الاتحاد الأوروبي: فرقة عازفي تيتانيك أم قارب نجاة أعضائه

يثير استطلاع للرأي تقوم به صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية الانتباه إلى النقاش في مسألة الاتحاد الأوروبي والتكهن حول بقائه أو زواله تحت وقع الهجمات الإرهابية التي تهز عواصمه ومدنه بين الحين والآخر. فقد كان موضوع الاستطلاع يدور حول ضرورة إعادة المنظومات الأمنية بين فرنسا وبلجيكا بشكل يعطل اتفاقية التنقل الحر بين البلدين في إطار “شنغن”. وخلال أربعة أيام من بداية هذا الاستطلاع، وصلت الآراء الموافقة على إعادة المنظومات الأمنية إلى الشكل الذي كانت عليه قبل شنغن إلى مستوى يفوق رافضي هذا المقترح.
الثلاثاء 2016/03/29
وحدة أوروبية ضد الإرهاب

لا يعكس تساؤل الصحيفة الفرنسية عن ضرورة اتخاذ إجراءات أمنية تحد من الحريات المنصوص عليها في اتفاقيات الاتحاد الأوروبي اتجاها سياسيا آنيا في اتخاذ هذا الإجراء، بقدر ما يعكس مخاوف حقيقية للأوروبيين من أن يكون الإطار الأوروبي الموحد عاملا لتسهيل تخطيط وتنفيذ عمليات إرهابية وفتح الطرق أمام تواصل الخلايا الإرهابية في ما بينها في الدول الأوروبية. ولكن في الوجه المقابل لهذه المخاوف التي يعبر عنها قطاع واسع من الرأي العام الأوروبي، تقف العديد من القوى والتيارات السياسية (منها من في السلطة أو في المعارضة) في صف المتشبثين بالإبقاء على الوحدة الأوروبية، بل وتطويرها في سياق ضمان دخول بريطانيا إلى الاتحاد.

ليست فقط صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية هي التي تطرح ضمن أسئلتها الجدوى من الاتحاد الأوروبي في الظرف الأمني الصعب الذي يمر به العالم جراء الإرهاب، إذ سبق وأن صرح رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي قائلا "الاتحاد الأوروبي مثل الأوركسترا الذي كان يعزف في تيتانيك" وطالب المسؤولين الأوروبيين بإعادة التركيز على تعزيز النمو والوظائف "بدلا من هذا النهج البيروقراطي الخطأ". كما تساءلت العديد من القوى السياسية في بريطانيا عن مصلحة بريطانيا في البقاء في هذا الاتحاد في سياق التهديد الذي يمثله ذلك على المستوى الأمني والاجتماعي الداخلي في بريطانيا.

وقد أكد الباحث في مركز الدراسات الأوروبية التابع لجامعة باريس جاك نيكوف، أن الأمر المتعلق ببريطانيا والاتحاد الأوروبي أشبه بما كانت عليه الوضعية أيام الرئيس الفرنسي شارل دي غول، حيث كانت بريطانيا في أواخر الستينات متحمسة لتطوير ما كان يسمى السوق الأوروبية المشتركة بينما كان دي غول مترددا خوفا من الاضطرابات الأمنية والاجتماعية في فرنسا التي كانت تعاني أزمة اجتماعية حادة في تلك الفترة.

العديد من القادة الأوروبيين ينبهون إلى أنه إذا سقطت اتفاقية شنغن فسيسقط الإنجاز الأكبر للاتحاد الأوروبي

وفي الطرف المقابل، يوجد الرأي النقيض لوجهة النظر القائلة إن الاتحاد الأوروبي يجب أن ينتهي لكي تكون هناك محاربة أفضل للإرهاب، وهو الرأي الذي تقوده تيارات سياسية هامة (خاصة يسارية أو ديمقراطية اجتماعية) تحكم في دول محورية داخل الاتحاد، فبعد أن أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في أكثر من مناسبة أن “الاتحاد الأوروبي خط أحمر”، فإن فرانسوا هولاند الرئيس الفرنسي يعتبر مجرد الحديث عن إنهاء الإطار الموحد لأوروبا “أمرا كارثيا”. هذا إلى جانب وجود تيارات الخضر والأحزاب اليسارية الراديكالية وقسم واسع من المجتمع المدني وغيرهم.

