الاتحاد الأوروبي يواجه اختبارات صعبة بصعود صارخ للشعبوية

صعود صاروخي للتيارات اليمينية الشعبوية يهدد كيان الاتحاد الأوروبي. وما يضاعف من محنة الاتحاد استفتاءات وانتخابات على الأبواب في أكثر من بلد أوروبي يمكن أن تأتي بمناوئين جدد للمؤسسات التقليدية، ما يسهم في اتساع دائرة أعداء القيم الليبرالية الراسخة يوما بعد آخر.
الخميس 2016/12/01
أي مستقبل للمعتدلين في أوروبا

بروكسل - يصف المفوض الأوروبي جونتر أوتينجر الحالة التي يمر بها الاتحاد الأوروبي كحالة مريض موجود في غرفة للعناية المركزة، وأصيب أيضا بالتهاب رئوي. ويؤكد أن هذه الحالة “خطر على حياة المريض”.

وكان تصويت البريطانيين في يونيو الماضي على خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي بمثابة “أزمة قلبية” أعقبها شعور عميق بالإحباط.

وتأتي الانتخابات المقررة، الأحد المقبل، في النمسا وإيطاليا لتعزز الخوف من وقوع كارثة جديدة. حيث أنه أصبح ممكنا صعود نوربرت هوفر المعروف بانتقاداته للاتحاد الأوروبي إلى رئاسة النمسا، كما يمكن أن يسقط صديق الاتحاد الأوروبي ماتيو رينزي، رئيس وزراء إيطاليا، ضحية للاستفتاء الذي اقترحه على الدستور.

وكان من الممكن قبل بضع سنوات النظر إلى مثل هذا الاستفتاء بقلة اكتراث، لكن الاتحاد الأوروبي الآن يواجه أصعب فتراته، إذ أضعفته الأزمات ووابل الانتقادات والتشكيك في جدوى وجوده تضاف إلى كل ذلك موجة كبيرة من الشعبوية.

كما أنه ومنذ انتخاب الملياردير الأميركي دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، أصبحت كل الخيارات ممكنة تقريبا بما فيها انحلال الاتحاد الأوروبي.

غير أن الدبلوماسي الأوروبي السابق ستيفان لينه، الباحث بمعهد كارنيغي أوروبا، يرى أن الاتحاد الأوروبي أبعد ما يكون عن ذلك، حيث قال معلقا على انتخابات الأحد المقبل “لن يحدث في الرابع من ديسمبر المقبل سواء في إيطاليا أو في النمسا أي شيء له تداعيات خاصة”.

وبشكل مشابه ينظر المراقبون إلى الاستفتاءات المقررة في الاتحاد الأوروبي محاولين المحافظة على هدوء أعصابهم، حيث قال مسؤول بارز في الاتحاد الأوروبي “لا أريد أن أهون من ذلك وأن أجعل الأمر مأسويا.. علينا ألا نتعجل ونرى أولا”.

جونتر أوتينجر:

أوروبا كمريض في غرفة العناية المركزة وأصيب أيضا بالتهاب رئوي

ويعد انتخاب الرئيس النمساوي أمرا رمزيا، كما أن هوفر لا يشكك في الاتحاد الأوروبي من ناحية المبدأ، في حين أنه في حال جاءت نتيجة استفتاء إيطاليا على غير ما يشتهيه رئيس الوزراء رينزي، فلن تكون هذه هي الأزمة الأولى التي تمر بها الحكومة في إيطاليا.

ومع ذلك فمن الممكن أن تتسبب أي نجاحات يحققها حزب الحرية النمساوي اليميني، أو حركة النجوم الخمسة الإيطالية المعروفة برفضها للاتحاد الأوروبي في إرسال إشارات عن قرب حدوث تغيير حكومي في كلا البلدين بالنسبة إلى العام 2017 الذي سيشهد انتخابات في العديد من الدول الأوروبية.

ويستعد اليميني المتطرف خيرت فيلدرز في هولندا للانتخابات المقبلة وفي فرنسا تأمل اليمينية المتطرفة مارين لوبان في تحقيق نجاح بالانتخابات الرئاسية المقررة في مايو المقبل.

وفي ضوء ذلك يرى الباحث لينه أن “الانتخابات الفرنسية هي الأخطر” وأنه إذا تم انتخاب لوبان فستدفع بخروج بلادها من مجموعة العملة الأوروبية الموحدة “اليورو” ومن الاتحاد الأوروبي “مما سيعني ضربة قاتلة للاتحاد الأوروبي”.

لكن لينه يرى أن ذلك “بعيد الاحتمال تماما” رغم أن سلسلة النجاحات التي يحققها الشعبويون في أوروبا تجعل الأحزاب العريقة تهتز، حيث أصبح للأحزاب الأوروبية المعارضة للاتحاد الأوروبي 174 من إجمالي 751 عضوا في البرلمان الأوروبي منذ العام 2014.

كما حقق المشككون في الاتحاد الأوروبي المزيد من النجاحات في الانتخابات التي أجريت في سبع من إجمالي 16 من الانتخابات الوطنية التي أجريت في هذه الفترة بعدد من دول الاتحاد، وهي الدنمارك وإستونيا ولاتفيا وبولندا والسويد وسلوفاكيا. وتحكم أحزاب معارضة للاتحاد الأوروبي في سبع دول من إجمالي 28 دولة أعضاء في الاتحاد.

ووجهت أحزاب حاكمة في دول أوروبية مثل حزب الاتحاد المدني “فيديس” في المجر وحزب القانون والعدالة “بيس” البولندي وابلا من الانتقادات النارية إلى بروكسل.

ويرى لينه أن اليساريين المنتقدين للاتحاد الأوروبي مثل ائتلاف سيريزا اليساري في اليونان وحزب بوديموس “قادرون” اليساري في أسبانيا، ينتقدون على الأقل السياسة الحالية للاتحاد الأوروبي، حيث “أصبحت بروكسل عدوا مفضلا سواء لليساريين أو اليمينيين”.

ويقول محللون إنه أصبح لدى الاتحاد الأوروبي الكثير من الخصوم والقليل من المدافعين المتحمسين.

ويضيف هؤلاء أن الاتحاد الأوروبي “المريض” بحاجة إلى مقويات مناعية ولكن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة تدمر نظامه المناعي تضاف إليها ظاهرة الإرهاب التي فضحت نقص التعاون في حماية أوروبا وأزمة الهجرة التي حدث بشأنها انقسام في جنوب أوروبا ووسطها وشرقها بين داعم لاستقبال الهاربين من الحروب ورافض لفتح الأبواب في وجوههم.

ويؤكد هؤلاء على صعوبة الوضع أيضا في ظل وجود توجه عالمي يميل نحو معارضة المؤسسات والسياسة التقليدية ومعارضة النخب، وهي الروح نفسها التي ساعدت دونالد ترامب على الفوز في سباق الرئاسة الأميركية.

وفي ضوء ذلك يرى الباحثان في الشأن الأوروبي رونيا كيمبين وهانز ماول أن “الاتحاد الأوروبي يتواجد في مركز زلزال سياسي يهز النظام الأوروبي حتى معاقله الأساسية”.

ومع ذلك فإن الباحث لينه لا يرى الخطر الأكبر على أوروبا في احتمال انهيار الاتحاد، بل في أن “تؤدي جرعة زائدة من المشكلات دون حلول إلى شله” وألا يتبقى له سوى حد أدنى من التوافق على شكل سوق مشتركة.

5