات برلمانية

مناورات الحركة الإسلامية تدفع بالبلاد نحو معركة سياسية ساخنة.
الأربعاء 2020/09/09
جلسة تزكية حكومة المشيشي أخرجت كل الحسابات للعلن

تكثف حركة النهضة الإسلامية من جهودها بغية خلق مشهد سياسي تونسي جديد بتأسيس تحالفات حزبية، في خطوة لضرب التوازنات البرلمانية القائمة، وتكوين جبهة سياسية جديدة مع قلب تونس وائتلاف الكرامة، قادرة على فرض مواقفها في البرلمان، ما ينذر بمعركة ساخنة بين رؤوس السلطة في البلاد.

تونس - لم تحجب العملية الإرهابية التي شهدتها مدينة سوسة التونسية، وما ألقته من أعباء جديدة على حكومة هشام المشيشي، التطورات الحزبية المتسارعة، التي تعددت فيها الرهانات في علاقة بترتيب أولويات المسار الحكومي وفق حسابات ومعادلات توزعت على طول المساحة المستجدة في تلك التطورات.

وتشي هذه التطورات التي يعكسها حراك حزبي جانبي بعيدا عن الأضواء، بتبدلات عاصفة في التحالفات فرضتها توازنات سياسية لم تكن بالحسبان باتت تُهيئ لمناخ يتسم بتصعيد في المُناورات التي دأبت عليها حركة النهضة الإسلامية في مسعى للإبقاء على المشيشي ضعيفا ورهينة لديها.

ويأخذ التعاطي مع هذه المناورات شكلا مُختلفا عما سبقها، باعتبار ما تحمله من دلالات ورسائل سياسية في اتجاهين، الأول ناتج عن علاقة حركة النهضة مع الرئيس قيس سعيد، والثاني يرتبط مباشرة بحكومة المشيشي التي رغم حصولها على ثقة البرلمان، مازالت بحاجة لدعم نيابي لاستمرار وجودها.

وبدأت مظاهر تلك التبدلات في البروز عبر الكثير من المُعطيات التي تكشف عن رهانات تشابكت فيها الحسابات السياسية بالمصالح الحزبية المُتضاربة، عكسها التوافق “المُريب” بين حركة النهضة وحزب قلب تونس، الذي تحول إلى تحالف برلماني انضم إليه ائتلاف الكرامة وكتلة المستقبل النيابية.

حسونة الناصفي: النهضة تسعى إلى تنفيذ مُخطط مع قلب تونس لضرب التوازنات البرلمانية
حسونة الناصفي: النهضة تسعى إلى تنفيذ مُخطط مع قلب تونس لضرب التوازنات البرلمانية

وكان لافتا أن هذا التحالف البرلماني الذي أمّن حصول حكومة المشيشي على ثقة البرلمان، سرعان ما تحول إلى تحالف سياسي، بإعلان ائتلاف الكرامة عن تحالفه مع حزب قلب تونس، وذلك في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات، ومازالت تحتاج إلى الكثير من الشرح والتفسير لدوافعها.

وبرّر النائب سيف الدين مخلوف الناطق باسم ائتلاف الكرامة، هذا التحالف مع حزب قلب تونس بأن قال في تدوينة له، إن حزب قلب تونس “مد يده لائتلاف الكرامة منذ اليوم الأول، على عكس بقية الأحزاب، وخاصة التيار الديمقراطي، وحركة الشعب اللذان ‘تفننا في وصف ائتلافه بأبشع النعوت'”، على حد قوله.

لكن هذا التبرير الذي بدا مهزوزا، لم يُقنع الأوساط السياسية التي لم تتردد في الإشارة إلى أن خطوة ائتلاف الكرامة تنمُّ بحدها الأدنى عن رغبة حركة النهضة التي يُنظر إليها على أنها بمثابة “أم لائتلاف الكرامة”، في إعادة خلط أقرب أوراق التوازنات الحزبية وتوظيفها لأهدافها.