وقد خلق هذا الجدل نوعا من الاصطفاف بين قسمين كبيرين في الرأي العام الأوروبي، فالقول بضرورة إعادة النظر في شكل الاتحاد الأوروبي القائم ومراجعة الاتفاقيات المتعلقة بالتجارة الحرة وحرية تنقل الأفراد ورؤوس الأموال وغيرها، يعد نتيجة لفكرة أن “مقاومة الإرهاب يجب أن تكون ضمن دوائر ضيقة كي تتمكن الدول من حصر الإرهاب داخل مجال جغرافي بعينه”، خاصة بعد أن أثبتت التحقيقات وجود علاقات متينة بين هجمات باريس نوفمبر الماضي وهجمات بروكسل الأخيرة واختباء مشتبه فيهم ذوي صلة بتلك العمليات في بلجيكا. بل وتصل بعض الآراء إلى القول إن “التنقل الحر للأفراد وفق اتفاقية شنغن يساعد على انتشار الإرهاب في كامل أوروبا ولذلك وجبت إعادة النظر في بنود الاتفاقية لصالح أمن الدول”، حسب تصريح مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني الفرنسي.

أما في الوجه المقابل، فإن رؤساء وقيادات حكومية بارزة تستبعد فكرة أن يتفكك الاتحاد الأوروبي وتعود القارة العجوز إلى شكلها خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فتفقد أوروبا أهم إنجاز لها في الفترة الممتدة بين منتصف القرن العشرين وبداية هذا القرن. وقد عبر وزير خارجية لكسمبورغ يلن أسلبورن عن تحذيره من إمكانية حدوث تفكك للاتحاد الأوروبي في ظل الأزمة الأمنية وأزمة اللجوء التي يعيشها الاتحاد، قائلا “إذا سقطت اتفاقية شنغن فسيسقط أيضا الإنجاز الأكبر للاتحاد الأوروبي”.

الرافضون لاستمرار الاتحاد الأوروبي: يتكون هذا الموقف من الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة التي تدافع عن حق الدولة الأوروبية الواحدة في تأمين نفسها من الإرهاب دون الحاجة إلى الاتحاد الأوروبي.

يجب إعادة النظر في الاتحاد الأوروبي لدواع أمنية

الأحزاب اليسارية واليسارية الراديكالية وبعض الأحزاب اليمينية التي تميل إلى الانفتاح هي فقط القوى التي تريد البقاء في الاتحاد الأوروبي اليوم، في حين تسعى قوى سياسية أخرى إلى الخروج من هذا الاتحاد بشكل عاجل لإعادة بناء الداخل بشكل مختلف، وهذا ما عبر عنه حزب استقلال المملكة المتحدة الذي تأسس سنة 1993، وقد بدأ نجمه في الصعود في السنوات الأخيرة بعد إحرازه تقدما لافتا في الانتخابات البريطانية التي أجريت في مايو 2013، حيث فاز بنسبة 23 بالمئة من الأصوات.

حزب استقلال المملكة المتحدة أو الـ”بريكسيت” التي تعني خروج بريطانيا كما يسميه البعض، لم يتمكن من نسبة أصوات مرتفعة ومفاجئة فقط في الانتخابات، بل إن انتصاره السياسي ذاك ضاعف من الضغوط على الحكومة البريطانية وعلى المحافظين في التفكير الجدي في الخروج من الاتحاد الأوروبي لأسباب تخص الأمن وحماية الحدود وغيرهما، حتى أن رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون وعد بأن يقوم بتنظيم استفتاء عام حول بقاء بريطانيا أو خروجها من الاتحاد الأوروبي في حال انتخابه، وقد أجرى الاستفتاء في يناير 2013 وكانت نتائجه لصاح الخروج بنسبة 40 بالمئة مقابل 37 بالمئة مع البقاء و23 بالمئة من المترددين.

ورغم أن ردود ديفيد كاميرون عن محاولات عدد من الأحزاب والشخصيات والبرلمانيين الترويج لفكرة ترك الاتحاد الأوروبي مقنعة، إلا أن الفكرة أصبحت مزروعة أكثر في المؤسسات البريطانية، خاصة خطاب الملكة إليزابيث الثانية أمام البرلمان الذي اقترحت فيه مشروع قانون لتنظيم استفتاء آخر سنة 2017 لمعرفة ما إذا كان البريطانيون سيبقون أم سينسحبون.

