الابتهالات والتواشيح منابع نور صنعتْ ذاكرة الموسيقيين

مع حلول رمضان كل عام، تنتعش فنون الإنشاد الديني والتواشيح والأذكار التي يعتبرها المصريون بوصلة هادية إلى معالم الشهر الفضيل وروحانياته وأجوائه التصوفية ونفحاته الإيمانية.
السبت 2019/05/25
جهود مؤسَّسية لاكتشاف شباب وصغار المنشدين

صارت الابتهالات الدينية من مكونات الذاكرة الشعبية، دون إغفال جانبها الفني الهام، فقد كان محمد عبدالوهاب مثلا، وهو الذي يعد أكبر موسيقيي العرب، يستفيد من جلسات خاصة مع الشيخ محمد عمران، الذي عرف بترتيله للقرآن وابتهالاته التي تتجلى بصوت شجي، حيث لا يقف دور الابتهالات عند وظيفتها التعبدية والدينية بل هي فن وإبداع، لكنه يبقى رازحا كغيره من الفنون بين التقليد والتجديد.

القاهرة- تبدو الابتهالات الدينية من الملامح المصرية الضاربة في التراث، خصوصا في شهر رمضان الذي تتجلى فيه تواشيح ما قبل الفجر والإفطار في مسجد الحسين والمساجد التاريخية الشهيرة.

واقترنت الأدعية والأذكار الدينية بأسماء منشدين عمالقة سكنوا القلوب وأثروا الوجدان الشعبي، وعلى رأسهم سيد النقشبندي ونصرالدين طوبار وطه الفشني ومحمد الكحلاوي وغيرهم ممن يفتقدهم الملايين ولا ينسون ابتهالاتهم الفذة من قبيل “مولاي” و”ماشي في نورالله” و”يا بارئ الكون”، فهي لا تضاهيها أعمال في الوقت الراهن، على الرغم من المحاولات الحثيثة لإحياء هذا الفن المصري الممتد عبر العصور.

وجهان أساسيان

مع حلول رمضان كل عام، تنتعش فنون الإنشاد الديني والتواشيح والأذكار التي يعتبرها المصريون بوصلة هادية إلى معالم الشهر الفضيل وروحانياته وأجوائه التصوفية ونفحاته الإيمانية، وهذا هو المعنى العميق للابتهال أي التضرع إلى الله بالدعاء المشفوع بالرغبة في الاستجابة له والإشفاق من عدم تقبّله. ويتزايد الإقبال الآن على سماع كل من ياسين التهامي ومحمود التهامي ووائل الفشني، وأصبح حضورهم كبيرا في كثير من المناسبات المتعلقة بالإنشاد الديني.

منذ الخلافة الفاطمية، قبل أكثر من ألف عام، وفنون الإنشاد والابتهالات علامة مميزة، وتطورت كثيرًا بتواشجها مع الموسيقى والإيقاعات، خصوصًا الأدعية والأغنيات التي لحنها بليغ حمدي ومحمود الشريف وسيد مكاوي وعمار الشريعي لكبار المنشدين، فوصلت الابتهالات إلى ذروة نضجها، وحجزت مواعيد ثابتة لبثها عبر أثير الإذاعة والتلفزيون كوجبة روحانية مشبعة عند كل إفطار وسحور.

في رمضان الجاري، جاء انتعاش الابتهالات والأدعية والإنشاد الديني في مصر بوجهين أساسيين؛ الأول: استعادي، بمعنى إحياء الابتهالات الكلاسيكية القديمة المحفوظة في الذاكرة بآليات وصور مختلفة، أما الوجه الثاني لانتعاش الابتهالات فهو ابتكاري، من خلال المنشدين الجدد من الجيل الحالي والشباب والأطفال في بعض المساجد وحلقات الذكر والخيام الرمضانية والمسابقات التنافسية.

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

التجلي في حضرة الموسيقى
التجلي في حضرة الموسيقى

شكل الجانب الاستعادي الحضور الأكبر للابتهالات بطبيعة الحال، في ظل غياب المنشدين العصريين، إلا في ما ندر، وتجلى ذلك الجانب في الإقبال الكبير من الجمهور على ما تبثه الفضائيات ومواقع الإنترنت وشركات التليفون المحمول على مدار اليوم من أدعية وأذكار بأصوات كبار المنشدين الراحلين، وتحظى الابتهالات الدينية الكلاسيكية بنسبة متابعة عالية ومعدلات تحميل واسعة النطاق على مواقع الإنترنت، ويتخذ منها الكثيرون نغمات خاصة لتليفوناتهم الجوّالة خلال شهر رمضان، خصوصًا ابتهالات النقشبندي المصحوبة بموسيقى بليغ حمدي النابعة من البيئة المحلية.

