الابتلاء وعظا

في الابتلاء وعظ، يتعاضد طرفان، واحد يتحايل على الشريعة، وآخر يتحايل على الشعب.
الأحد 2021/07/11
رهط الحاكم عسسا وحاشية ينبغي أن يغيب

في فلسطين، خرج الواعظ الأشهر، والأقرب إلى قلب الحاكم بالإنابة؛ لكي يُفتي بقتل كل من يخرج على “إجماع” مزعوم وموهوم، تأسس لسيده وولي منافعه الكثيرة، بلا حق ومستَحق. دعا واعظ الإناء الذي ينضح بما فيه، إلى إزهاق روح كل من يخرج على ذلك “الإجماع”، وهو يعرف أن صاحبه لا يحظى به. كان الأوجب، حث السامعين، على الصبر واحتمال سلطان بلادهم الجائر، وعدم التوغل في كراهيته. فإما أن يقتنعوا وإما يزدادوا بغضاء له ولو بجريرة هكذا خطيب مفوّه، يخرج عن كل منطق وكل فقه!

في العشرية الثانية من القرن العشرين، أصدر محمد عبدالعزيز الشاذلي الخولي، وكان أحد علماء الشريعة في مصر، كتابا بعنوان “إصلاح الوعظ الديني” تصدى فيه للخزعبلات. ولم يكن من بين ما تصدى له، خُزَعبلا واحدا، بفداحة وضلال خزعبلات خطيبنا، أو مما يتفوه به وعاظ السلاطين، كلما مارسوا التضليل والتدليس.

في فلسطين، وقعت جريمة قتل لرجل لم يفعل شيئا سوى ممارسة الكلام والتهجم على أداء السلطات. انقض عليه نحو عشرين من عسس الحاكم، فانتزعوه من مخدعه، وأشبعوه ضربا في جمجمته حتى أسلم الروح. في الوقت نفسه، وحيثما أصبح للناس سلطتان في رقعتين في أقل من ربع وطنهم؛ ظلت سلطة الواعظ، تعارض السلطة الأخرى، كلما أعدمت جاسوسا، بموجب حكم قضائي، استنفد مراحله وكان الاعتراف فيه، سيد الأدلة. كانت سلطة العسس، تتمثل حال التأسي على المشنوق، بينما المشنقة نفسها، والقتل بها، أقل فظاظة من أفاعيل السلطتين بكثير، وكأن من يقتلون بالفعل الجرمي المباشر، وبلا قضاء، من ذوي الأهلية، للنطق بكلام يحاكي منطوق معارضي عقوبة الإعدام!

في التاريخ، لم يكن شيخ إسلام الدولة العثمانية محمد ضياءالدين، يجرؤ على القول، وهو يذب عن سلطان الإمبراطورية؛ إن من يخرج على عبدالحميد الثاني يتوجب قتله. بالعكس هو الذي أصدر في أبريل 1909 فتوى وجوب خلع السلطان ووضع فتواه تحت تصرف الملحدين الذين أطاحوه وسجنوه في سالونيك، في منزل ثري يهودي، مع التحذير من إزالة الشمعدان الكبير المعلق على الحائط.

 في الابتلاء وعظ، يتعاضد طرفان، واحد يتحايل على الشريعة، وآخر يتحايل على الشعب، دون أن تشبه الشريعة وعظ الأول، أو يتوافر للثاني ملمح واحد من الرشاد والعدالة وأمانة المسؤولية. وبهذه التجربة الكاريكاتيرية، يكون الواعظ قد استحق من الحاكم، كلما يبذله من السخاء لصاحبه.

في فلسطين، ظل الخطيب، لسنوات طويلة، يحاول إقناع الرعايا، بأنّ السلطان المحنك، كان ولا يزال في موضع إجماع الأمة، وأنّه بوصلة الحق ولسانه. وجاءت النتيجة عكسا تماما، دون أن يفكر الحاكم في وسيلة أخرى غير وعظيّة. وكلما تصاعدت بغضاء الناس للحاكم، يزداد الخطيب زعيقا، حتى وصل إلى فتوى القتل الفوري للناس بالجملة، بجريرة خروج أفدح على المسلمين من الخروج على خليفة راشد عادل. ولكي يؤثر فيمن يسمعون، غير مدرك لاستحالة إقناعهم؛ تراه يُقطِّب حاجبيه، ويرسم علامات الوجع في القلب، متمثلا آلام وزهد وشقاء أبي ذر، الذى يصنع كل يوم ثلاث قفف من سعف النخيل، لكي يربح منها ثلاثة دراهم، فيتصدق بدرهم، ويشتري سعفات القفة التالية بدرهم ويأكل هو وأهله بدرهم!

 أرجوحة من الكذب لا تكف عن حركتها، بينما تنمو قناعات الناس، بأن  رهط الحاكم، عسسا وحاشية، ينبغي أن يغيب، بعد أن يُحاسب.

واعظ الحاكم، يتجاوز مفتي البلاد، في تطيير فتوى القتل. فالأمر بالنسبة له؛ ضربة استنفاع كبرى، في مرحلة لن تطول ولن تتكرر، ولن يتبقى بعدها سوى تأمين الملاذ، يوم أن تستفيق الطبقة السياسية، على حجم أضرار صمتها المعيب، على كل عوار كان في الحكم.

24