الاتحاد الأوروبي.. واقع الاندماج والسياسة التشاركية

تبحث دول الاتحاد الأوروبي منذ صدمة الخروج البريطاني وإعلان الطلاق رسميا من القارة الأوروبية عن رأب الصدع بين دوله ومواجهة حالة التشرذم وتهديدات مستمرة بالانسحاب أو استفتاء انفصال جديد على غرار ما شهدته إسبانيا مؤخرا، ويفرض الواقع الأوروبي اعتماد سياسة قائمة على الاندماج لتعزيز الروح التشاركية الأوروبية، والتذكير بالمبادئ الأوروبية القائمة على وحدة الأهداف غير أن ذلك لن يخفف من عمق التباينات في قضايا الأمن والدفاع وخطوط الصراع في منطقة اليورو.
الاثنين 2017/11/27
مشهد الانفصال قد يتكرر

في أعقاب تصويت بريكست وإعلان بريطانيا خروجها من الاتحاد الأوروبي، وذلك في خضم أزمات تتخبط فيها أوروبا أمنيا واقتصاديا. حاولت دول الاتحاد معالجة حالة التشرذم التي تعيشها، خاصة أن أصوات المطالبة بالانفصال لم تخفت، وذلك بتغيير استراتيجيتها والبحث عن رؤية ناجعة تحافظ فيها على كيانها وتكتلها الأعرق تاريخيا.

وحاول الاتحاد الأوروبي لملمة صفوفه بالتوجه نحو سياسة الاندماج، التي تعني أنه بإمكان مجموعات من الدول الأعضاء أن تختار المضي في التعاون المشترك في مجالات عدة.

وتنكشف الرغبة الأوروبية في الاندماج من خلال المشاركة في منطقة اليورو التي تضم 19 بلدا عضوا مع اختيار بريطانيا والدنمارك الانسحاب، في حين أنه يتوجب على البقية الانضمام في نهاية المطاف والمشاركة في اتفاقية شنغان التي تضم بعض الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

كما تشمل المعاهدة إمكانية التعاون الدائم بخصوص قضايا الأمن والدفاع، ووضع خطاب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في قمة الاتحاد الأوروبي في مالطا في مطلع سنة 2017 نهاية لمعارضة برلين طويلة الأمد لاتحاد أوروبي متعدد الأوجه، مما جعل من الاندماج سيناريو ملموسا وواقعيا. وبالفعل تضمنت ورقة مفوضية الاتحاد الأوروبي لشهر مارس الماضي حول مستقبل أوروبا الاندماج كواحد من بين خمسة سيناريوهات متوقعة.

مشاريع اندماجية

هناك شعور عام بأن هذه المرحلة الدقيقة جدا من تاريخ الاتحاد الأوروبي يجب أن تدار بعناية لأنه لن يكون هناك طريق عودة

يأمل الكثير من الأوروبيين في أن يجعل الاندماج الاتحاد الأوروبي أكثر نجاعة عن طريق التقليل من سلطة النقض لدى الدول الأعضاء التي تمكنها من تعطيل بعض المبادرات المعينة، وبأن الاختيار الطوعي للدخول في موجات اندماج أكبر سيساعد على تبديد التوترات بين البلدان.

وفي حين أن بعض الدول ستختار المضي قدما في بعض المشاريع الاندماجية، ستكون من هي في الخارج مرحّبا بها للدخول عندما يرى مواطنوها بأن ذلك الطريق يعكس المصالح الوطنية.

وسيساعد التنظيم المفتوح للاندماج الذي يسمح بالتنظيم الطوعي في مرحلة تالية على الحيلولة دون حصول انسحابات واستفتاءات أخرى لمغادرة الاتحاد الأوروبي.

ويأمل الكثيرون أيضا في جعل الاتحاد الأوروبي أكثر مرونة وأكثر قدرة على مجارات نسق التغيير عن طريق مشاريع اندماج أعمق ستعمل بمثابة حاضنات لحلول جديدة يمكن أن تجذب لاحقا المزيد من العمل التشاركي.

وبالتوازي مع الآمال بأن تجلب المرونة تقدما واستقرارا أوروبيا، هناك مخاوف عميقة تتعلق بتبعات هذه الخطوة. ومن ذلك أن الأعضاء الذين يشعرون بأن لا صوت لهم في المسألة (الأعضاء الصغار إضافة إلى الأعضاء الجدد في الاتحاد، وبخاصة بلدان شرق أوروبا) قلقون من بقائهم في آخر الركب.

أما الأعضاء الأكبر والأقدم مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا فيخشون من أن ذلك لن يساعد على معالجة “التباينات المتصاعدة بشكل مضاعف داخل الاتحاد الأوروبي”.

وتتمثل المخاوف في أن خطوط الصراع بين الدول الأعضاء، مثل تلك الموجودة حاليا داخل منطقة اليورو، ستتعمق وتتضاعف وتتضخم مع تنامي التباينات الاقتصادية وتوسع الفجوات المؤسساتية بين من هي داخل تجمعات الاندماج المتمايز ومن هي خارجه.