وتهدف حركة النهضة من وراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف، لعل أبرزها توفير حزام برلماني واسع من شأنه تحصين رئيسها راشد الغنوشي، بما يحول دون تكرار سحب الثقة منه كرئيس للبرلمان، ثم توفير إمكانية ابتزاز رئيس الحكومة هشام المشيشي بأدوات برلمانية.

وعبّر عن هذا الهدف بوضوح عبدالكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى حركة النهضة عندما قال في تصريحات إذاعية سابقة، إن حركة النهضة “لن تقبل بسياسة لي الذّراع في المستقبل” في علاقة ببقاء الغنوشي رئيسا للبرلمان، وإن حكومة هشام المشيشي “لن يكون بمقدورها تمرير أي قرار دون موافقة النهضة”.

وتتفرع عن أهداف هذا التحالف الذي رحب به الهاروني لتشمل أخرى تمس من قريب الرئيس قيس سعيد، لجهة محاصرته وإبعاد تأثيره عن حكومة المشيشي، إلى جانب مُحاولة مُحاصرة الحزب الدستوري الحر برئاسة عبير موسي الذي بدأ يفرض إيقاعه على المشهد السياسي العام في البلاد، وصولا إلى إضعاف بقية الأحزاب والكتل البرلمانية.

ويتضح ذلك من خلال التسريبات التي تتالت بشكل سريع، والتي تُشير في مُجملها إلى أن هذا التبدل في خارطة التحالفات لن يكون مجرد تغيير في المنحى السياسي، بل يتجاوز ذلك إلى الإقرار المُسبق بوجود مساع أخرى لتوسيع هذا التحالف بقياسات تُمكن حركة النهضة من فرض تصوراتها ومقارباتها.

النهضة تهدف من خلال إعادة رسم التوازنات البرلمانية إلى توفير حزام برلماني واسع من شأنه تحصين رئيسها راشد الغنوشي، بما يحول دون تكرار سحب الثقة منه كرئيس للبرلمان، ثم توفير إمكانية ابتزاز رئيس الحكومة هشام المشيشي بأدوات برلمانية

وفي سياق هذه التسريبات التي ترافقت مع اقتراب التسخين في المواقف من حده الأقصى، حذر النائب حسونة الناصفي، الذي يرأس كتلة الإصلاح الوطني من مُخطط تسعى حركة النهضة وحزب قلب تونس إلى تنفيذه وسط أجواء غير مُريحة تتداخل فيها عوامل حزبية مُتعددة.

وكتب في تدوينة له “الآن تجري صفقات شراء نواب من تحيا تونس وكتلة الإصلاح للالتحاق بتحالف حركة النهضة وقلب تونس بما سيسمح بتمرير أعضاء المحكمة الدستورية، وذلك بهدف الإطاحة بالرئيس قيس سعيد والاستيلاء على الحكم”.

وسعت في وقت سابق بعض المنصات الإعلامية المحسوبة على هذا التحالف إلى إشاعة أن ثمانية من نواب كتلة الإصلاح قد انشقوا عن الكتلة، وانضموا إلى هذا التحالف، وهو أمر نفاه بشدة حافظ الزواري، النائب عن كتلة الإصلاح الذي أكد أن كتلته متماسكة.

وعلى وقع هذه التطورات، ترسم مختلف الأوساط السياسية والبرلمانية في البلاد صورة غير مريحة لهذا الوضع الذي يبقى مُتأرجحا ويحتاج إلى الحسم، في علاقة بإعادة رسم المواقف بما يتناسب مع المشهد السياسي بتلوناته المختلفة، لاسيما في هذا الوقت الذي تبدو فيه الوقائع تندفع في مسار مغاير للاستقرار السياسي.

وترى أن البلاد باتت على مشارف معركة سياسية لافتة، بدأت ملامحها تتراكم بارتفاع في حدة التصريحات الدالة على رفض هذا الواقع، بما يعكسه من مناورات أصبحت جزءا لا يتجزأ من حالة القلق بهواجسها المشروعة التي تنتاب الجميع.

4