الاتحاد الأفريقي في امتحان "إيبولا"

الأحد 2014/10/19

هل أتاكم حديث “إيبولا”؟، بكل تأكيد فإن الجميع يدرك خطورة هذا الفيروس القاتل الذي تسبب إلى حد هذه اللحظة في وفاة أكثر من أربعة آلاف وخمسمئة شخص في عدة مناطق مختلفة من العالم، وخاصة في القارة الأفريقية، والحديث عن “إيبولا” يتوجب أيضا الإشارة إلى أن الأبحاث الطبية لم تتوصل بعد إلى إيجاد لقاح فعال وناجع للحد من خطورته وانتشاره الواسع.

لقد ضرب هذا المرض القاتل بقوة، وانتشر بشكل لم يكن أحد يتوقعه، بل إنه أصبح مصدر قلق عالمي بسبب سرعته انتقاله من شخص إلى آخر، إلى درجة أن عدة بلدان باتت تقوم بإجراءات وقائية مشددة على مطاراتها وحدودها، حتى لا يتمكن هذا الفيروس من التسرب.

والدليل على ذلك حالة الاستنفار في بلدان أوروبية عدة على غرار أسبانيا التي أعلنت منذ فترة عن تعرض عدد من مواطنيها للإصابة بهذا الفيروس المعدي، بل ووصل الأمر إلى حالة من الهلع والتأهب من قبل أقوى البلدان في العالم، مثل الولايات المتحدة التي وافقت على استخدام أسبانيا لقواعدها العسكرية من أجل مكافحة تقدم هذا الفيروس القادم من الجنوب.

ورغم أن هذا المرض القاتل لم يتمكن من الولوج إلى البلدان العربية، وخاصة بلدان شمال القارة السمراء التي منها انطلقت العدوى في بعض البلدان مثل السينغال والسيراليوني وليبريا ونيجيريا، فإن خطورة “إيبولا” الذي قد يصنف ضمن الأوبئة المميتة، استوجبت من بعض الحكومات التصرف لتجنب خطورة الفيروس الذي مسّ كل المجالات والميادين، بما في ذلك كرة القدم التي قد تكون الضحية الأولى لهذا المرض الفتاك.

نعم، يمكن لكرة القدم أن تكون ضحية لهذه الآفة، ونتحدث هنا بشكل خاص عن كأس أفريقيا للأمم المقرر تنظيمه في المغرب في مفتتح العام القادم.

الخبر في هذا الموضوع يقول إن السلطات المغربية على لسان وزيري الرياضة والصحة بالمغرب، طالبت بتأجيل البطولة إلى موعد لاحق حتى يتسنى إيجاد الحلول الوقائية للتصدي لخطر تسرب هذا المرض، خاصة وأن البطولة الأفريقية ستشهد تدفقا كبيرا من الأحباء والزوار من مختلف البلدان الأفريقية، ومنها طبعا المصابة بفيروس “إيبولا”.

وقد أعلنت وزارة الرياضة المغربية في أكثر من مناسبة أن المغرب غير مستعد ليكون بوابة انتشار هذا المرض، الذي ينتشر بسرعة كبيرة ما يهدد سلامة كل المشاركين والوافدين، ويهدد بشكل مباشر الأمن الصحي، ليس في المغرب فحسب، بل قد يمتد إلى مختلف الأرجاء بما في ذلك أوروبا، خاصة وأن البطولة تشهد غالبا مشاركة لاعبين ينشطون في الدوريات الأوروبية، وتعرف أيضا توافد أعداد هامة من الجاليات الأفريقية المقيمة في أوروبا.

لقد أرادت السلطات المغربية أن تدق نواقيس الخطر مبكرا، وحاولت دون الدخول في النوايا أن تحمي مصالحها وأمنها الصحي، وأن لا تكون بوابة رئيسية للإسراع في انتشار الوباء، بعد أن كانت تصنف أنها بوابة أفريقيا نحو الشمال.