كما تسببت التبعات الأمنية للاندماج في إثارة بعض المخاوف خاصة بين البلدان مثل ليتوانيا واليونان وبلغاريا التي تشعر بأنها ستترك لوحدها في وضع هش بالرغم من عضويتها في حلف الناتو.

وهناك أيضا إجماع عريض على أن وقع الاندماج المتمايز على جوار الاتحاد الأوروبي وموقف الاتحاد بوصفه فاعلا أمنيا واقتصاديا سيكونان سلبيين بالكامل بما أن “أوكرانيا وصربيا وتركيا ستبتعد لا محالة عن الاتحاد الأوروبي”.

وهناك أيضا مخاوف حول المزيد من تعقيد جهود الاتحاد الأوروبي لتوحيد مواقف الدول الأعضاء في مسائل الأمن والدفاع وهي مواقف كثيرا ما تكون متباينة، وهو ما يبتعد بالاتحاد أكثر عن المطمح الذي كان مطلوبا في ما مضى وبات مرفوضا حاليا بعد الخروج البريطاني وما تبعه من دعوات مماثلة جعلت الوحدة الأوروبية صعبة في الواقع الراهن.

المضي إلى الأمام

في العموم، يفهم أعضاء البرلمان في كافة أرجاء أوروبا أن اتحادا أوروبيا متمايزا ليس كإمكانية تجريدية بل كواقع معيش. هناك شعور عام بأن هذه المرحلة الدقيقة جدا من تاريخ الاتحاد الأوروبي يجب أن تدار بعناية ووعي نظرا لأنه “لن يكون هناك طريق عودة”.

الكثير من الأوروبيين يأملون في أن يجعل الاندماج الاتحاد الأوروبي أكثر نجاعة عن طريق التقليل من سلطة النقض لدى الدول الأعضاء التي تمكنها من تعطيل بعض المبادرات المعينة

تعتقد الغالبية بأن الشلل في هذه المرحلة سيكون مرادفا لانحلال الاتحاد الأوروبي، وبالتالي ومثلما لخّص أحد أعضاء البرلمان بقوله “الأعضاء يبحثون عن حلفاء جدد خارج الاتحاد الأوروبي، فلنقم بالعمل بشكل أفضل ولنبدأ الآن”.

وقد يحتاج الاندماج المتمايز إلى أن يكون قائما على مجموعة أساسية من المبادئ والسياسات غير القابلة للتفاوض والتي تعني كل الدول الأعضاء. كما يبدو أن بعض المستويات الأساسية من التعاون الأمني والاقتصادي والاندماج مرشحة للسياسات الأساسية التي تشمل الاتحاد الأوروبي وغير القابلة للتفاوض.

وللمزيد من التفسير فإن الحريات الأربع (وهي حرية تنقل البضائع ورأس المال والخدمات والعمالة) من المرجح أن تبقى مبادئ جوهرية عند الاتحاد الأوروبي. ومن هذا المنظور، توفر مفاوضات بريكست فرصة لإعادة التذكير بالحدود القابلة للنقاش وتلك غير القابلة للنقاش لعضوية الاتحاد الأوروبي.

ويرتبط التحدي السياسي الحاسم لإخراج الاتحاد الأوروبي من المأزق الحالي بالمسألة الدقيقة المرتبطة بالقيادة والشرعية لكل من العملية التي من شأنها أن تقود الاتحاد الأوروبي نحو المزيد من الاندماج المتمايز وهياكل الحوكمة التي تدير في نهاية المطاف تعقيدات الاندماج المتكامل.

ويوفر الاندماج المتمايز فرصة لمعالجة ما كان يمثل نقطة ضعف الاتحاد الأوروبي لفترات سابقة، ألا وهو الغياب المنظور لمشروعيته. وضمان عملية تشاركية تشمل الجميع تخص الاندماج المتمايز أمر شديد الأهمية، وذلك عند السماح مثلا “لمن هم خارج الاتحاد بالمشاركة بصفة ملاحظين في عمليات اتخاذ قرار الاندماج المتمايز”.

وكذلك فإن التفكير في إعطاء البرلمانات الوطنية دورا معززا كإجراء آخر لتقوية حظوظ قبول الاندماج يؤدي إلى تطور مشروع الاتحاد الأوروبي. يجب أن تلتزم مبادرات الاندماج بثلاثة مبادئ: أولا ضمان أن تكون للمبادرات قيمة مضافة واضحة للمواطنين وتكون محترمة شديد الاحترام لمبدأ التفويض، وثانيا ضمان مشروعية آليات اتخاذ القرار عن طريق تعزيز دور البرلمان الأوروبي والبرلمانات الوطنية، وثالثا تشجيع وتعزيز المبادرات بزعامة ائتلافات من دول أوروبية صغرى.

6