"الاب تاون" مجمع ترفيهي وسط دمشق وحرب على أطرافها

الجمعة 2014/09/19
مشروع دمر الهادئة الفاخرة التي لم يطالها النزاع بشتى أنواعه في سوريا

دمشق وتحديدا منطقة مشروع دمر الهادئة والفاخرة والتي لم يطالها النزاع بشتى أنواعه في سوريا، ومنذ فترة ليست ببعيدة تم افتتاح مجمع ترفيهي “الاب تاون” على أرض مدينة الفيحاء الرياضية.

قدرت مساحة المشروع بستة وثلاثين دونما وبلغت كلفته المالية ستة مليارات سورية تقريبا. يضم المجمع ملاعب لكرتي القدم والسلة، وصالات لألعاب البولينغ والرماية والكاراتيه والتايكواندو والملاكمة، وأكاديمية رياضية لرعاية الموهوبين، ومسابح ومراكز للمعالجة الفيزيائية. كما يضم منشآت اجتماعية تتضمن سبعة مطاعم وصالات للأفراح والمناسبات، وأسواقا تجارية وأخرى ثقافية وترفيهية تتضمن مسرحا وصالة سينما تساعية الأبعاد، وقاعات اجتماعات ومدينة ملاه مختلفة المستويات، ومدينة ألعاب إلكترونية، بينما على الطرف الآخر من مدينة دمشق، وتحديدا الغوطتين الشرقية والغربية والمنطقة الجنوبية، ومنذ فترة بعيدة تدور حرب شرسة قوامها القصف وإلقاء الصواريخ والبراميل المتفجرة وتدمير البيوت والشجر والحجر، وحصار مفروض على أهالي تلك المناطق، وأطفال بحاجة إلى الحليب واللقاح.

هذا التناقض المفروض على مسمع ومرأى من يسكن مدينة دمشق، يؤدي به إلى حالة من التشتت الذهني والصراع النفسي الناتج عن عدم قدرة المرء على استيعاب مثل هكذا تصرف، ففي نفس المدينة التي بني فيها هذا المجمّع هناك حرب على أطرافها يرحل يوميا جراءها عشرات الشهداء الأبرياء! ولا يتوقف الأمر هنا، فمدينة دمشق أصبحت تحتوي مئات الآلاف من النازحين القادمين من تلك المناطق “الغوطتين والمنطقة الجنوبية”، جاؤوا هذه المدينة هاربين من الموت بشتى وسائله طالبين توفير الحماية لأطفالهم، ليجدوا أنفسهم في مكان لا يبعد سوى كيلومترات عن مناطقهم تقام فيه المجمعات الترفيهية والصالات الرياضية والمطاعم الفاخرة وتحت رعاية الحكومة التي تشرف على تلك الحرب الدائرة على أطراف المدينة.

وتتعدى المسألة حدودها عندما تسمع تصريحات الحكومة عند افتتاح هذا المجمع بعبارات ليست أقل أثرا من تلك الآلة التي تقصف، مثل “هذا نتاج إرادة السوريين وتصميمهم على إعادة بناء بلدهم!” ولكن هل إعادة البناء تبدأ بإعمار مجمع ضخم باهظ التكاليف؟ أليس من الأحرى بهؤلاء السوريين أن يعيدوا بناء جوبر التي أصبحت تحت الأرض أو بناء داريا التي سويت بالأرض تماما، أو تفعيل المنشآت والمجمعات والبيوت في منطقة المليحة والتي استهدفت بـ800 غارة جوية؟؟

مدينة دمشق أصبحت تحتوي مئات الآلاف من النازحين الذين جاؤوا هاربين من الموت بشتى وسائله طالبين توفير الحماية لأطفالهم

وتسمع عبارة أخرى كـ “تشجيع السياحة الشعبية” من الحلقي الذي افتتح المشروع، لكن من الشعب المقصود والذي سوف ينتمي إلى هذه السياحة؟ هل المقصود سكان مخيم اليرموك والقابعين تحت حصار خانق منذ أكثر من 400 يوم، أم أطفال دوما الذين نراهم يموتون يوميا والقابعين تحت وطأة البراميل المتفجرة، أم المقصود شباب الغوطة الذين حكم عليهم لمجرد وجود كلمة غوطة على بطاقتهم الشخصية الإهانة والشتم والاعتقال من قبل عناصر النظام المتواجدين على الحواجز ضمن مدينة دمشق؟!

وعند تجاوز هذه الأمور إن كان بالمقدور، ترى سكان منطقة المشروع أنفسهم والذين لم يذوقوا بعد من ويلات الحرب شيئا والمعروفين برقيهم وغناهم، قد تأثروا سلبا بهذا المجمع واشتكوا منه، وقد رفعوا اعتراضا يعبرون فيه عن استيائهم موضّحين الوضع الذي يعيشونه: صراخ وصفير وأصوات محركات وموسيقى مرافقة متكررة بأصوات عالية جدا، تم وضع مولدات كبيرة دون كواتم صوت لا تحترم التلوث السمعي.

لم يتم دراسة أو بناء مواقف للسيارات مما أدى إلى تحول المنطقة إلى مواقف لسيارات الزائرين، كل الطرقات أصبحت مغلقة من الازدحام الشديد، لم يتم دراسة مخارج نجاة للمشروع في حال حدوث حريق أو أية كارثة علما وأن المجمع يستضيف أكثر من 5000 آلاف زائر يوميا خاصة أيام الخميس والجمعة.

شباب الغوطة حكم عليهم لمجرد وجود كلمة غوطة على بطاقتهم الشخصية بالإهانة والشتم والاعتقال

وفي حال حدوث أي حريق بمشروع دمر لن تتمكن سيارات الإطفاء من الخروج للخدمة من شدة الازدحام حول مركز الإطفاء، الضوضاء الشديدة الصادرة من الملاهي لساعات الليل المتأخرة (الثانية صباحا) دون احترام الجوار أو حرمة المنطقة السكنية أو طالب أو مريض أو شيخ. تم وضع شاخصات مرورية غير مدروسة تخدم فقط المجمع والتي أدت إلى ازدحام إضافي، حيث أصبح الدخول إلى جزيرة كاملة يتطلب المرور بجانب المجمع، هذا ناهيك عن زيادة في ساعات التقنين في الكهرباء والتي كانت بالأصل مدينة دمشق تعاني منها.

هذا جزء مما تعيشه دمشق الآن، وقد أصبح من العسير على الإنسان تحمل هذا الكم من الضغط، ذلك أن الوضع أصبح جنونيا، فالمكان مليء بالتصرفات والسلوكيات الغير أخلاقية والشنيعة بحق النفس والجسد.

21