الاتحاد الأفريقي يخفض سرعة تدويل أزمة سد النهضة

بعض الدوائر المصرية تخشى أن تكون الانحناءة الإثيوبية مؤقتة، أو بغرض تجاوز الضغوط التي تعرض لها رئيس الوزراء آبي أحمد.
الأحد 2020/06/28
معركة تنموية

أعلنت القاهرة التوافق في القمة الأفريقية المصغرة، الجمعة، على تشكيل لجنة خبراء مصرية سودانية إثيوبية، لبلورة اتفاق ملزم حول سد النهضة، مع تأجيل ملء السد حتى بلورة الاتفاق. ويعكس الاتفاق نجاح الاتحاد الأفريقي في لجم فتيل الخلاف بين الدول الثلاث وثني أديس أبابا عن التصعيد في الملف عبر إجراءات أحادية الجانب.

القاهرة - نجحت القمة المصغرة التي عقدتها دولة جنوب أفريقيا، كرئيسة للاتحاد الأفريقي، الجمعة، مع الرئيس المصري ورئيسي وزراء السودان وإثيوبيا، في نزع فتيل أزمة محتدمة بين الدول الثلاث، حيث أقرت القمة التي حضرها الأعضاء بهيئة مكتب رئاسة الاتحاد الأفريقي بوجوب التوصل إلى اتفاق ملزم قبل الشروع في ملء خزان سد النهضة، في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.

تستلزم هذه الخطوة المهمة إرسال خطاب إلى مجلس الأمن، باعتباره الجهة الدولية ذات الصلاحية، ليأخذه في الحسبان عند انعقاد جلسته لمناقشة قضية سد النهضة الاثنين، عقب تقدم مصر بمذكرة تفصيلية حول تطورات المفاوضات طالبت فيها المجلس بالتدخل وإيجاد حل حفاظا على الأمن والاستقرار الإقليمي، وأعقبها قيام إثيوبيا والسودان بتقديم كل منهما مذكرة تعبر عن وجهة نظر كليهما.

وتمكن رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوسا خلال القمة التي عقدت بالفيديو كونفرانس، من تحقيق اختراق صعب، بعد أن أعلنت إثيوبيا عزمها ملء خزان السد في شهر يوليو المقبل دون توقيع اتفاق يحدد أطر الملء ومعايير وضوابط التشغيل، ودخلت في مناوشات ساخنة مع مصر التي صممت على التوصل لاتفاق أولا، وانضمت إليها السودان في هذه الرؤية ونقلتها الأخيرة إلى مجلس الأمن، وحددت فيها جوانب عديدة من المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها البلاد حال الملء والتشغيل بدون اتفاق مسبق.

ويعكس التراجع الإثيوبي عمق الضغوط الإقليمية والدولية التي تعرضت لها أديس أبابا خلال الأيام الماضية، ومحاولات ثنيها عن تبني تصرفات أحادية، ويؤكد صواب التحركات التي سلكتها الدبلوماسية المصرية وتحلت فيها بدرجة عالية من ضبط النفس، وتعززت بموقف السودان الذي أدرك أخيرا وجود مخاطر يحملها السد عليه، من هنا بدأت تشعر إثيوبيا أنها تتصرف وكأنها تضرب عرض الحائط بالأعراف والقوانين الدولية، وأن التصميم على المضي قدما في خطواتها يمكن أن يعرضها لمشكلات سياسية واقتصادية.

كان من المفيد أن يأتي الحل من جانب الاتحاد الأفريقي، كجهة طالبت بتدخلها مرارا إثيوبيا، وقبلت بها مصر والسودان، بل رحبتا بحضوره في الجولة الأخيرة كجهة مراقبة، كما أن الرئيس رامابوسا لعب دورا في تقريب وجهات النظر، وأجرى اتصالات عديدة بقيادات الدول الثلاث قبيل عقد القمة، حرص فيها على الاطلاع والإلمام بتفاصيل الأزمة، ما مكنه من إقناع إثيوبيا بضرورة الاتفاق، لأنها سوف تقر سابقة في قضايا المياه قد تجر الكثير من المشكلات في القارة.

سهلت القمة الأفريقية المصغرة مهمة مجلس الأمن، فقد كان أحد الخيارات المبدئية التي سيطرحها هو دعوة الأطراف الثلاثة إلى العودة للمفاوضات سريعا، كما أثبتت إثيوبيا أنها غير ممانعة في ذلك، بعد فترة تصعيد سياسي أخذ مناحي حادة لا تتناسب مع طبيعة الخطاب المصري والسوداني، حيث بدا كلاهما أميل إلى التفاهم والحرص على توقيع اتفاق والرغبة العارمة في تغليب الحلول الرضائية.

وتخشى بعض الدوائر المصرية أن تكون الانحناءة الإثيوبية مؤقتة، أو بغرض تجاوز الضغوط التي تعرض لها رئيس الوزراء آبي أحمد، وعندما تهدأ العواصف يحاول إيجاد مبررات تساعده على التنصل من الالتزام الذي أعلنه أمام القمة المصغرة، اتساقا مع مواقف بلاده في جولات سابقة.

