الاب باولو المقيم في القلوب

الجمعة 2013/10/18
"باولو" ربط بذكاء بين دوره الدينيّ ورسالته الإعلاميّة

خلّف الطغيان في الساحة السوريّة انعدام ثقة تعمّم بالتقادم، وما أذكى نيران التشكيك الدائم هو بؤس واقع الحال الذي أفرز انقساماً في مختلف الجوانب، بحيث قلّما نعثر على شخصيّة تكون محطّ تقدير مختلف الأطراف وإجماعهم. ومن أبرز من يمكن تذكّرهم والاستشهاد بهم في الساحة السوريّة، هو الأب باولو داليلو الكاتب والمثقف والروحاني الذي تفانى في سبيل أداء رسالته الإنسانيّة الحضاريّة. وأصبح الشخصية الأكثر احترماً وتقديراً.

انخرط الأب داليلو في صلب حياة السوريّين في الداخل والخارج، وذلك من خلال برنامجه "إقامة مؤقّتة" الذي قدّمه على قناة أورينت نيوز، والذي سعى فيه إلى مقاربة أحوال السوريّين في عدد من المناطق التي يقيمون فيها، سواء تلك التي لجؤوا إليها، أو التي ما يزالون فيها، وتناول المواضيع التي تهمّ السوريّين. إذ انتقل من مكان إلى آخر، يزور اللاجئين، يستطلع أحوالهم، وحاملاً همّ السوريّ ومستعرضاً جوانب المعاناة التي يتعرّض لها، سواء في بلده أو في بلدان اللجوء والنزوح.

الأب داليلو بدا مقدّماً مختلفاً عن غيره من الإعلاميّين، ذلك أنّ دوره كرجل دين يخوض غمار الإعلام، جاء إكمالاً لدعوته ومناصرته للشعب السوريّ، ما أضفى على برنامجه تميّزاً، ولاسيّما أنّه خاض في قضايا إشكاليّة، استعرض مختلف وجهات النظر، دون أن يفرض خطوطاً حمراء، متمسّكاً بالدعوة إلى التسامح والتآخي والتسامي، برغم إدراكه للشروخ العميقة التي تخلّفها ممارسات النظام على الأرض على نفسيّات الناس.

لم يكتفِ الأب باولو بطرح الأسئلة فقط، بل كان يبدي وجهات نظره في المواضيع التي يطرحها، مشكّلاً من خلالها بوصلة للتوجّه ونقطة للتوافق، مهيّئاً أرضيّة لحوار برنامجه، بحيث أنّ صدى كلماته يتردّد على ألسنة الضيوف، باعتباره مستعرضاً لخريطة الآراء وتبايناتها، ومحاولاً الجمع بينها، ليكون برنامجه مبشّراً بالقادم ومحذرا من المخاطر في الوقت نفسه.

تنقّل الأب باولو بين المناطق، والمواضيع، وكأنّه يتحرّك في حقول ألغام مجتمعيّة، محاولاً تقريب وجهات النظر، بعيداً عن السطحيّة والتبسيط، متعمّقاً في ما يشغل الناس من مجريات ووقائع.

وهو ربط في برنامجه بذكاء بين دوره الدينيّ ورسالته الإعلاميّة، بحيث يضفي على الإعلام قيمة مضاعفة، دون أن ينزلق إلى شراك الأحاديّة، ومن هنا تجلّى كنموذج للحالة المنشودة لتقديم التعايش في بلد مثخّن بجراحه.

اليوم، طالت إقامة صاحب "إقامة مؤقّتة" في غياهب عتمة خاطفيه. الأب باولو الذي حرص على التدخّل لحلّ الإشكاليّات المستعصية، يتحوّل تغييبه إلى إشكاليّة، لأنّه يبدو مهدّداً، بسلوكه اللاعنفيّ ودعواته السلميّة، لأولئك الذين يزعمون تمثيل الله ويحتكرون كلّ شيء.

اليوم، يستمرّ اختطاف الأب باولو الذي يشكّل رمزاً للاعتدال والتآخي، وهو الذي نذر نفسه لرسالته السامية، يبقى المقيم دوماً في قلوب محبيه. لا يمكن لأيّ سلطة ظلامية حجب الأنوار التي سعى ويسعى الأب باولو إلى تعميمها، لأنّه تسلّح بالفكر في مواجهة عتمة الجهل الخانقة ولؤم الطغيان المدمّر، وشتّان بين النور والظلام..!

14