ويعتبر الهاجس الأمني والتخوف من تسرب إرهابيين إلى بريطانيا عبر اتفاقية شنغن، في صورة ما التحقت بريطانيا بالاتحاد، السبب الأول والرئيسي لتردد بريطانيا اليوم في اتخاذ موقف واضح من الانضمام أو عدم الانضمام إلى الإطار الأوروبي الموحد، ويأتي ذلك تحت ضغوط أميركية متزايدة على كاميرون للبقاء في الاتحاد وتعزيز الاتفاقيات الوحدوية معه نظرا لحرص بريطانيا على رعاية مصالح أميركا في الاتحاد.

هناك مساع لتحالف يميني أوروبي واسع يدفع في اتجاه التخلي عن الوحدة الأوروبية لصالح الاستقلال التام

وفي سياق الدعوات لإعادة النظر في اتفاقيات الاتحاد الأوروبي، تأخذ الأحزاب اليمينية، في فرنسا المدة الأخيرة، منحى جديدا أكثر حدة وكثافة في الدعاية لفكرة الخروج من الاتحاد. فقد قام باحثون ينتمون إلى الحزب الشعبي الجمهوري الفرنسي ببحث كامل حول نسبة رضاء الفرنسيين على بقاء بلادهم ضمن المجال الأوروبي.

وقد كانت نتائج البحث في صالح خروج فرنسا من هذا الاتحاد للحفاظ على أمن الدول والتركيز على الإرهابيين الموجودين في الدول دون أن تكون لهم فرصة الخروج من دولة إلى أخرى فتضيع التحقيقات وتتشعب الخلايا الإرهابية أكثر. وقد أكد 67 بالمئة من المستجوبين في هذه الدراسة أن الاتحاد الأوروبي أضعف فرنسا ماليا واقتصاديا وهو الآن يضعفها أمنيا.

وفي تساؤل يحمل العديد من المعاني، قالت مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الفرنسية اليميني “هل سيبقى الفرنسيون بعد كل هذا متشبثين بفكرة الاتحاد الأوروبي؟”، مضيفة أنها تعمل الآن ضمن فريق كبير لبحث سبل تحالفات كبرى مع أحزاب تتبنى فكرتها للدفع إلى إعادة النظر في اتفاقيات الاتحاد الأوروبي واتفاقيات التنقل الحر في منطقة شنغن “لما تمثله تلك القوانين من تسهيلات للإرهابيين تسمح لهم بالمرور والاجتماع والتخطيط وتنفيذ العمليات”.

مارين لوبان لا تتكلم لوحدها ضد بقاء دولتها في الاتحاد الأوروبي، فحزب رابطة الشمال الإيطالي وهو حزب يميني يسيطر على أغلب المدن الصناعية في الشمال يسعى إلى فك ارتباط إيطاليا بهذا الاتحاد نظرا للمشكل الذي يمثله المهاجرون غير الشرعيين والإرهابيون اليوم لأوروبا، وتجد دعوات حزب رابطة الشمال أصداء في الشارع الإيطالي الذي ينادي بدوره بإصلاحات عميقة من بينها الخروج من عملة اليورو.

المدافعون عن الاتحاد الأوروبي: الأحزاب اليمينية الوسطية واليسار بمختلف توجهاته وكذلك المحافظون البريطانيون والولايات المتحدة الأميركية يدافعون عن فكرة التنسيق الأوروبي لمكافحة الإرهاب.

الشكل الاتحادي لأوروبا يحميها من الإرهاب والانهيار

حذر وزير خارجية لوكسمبورغ يان أسلبورن من إمكانية حدوث تفكك للاتحاد الأوروبي في ظل أزمتي اللجوء والإرهاب اللتين تواجههما أوروبا حاليا. وأوضح أسلبورن أنه “إذا سقطت اتفاقية شنغن، فسيسقط أيضا الإنجاز الأكبر للاتحاد الأوروبي”. ويكشف هذا التصريح مدى التناقض بين الرأي الداعي إلى الانفصال عن الاتحاد الأوروبي والرأي الذي يتشبث بالاتحاد. فقد ربط أسلبورن تفكك الاتحاد الأوروبي بسقوط أكبر إنجاز قامت به الدول الأعضاء طيلة أكثر من ستين عاما.