وكلما توشك جولة على تخطي حزمة من العقبات تعقبها إثيوبيا بتقديم ذرائع تمكنها من التنصل ورفض الاستمرار في التفاوض، حدث ذلك في جولة واشنطن المباشرة خلال الفترة من نوفمبر إلى فبراير الماضيين، والجولة الأخيرة التي عقدت بوساطة سودانية خلال الفترة من 19 مايو إلى 17 يونيو، وبعدها لجأت القاهرة إلى مجلس الأمن، وأخذت القضية مسارا يجعل كل الخيارات مفتوحة.

جنوب أفريقيا تحاول نزع فتيل الخلاف بين مصر والسودان وإثيوبيا
جنوب أفريقيا تحاول نزع فتيل الخلاف بين مصر والسودان وإثيوبيا

وتعتقد دوائر مراقبة أن الموقف الإثيوبي سوف يتضرر كثيرا، إذا لم يتمكن من التوصل إلى اتفاق، خاصة أن النسبة التي جرى التفاهم حولها سابقا تصل إلى 90 في المئة من القضايا الخلافية، والجزء المتبقي يتعلق بالنواحي القانونية، وهو ما تعمل عليه لجنة فنية مكونة من الدول الثلاث، في وجود رقابة إقليمية ودولية، كي يتسنى منع أي طرف من التهرب من التزاماته، ما يضع على عاتق أديس أبابا حملا ثقيلا، حيث صعدت إلى الحافة في التصعيد ولم تقدم التفسيرات اللازمة لتبرير الهبوط.

وقد تصبح أفرقة الأزمة كلمة السر أو المفتاح للقيادة الإثيوبية، وتستطيع أن توحي للمواطنين بقدرتها على تفشيل خطط مصر في تدويل الأزمة أو الاستعانة بقوى كبرى مثل الولايات المتحدة.

ولجأت أديس أبابا لجماعات ضغط موالية لها في واشنطن مؤخرا في شن حملة شديدة ضد الرئيس دونالد ترامب واتهامه بالعنصرية في اضطهاد السود، مستفيدة من حادث مصرع الزنجي جورج فلويد على يد ضابط شرطة، في إظهار انحيازه ضد إثيوبيا وميله ناحية مصر، وبالتالي التشكيك في نزاهته السياسية. كما يمثل وضع الأزمة في عهدة الاتحاد الأفريقي نصرا أو مخرجا جيدا لأديس أبابا في هذه المرحلة التي جرى فيها تسويق الأمر بالداخل على أن الحكومة أحرزت هدفا في مرمى القاهرة كجهة سعت للتدويل وتجاوز الخط الأفريقي.

وراهنت الحكومة المصرية على نظرية “ورطة الدجاجة” المعروفة في العلوم السياسية، والتي أشار إليها الخبير في الشؤون الأفريقية حمدي عبدالرحمن في تفسيره للتصعيد السياسي الحاد بين القاهرة وأديس أبابا، وما يمكن أن يسفر عنه، عندما بدت القضية تخرج عن سياقها المعتاد، وتسلك طريقا بعيدا عن المفاوضات، قد يصل إلى الصدام.

وتقوم النظرية على سباق محموم بين سيارتين تسيران بأقصى سرعة وفي اتجاهين متقابلين، إذا لم تنحرف أي منهما عن مسار الأخرى ستتعرضان معا للصدام، وبالتالي تهشم السيارتين في إشارة إلى خسارة الطرفين، وإذا انحنت مصر أو انحرفت عن المسار الرئيس وأبطأت السرعة فمعناه قبولها برؤية إثيوبيا الرامية إلى الإقرار بالأمر الواقع، والعكس صحيح، إذا أبطأت إثيوبيا سرعتها تربح مصر.

وتشير النتيجة التي تمخضت عنها القمة المصغرة إلى الابتعاد عن الصدام، واللجوء إلى انحراف سلمي محسوب بين السيارتين بهدف تفادي الخسارة الجماعية، وهو ما يتسق أيضا مع معضلة الدجاجة التي وضعت خيارا رابعا يتمثل في توقيف سرعة السيارة في توقيت واحد، يمنع تكبد أي دولة خسائر باهظة، ويساعد كثيرا في التفاهم بين الطرفين وفقا لقاعدة “لا غالب ولا مغلوب”. هذه هي النتيجة الوحيدة التي يمكن قبولها في حالة سد النهضة، ولم تمانع كل من مصر والسودان في ذلك، غير أن إثيوبيا حاولت تقديم الأزمة على أنها معادلة صفرية، مكاسب دولة تعني خسارة للأخرى، بعد أن ربطتها بأزماتها الداخلية، وقدمت السد على أنه معركة مصيرية ترتبط بالكرامة الوطنية، بينما في الأصل هو معركة تنموية لم تنكرها القاهرة والخرطوم، فقط أرادتا وضعها في الأطر الصحيحة التي تمنع وقوع أضرار على أي طرف، لأن المياه بالنسبة لهما مصدر “حياة أو موت”.

لا يعني احتضان الأزمة من قبل الاتحاد الأفريقي سحبها فورا من مجلس الأمن، لأن الخبرات التي عرفتها مصر من التفاوض مع إثيوبيا تفرض عليها التمسك بالورقتين، إذا أخفقت الدائرة الأفريقية يظل مجلس الأمن ملاذا للقاهرة التي عززت موقفها بتضامن غير مباشر من جانب الخرطوم، ما يفرض على كل طرف التعامل بمسؤولية ووفقا لقواعد إقليمية ودولية ويتحمل من يخرقها العواقب، فقد تراجع هامش المناورات.

2