الاتحاد الأوروبي يتحول إلى متفرج على غرق سفينة البريكست

الاتفاق وضع بريطانيا بين انفصال شكلي تكون فيه بوضع أسوأ مما هي عليه أو التراجع بعد مخاض عسير.
الاثنين 2018/11/26
بداية جديدة لمعركة البريكست

أخيرا حانت ساعة الحقيقة واتضح أقصى ما يمكن أن تحصل عليه بريطانيا من الانفصال وتحول الاتحاد الأوروبي إلى متفرج على الغرق الوشيك لسفينة البريكست.

لم يعد الأوروبيون طرفا يلقي صقور البريكست عليه باللوم في تضييق الخيارات المتاحة أمامهم بعد أن وافقوا على اتفاق الانفصال وإغلاق أي باب للتفاوض مرة أخرى من قبل الطرفين.

فقد أكدت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي أنه أفضل خيار ممكن، في حين وصفته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأنه “قطعة فنية دبلوماسية” تم إنجازها في أوضاع صعبة للغاية.

وبذلك انتقلت كرة النار إلى الملعب الداخلي البريطاني المتشظي بعد الضربات الكثيرة التي تلقاها مؤيدو البريكست من حقائق الأمر الواقع القاسية والكوابيس التي نسجتها تقارير الخبراء والتقارير الحكومية عن حجم الكارثة الاقتصادية إذا خرجت بريطانيا دون اتفاق.

الحقيقة الرئيسية في الاتفاق هي أن بريطانيا ستكون في وضع أسوأ بكثير مما هي عليه خلال عضويتها الكاملة في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى ما سيترتب عليه الطلاق من دفع فاتورة قيمتها الأولية 39 مليار جنيه استرليني وهي مرشحة للارتفاع.

لم يعالج الاتفاق أي مشكلة مستعصية، وترك الباب مفتوحا للتوصل إلى حلول في الفترة الانتقالية التي تنتهي بنهاية عام 2020، وإذا لم يتم الاتفاق ستستمر بريطانيا في وضع العضوية المنقوصة لأجل غير مسمى إذا لم تجد حلا لمشكلة حدود إيرلندا الشمالية.

هناك إجماع اليوم على استحالة حصول الاتفاق على موافقة البرلمان البريطاني، الأمر الذي يجعله مجرد طي مرحلة بالاعتراف بحجم الورطة، للانتقال إلى مرحلة إيجاد حلول للخروج منها.

تدرك جميع الأطراف وتعترف باستحالة إعادة رسم حدود تجارية وجمركية بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا، وأن خروج بريطانيا من السوق الأوروبية المشتركة سيعني حتما انفصال إيرلندا الشمالية.

بل يدركون أيضا أن ذلك سيشعل ميل سكان اسكتلندا إلى الانفصال بقوة غير مسبوقة، بل إن رغبة الانفصال قد تمتد إلى ويلز، وستؤدي حتما إلى موت مقاطعة جبل طارق وربما عودتها إلى إسبانيا.

كل ما حدث في اتفاق أمس هو إيقاظ جميع الأطراف على حقائق الأمر الواقع وأن هذا هو أقصى ما يمكن أن تحصل عليه بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

معسكر الخروج يبدو في أزمة كبيرة، اتضحت ملامحها في عجزه عن جمع أصوات 48 عضوا في البرلمان من حزب المحافظين لتحدي زعامة ماي للحزب ورئاسة الحكومة.

لم يعد أمامهم سوى حديث خجول عن الخروج دون اتفاق من الاتحاد الأوروبي، بعد أن أرعبت التقارير الحكومية جانبا من الرأي العام عما يمكن أن يعنيه ذلك من تأثير على جميع تفاصيل الحياة اليومية.

وكانت الحكومة البريطانية قد نشرت أكثر من 80 دراسة عن عواقب الانفصال دون اتفاق والتي تمتد من انهيار منظومة إمدادات الغذاء والأدوية ورحيل معظم المصارف والمؤسسات المالية وصولا إلى توقف معظم القطاع الصناعي وخاصة صناعة السيارات بسبب ارتباط نشاطها بالاتحاد الأوروبي.

وفي أعقاب نشر تلك الكوابيس لجأت وسائل الإعلام إلى مئات الخبراء الذين أجمعوا على أن بريطانيا يمكن أن تتعرض لاضطراب غير مسبوق في الإمدادات، بسبب اعتمادها الشديد على استيراد أكثر من نصف ما تستهلكه من الغذاء والذي يأتي معظمه من بلدان الاتحاد الأوروبي أو من خلالها.

ومع كل ذلك لم تصل بريطانيا حتى الآن إلى الحديث بشكل جدي عن إمكانية التراجع عن البريكست، بسبب ما يمكن أن يحدثه ذلك من شرخ عميق في المجتمع البريطاني، يمكن أن يزعزع الاستقرار والسلم الاجتماعي.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ما يصل إلى 55 بالمئة من المجتمع البريطاني أصبحت تؤيد بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي لو أجري استفتاء آخر اليوم، لكن ذلك لا يبدو كافيا حتى الآن لتفادي حدوث شرخ عميق في المجتمع.

ومن المتوقع الآن أن يدور الاتفاق في متاهة طويلة داخل البرلمان دون أن يحصل على أغلبية الأصوات، لتتعالى الأصوات بعد ذلك بضرورة العودة إلى الناخبين للإدلاء برأيهم في الاتفاق، فيما يعود صقور البريكست اليائسين للمطالبة بالانفصال دون اتفاق.

هناك طريقان لا ثالث لهما أمام بريطانيا. في الأول يقبل البريطانيون بهذا الاتفاق لاستعادة سيادة شكلية والبقاء داخل السوق الموحدة التي تشمل حركة السلع والأشخاص لتصبح مثل النرويج وسويسرا، خارج الاتحاد لكنها تطبق جميع قواعد الاتحاد.

وفي الخيار الثاني يفشل هذا الاتفاق وتقترب بريطانيا من الانفصال عن الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، فيؤدي ذلك إلى انحدار كبير في قيمة الجنيه الاسترليني وشلل اقتصادي واسع يمتد إلى تراجع واسع في أسعار العقارات.

حينها فقط يمكن إجراء استفتاء آخر يحظى بأغلبية كبيرة تؤيد الانفصال الشكلي أو البقاء في الاتحاد الأوروبي، لتتفادى البلاد بذلك حدوث شرخ كبير في السلم الاجتماعي بعد ثمن باهظ.

حسنة اتفاق أمس أنه وضع بريطانيا بين وضع أسوأ بكثير مما هي عليه الآن أو التراجع بعد مخاض عسير. ويبقى السؤال هو: حجم الألم الذي سيتحمله البريطانيون قبل أن يصحوا على استحالة تنفيذ البريكست.

10