وقد تمت محادثة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “الكاف” من أجل تأجيل موعد البطولة، واختيار زمن وموعد مناسبين لضمان عدم وجود تهديد فعلي لانتشار رقعة الإصابة بهذا الفيروس.

غير أن موقف “الكاف” كان متشنجا وسلبيا إلى حد كبير، إذ رفض في البدء مبدأ مناقشة الموضوع، بل وهدد بنقل مكان البطولة إلى مكان آخر، إذا استمرت السلطات المغربية في التشبث بموقفها الداعي إلى البحث عن سبل للخروج من الأزمة المنتظرة.

والأكثر من ذلك أن الاتحاد الأفريقي اتصل فعلا ببعض الاتحادات المحلية لكرة القدم، على غرار اتحادات جنوب أفريقيا ومصر والغابون وزمبابوي وغانا من أجل منحها شرف تنظيم البطولة، إذا تمسكت السلطات المغربية بتأجيل موعد البطولة الأفريقية.

ولئن كان موقف السلطات المغربية مبنيا على مرتكزات موضوعية تتعلق بالسلامة المحلية والعالمية، فإن التشنج الكبير الذي ميز رد المسؤولين في “الكاف” يدل على عدم جديتهم في التعامل مع خطر “الموت القادم من الجنوب”.

لقد تخوف الاتحاد الأفريقي من تبعات خسارة مادية، إذا تم تأجيل البطولة أو إلغاؤها، خاصة وأنه مرتبط بعقود إشهار ونقل حصري لوقائع منافسات البطولة، وهي خسارة قد تكون كبيرة جدا، بما أن الشركات الراعية والتي ترتبط بعقود شراكة مع الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، ستطالب بتعويضات كبيرة في صورة حدوث تغيير على موعد البطولة.

ربما يمكن أن نتفهم نسبيا موقف “الكاف”، ولكن أليس من الأجدى أيضا التفكير في مخاطر المجازفة بتنظيم الحدث القاري، دون أخذ احتياطات جدية لمواجهة خطر “إيبولا”، الذي أصبح حاليا الشغل الشاغل لعدة دول في مختلف أرجاء العالم؟فهل يمكن أن تقاس الخسارة المادية بخسارة الأرواح؟

نعتقد حاليا أن موقف “الكاف” بدأ يلين نسبيا، والدليل على ذلك أن هذا الهيكل سيرسل وفدا رفيع المستوى إلى المغرب في بداية الشهر المقبل، من أجل مناقشة هذا الموضوع، خاصة وأن أغلب البلدان التي تم عرض فكرة تعويضها للمغرب في تنظيم البطولة، تمنعت ولم تبد أي تحمس كي تصبح بؤرة جديدة لنقل هذا الفيروس.

كل هذه المعطيات تفرض على الاتحاد الأفريقي أن يكون على درجة كبيرة من الجدية في التعامل مع “إيبولا”، وهذا الامتحان يمكن اعتباره الأصعب والأهم بالنسبة إلى عيسى حياتو رئيس “الكاف” وجماعته، للتأكيد على أن المصلحة العامة لا تكمن في جمع الأموال وتكديسها، بقدر ما هي وعي بمدى خطورة هذا الوباء القاتل الذي ينتشر بسرعة فائقة ويهدد أرواح ملايين البشر.

ربما يكون اجتماع بداية الشهر المقبل في المغرب حاسما وفعالا، لإيجاد الحل الكفيل الذي يضمن المحافظة على موعد البطولة ومكانه المحدد سلفا من جهة، ويوفر الحلول الناجعة لمكافحة تسرّب هذا المرض القاتل.

ومما لا شك فيه أن الاتحاد الأفريقي مطالب بمساعدة المغرب على اتخاذ كافة التدابير الوقائية التي تحميه، وتحمي كل الوافدين زمن البطولة، إذا قدّر لها أن تقام في المغرب بداية العام الجديد.

23