أما الوجه الآخر، الابتكاري، فقد تمثل في تلك المحاولات الرسمية والمؤسسية والفردية لإحياء هذا الفن المصري الصميم، المعرض للتقلص والاندثار، من خلال مسابقات اكتشاف شباب المبتهلين التي أطلقتها وزارة الثقافة في ربوع المحافظات المختلفة.

ويتولى التحكيم فيها نخبة من المثقفين ورجال الدين، ومسابقات شبيهة نظمتها بعض الهيئات للمنشدين الشباب وحتى الأطفال كان لهم نصيب. كذلك تلك الخيام والقاعات المخصصة للأنشطة الرمضانية “أهلًا رمضان” وللإنشاد الديني، والتي تفسح مجالًا للأجيال الجديدة، والمواهب الفردية، أملًا في ارتقاء المستوى، وإرضاء للجمهور المتعطّش إلى الابتهالات والتواشيح والأذكار.

وتشهد بعض المساجد العريقة، على رأسها الحسين، على مدار رمضان الجاري تسابيح وابتهالات يومية قبيل الفجر، بأصوات منشدين من الجيل الحالي، ويستمتع بها المصلّون في أثناء إنشادها داخل المسجد، ويجري بثها في وقت لاحق كفيديوهات على “اليوتيوب”.

من المنشدين الذين ابتهلوا في رمضان الجاري: محمود هلال، جمال السيد حسين، رفيق النكلاوي، علي الزاوي، طارق عبدالرحمن، وتنوّعت ابتهالاتهم بين الجديد الخاص بهم، والابتهالات القديمة المعروفة.

أوضح المؤدي والموسيقي وائل الفشني، المنتمي إلى عائلة قارئ القرآن والمنشد المعروف الراحل الشيخ طه الفشني، أنه كواحد من الأجيال الشابة حريص على الاهتمام بالفنون الشعبية والتراثيات الدينية، وعلى رأسها الابتهالات والأدعية، وكذلك الإشراقات التصوفية والمواويل الصعيدية التي تتغنى بالأخلاقيات الحميدة.

وأشار الفشني لـ“العرب” إلى أن الاهتمام بالموروث الديني والشعبي لا يعني تقليده، وإنما يجب تطويره، من حيث الموسيقى والإيقاعات، والاستفادة من التقنيات الجديدة والوافدة كما في الإيقاعات الأفريقية مثلًا وموسيقى الجاز وغيرها.

وقال “إقبال فئات من الجمهور على الإنشاد الديني والابتهالات والفنون التراثية الأصيلة دليل على أن ذائقة المتلقي لا تزال سليمة، ولم تتلوث كما يُشاع، وعلى الفنانين الجدد تلبية احتياجات هذه الطائفة من المستمعين من محبي الفنون الرفيعة”.

مستقبل الابتهالات

حركات التصوف أسهمت في توظيف الموسيقى والغناء دينيّا
حركات التصوف أسهمت في توظيف الموسيقى والغناء دينيّا

يرتهن مستقبل فنون الابتهالات بالإبداع الموسيقي في المقام الأول، فكلمات الأدعية والأذكار متوفرة، كما يمكن التعاطي مع نصوص قديمة قيّمة وذائعة، كذلك فإن أصوات المنشدين الحاليين مبشرة للغاية، والدليل على تفوق هؤلاء الشباب إجادتهم في تأدية الابتهالات القديمة على نحو لائق، لكن التراجع الموسيقي العام هو السبب الأول وراء تراجع فنون الإنشاد.

تأتي علاقة الموسيقى بفنون الإنشاد ذات طابع ثنائي تبادلي، فمن جهة فقد تشرّب كبار الموسيقيين الأنغام الكامنة في التواشيح والإنشاد الصوفي واستلهموها في تغذية حسهم الموسيقي والفني، وتجلى ذلك لدى “الشيوخ” سيد درويش وسلامة حجازي وزكريا أحمد وأبوالعلا محمد وغيرهم من الموسيقيين من أصحاب التعليم الديني، وكذلك لدى محمد عبدالوهاب وبليغ حمدي اللذين هضما التراث الديني وعايشا حلقات الذكر والإنشاد في صغرهما.