وذهب وزير خارجية لوكسمبورغ إلى أبعد من التنبيه لخطورة سقوط تجربة الاتحاد بين الدول الأوروبية، فقد سعى في كلمة ألقاها بمناسبة اجتماع البرلمان الأوروبي إلى الفصل المنهجي بين الاتحاد الأوروبي كمؤسسات واتفاقيات وآليات تكامل بين الدول الأعضاء، وبين أزمات الإرهاب واللاجئين وغيرها من الإشكالات المطروحة على أوروبا اليوم. وفسر ذلك بأن المؤسسات الأمنية المشتركة الأوروبية تقوم بدورها كما هو بل بأكثر قوة واتحاد من ذي قبل “لأن التحديات تزداد تعقيدا”. وحذر في السياق من تفكيك المنظومات الأمنية المشتركة، خاصة في هذه المرحلة التي تتميز بالخطورة والدقة، حسب تصريحه.

وفي إطار الدفاع عن بقاء الاتحاد الأوروبي وبقاء مؤسساته قيد العمل، لم تخل تصريحات فرانسوا هولاند الرئيس الفرنسي من نبرة التحذير من فقدان هذا الاتحاد فجأة في هذه الفترة، تحت وقع حملات اليمين الأوروبي في كل الدول الأعضاء والتي تطالب بالتخلي عن الاتحاد والعودة إلى شكل الدولة المستقلة تماما من ناحية الحماية الذاتية الأمنية والعملة المالية والبرلمان والتشريعات وغيرها. كما لم تتردد الحليفة الاستراتيجية لهولاند المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في توجيه رسائل شديدة إلى التيارات السياسية الألمانية الرافضة لتواصل انضمام ألمانيا، الاقتصاد الأهم في المنظومة الأوروبية، للاتحاد الأوروبي.

ليست القوى الداخلية الأوروبية فقط من تحذر من تداعيات تفكك الاتحاد على المستوى الأمني والحماية من الإرهاب، فالولايات المتحدة الأميركية أيضا لها موقف من المسألة، إذ قال ديفيد بتريوس القائد العسكري الأميركي السابق والمدير السابق لوكالة المخابرات الأميركية إن خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي سيضعف بشدة أمن التكتل، وحث البريطانيين على عدم التصويت لصالح الانسحاب في استفتاء في يونيو القادم. ويأتي هذا التصريح في ظل تنامي الخوف من التفكك الفعلي للاتحاد الأوروبي بعد صعود أصوات في عدد من الدول تطالب بذلك.

القائد العسكري الأميركي السابق ديفيد بتريوس يقول إن خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي سيضعف بشدة أمن التكتل

وتدعم هذه التصريحات التي تأتي بعد أيام من تفجيرات انتحارية أودت بحياة 31 شخصا في بروكسل إحدى الحجج الرئيسية للحكومة البريطانية في حملتها للفوز بأصوات الناخبين الذين لم يحسموا أمرهم بعد والتي تقوم على أن بريطانيا أكثر أمنا داخل الاتحاد الذي يضم 28 دولة. وكتب القائد العسكري الأميركي ديفيد بتريوس في صحيفة صنداي تليغراف “أشجع أصدقائي البريطانيين على أن يفكروا مرتين قبل الانسحاب من واحدة من أهم المؤسسات التي تعزز القوة الغربية، الاتحاد الأوروبي”.

وتظهر الاستطلاعات أن الرأي العام منقسم بالتساوي بشأن البقاء في الاتحاد، وسيصوت البريطانيون يوم 23 يونيو في استفتاء بشأن عضوية البلاد في الاتحاد. وقال بتريوس إنه بينما يعد الانكفاء على الذات استنادا إلى فكرة أن “العزلة توفر السلامة” أمرا مغريا، فقد أثبت التاريخ أن مثل هذه القرارات هي أخطاء استراتيجية، وكتب بتريوس قائلا “لا شك لدي في أن خروج بريطانيا سيوجه ضربة كبيرة لقوة الاتحاد الأوروبي وقدرته في الوقت الذي يواجه فيه الغرب هجوما من عدة اتجاهات”.

ويعد رأي ديفيد بتريوس الرأي الأكثر تداولا لدى المدافعين عن ضرورة بقاء الاتحاد الأوروبي وتدعيمه ببريطانيا، فالأمن لن يتحقق بشكل تام في سياق حرب عالمية على الإرهاب، كما أن التعامل الأمني المشترك سوف يساعد على القضاء على تلك الآفة.

12