وتطورت فنون الإنشاد الديني بشكل كبير على أيدي الموسيقيين، الذين حركوا أسلوب الإنشاد والذكر خارج الدائرة الساكنة النمطية، بتنويعات نغمية وإيقاعية حية، نابعة من التراث الشعبي في القرى والأحياء التاريخية العتيقة، فتحولت الابتهالات إلى فن متكامل مهندَس يعتمد الكلمة والصوت والنغم والإيقاع والتوزيع، وليس مجرد أشعار يتلوها المنشد مرتجلًا.

أصبح الاندماج بين الموسيقى وفنون الإنشاد مسألة طبيعية، فالموسيقى مقترنة بطقوس التعبد في الأديان المختلفة، كالموسيقى الكنسية والأجراس على سبيل المثال، وتنغيم “الأذان” في المساجد الإسلامية، والموسيقى هي “غذاء الروح” وذلك الفن المصاحب للصلوات والأدعية من أجل التطهّر وتعرية النفس والتقرب إلى الخالق والتعبير عن الحرية والاستغناء.

تراث مشترك

أسهمت حركات التصوف في توظيف الموسيقى والغناء دينيًّا على نحو موسع، وصار للموسيقى حضور متجذر في الموروث الديني الإنساني، خصوصًا في مصر والعراق
والهند واليونان ودول الحضارات القديمة.

ويحفل سجل الابتهالات الدينية المصرية بالأسماء والتجارب اللافتة، التي حققت انتشارًا على الصعيد العربي أيضًا، ولعل أبرز التجارب في هذا المضمار هي تجربة الثنائي: الموسيقار بليغ حمدي، والمنشد الشيخ سيد النقشبندي، الملقب بأستاذ المداحين، وقيثارة السماء، والذي تعلم الإنشاد الديني في حلقات الذكر بين مريدي الطريقة النقشبندية الصوفية.

وذكر بعض النقاد أنهما تعاونا بناء على طلب من الرئيس المصري الراحل أنور السادات، حيث قال “عاوز (أريد) أسمع الشيخ النقشبندي مع بليغ”، ومن ثم جاءت روائعهما المشتركة، ومنها: “مولاي إني ببابك قد بسطت يدي.. من لي ألوذ به إلاك يا سندي”، و”ماشي في نور الله”.

وقدم الشيخ نصرالدين طوبار وجبات مشبعة من الابتهالات والتواشيح ا دينية تفيض بالصفاء الروحاني وتشعل أوتار القلوب خشوعًا، منها: “يا بارئ الكون”، “من ذا الذي بجماله حلاك”، “كل القلوب إلى الحبيب تميل”، وغيرها. وأبدع الشيخ محمد الطوخي في الابتهالات والتواشيح بأسلوب خاص يعود إلى إتقانه قواعد اللغة العربية وإلقاء القصائد الشعرية بطريقة سلسلة محببة.

في رمضان الجاري، جاء انتعاش الابتهالات والأدعية والإنشاد الديني في مصر بوجهين أساسيين؛ الأول استعادي والثاني ابتكاري

وتميز الشيخ طه الفشني “ملك العذوبة” بحساسية الصوت وحلاوة الأداء وحسن استخدام المقامات والأنغام الموسيقية. وقدم محمد الكحلاوي “مداح الرسول” تراثًا ثريًّا في الإنشاد والغناء الديني الشعبي والمديح النبوي، ومن أعماله الشهيرة “لأجل النبي” و“خليك مع الله” و”الملحمة النبوية”.

يعيد البعض من الباحثين تميز فنون الإنشاد والابتهالات في مصر إلى ما قبل الإسلام، في العصور الفرعونية، حيث كان المنشدون والعازفون يلتقون في احتفالات الآلهة آمون، ورع، وإيزيس، ويقدمون ابتهالاتهم وتضرعاتهم بحضور فرق ومجموعات موسيقية، وثمة برديات تثبت نصوصًا تفيد بتلك الحفلات الابتهالية، التي تمثل تراثًا دينيًّا وفنيًّا في آن.

وصف المايسترو هشام جبر، الحاصل على وسام “فارس” في الفنون والآداب من الجمهورية الفرنسية، ما يبدو الآن كأزمة أنه “أمر طارئ عارض”، فالموسيقى المصرية التي تعود إلى الفراعنة والتي ساعدت أوزيريس في نشر الحضارة حول العالم قادرة بلا شك على استلهام الموروث الديني وتطويره، وتعميق التواصل الحضاري والإنساني والمشترك الثقافي بين الشعوب، ويتأتى ذلك من خلال الانفتاح على التيارات والاتجاهات الحديثة والوافدة، مع عدم التخلي عن الجذور الشعبية والموروث الأصيل.

13