الاتحاد الإسلاميّ التركيّ يعزل المسلمين عن المجتمع الألماني

بسبب أردوغان لم تعد المساجد دورًا للعبادة؛ بل أصبحت منصات ومنابر سياسية. وافتتاح المسجد المركزي في كولونيا، الذي كان من الممكن أن يصبح حظًا جديدًا بالنسبة للمسلمين أصبح مشكلة بالمعنى الكامل.
الجمعة 2018/10/12
اليمين المتطرف وقد أخرجه أردوغان من أوكاره

كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد قال يوم 3 أكتوبر على إثر افتتاح المسجد المركزي بمدينة كولونيا الألمانية والمرتبط برئاسة الشؤون الدينية “يجب علينا أن نناضل من أجل تحويل مسجد كولونيا المركزي وكليته التابعين للاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية إلى مركز يليق بهما. يجب أن يكون هذا المكان رمزًا لوجودنا في هذه الأراضي، ومقاومة لمن يحاولون إظهارنا وكأننا الآخر والعدو بالنسبة لأوروبا”.

وخلال زيارة أردوغان لألمانيا وقعت حادثة لم يتم الانتباه إليها في تركيا، ولكنها كانت مدار حديث طويل في ألمانيا. استمرت هذه الواقعة بضع ساعات في كولونيا، وكشفت تمامًا عن الإشكاليات الموجودة في العلاقات الألمانية التركية.

ففي كولونيا التي ذهب إليها أردوغان من أجل افتتاح المسجد المركزي هناك، والذي استمر إنشاؤه سنوات طويلة، تبين كم أن أردوغان والاتحاد الإسلامي التركي المرتبط برئاسة الشؤون الدينية التركية منعزلان في ألمانيا، وبعيدان عن واقعها وحقائقها.

وكانت لحظة قَصِّ الشريط تبدو وكأنها صورة توثق لتلك الوحدة والعزلة؛ إذ لم يكن في الصورة التي ظهر فيها أردوغان وقرينته، وممثلو الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية ووزير الخارجية التركي ولو حتى مواطن كولونيٌّ واحد، أو ممثل ألماني عن الولاية، أو حتى رجل دين ألماني محترم.

هناك أكثر من 5 ملايين مسلم يعيشون في ألمانيا منذ عقود، وما زال هؤلاء الناس يلتقون في أقبية تم تحويلها إلى مساجد

وكما أن آرمين لاشيت رئيس وزراء الولاية الذي استقبل أردوغان لدى وصوله في مطار بون في كولونيا لم يحضر مراسم الافتتاح، لم يشارك فيها أيضًا رئيس بلدية كولونيا ولا أي ممثل سياسي عن المدينة أصلًا.

وكان الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية قد شكل لجنة تتكون من الشخصيات البارزة في المدينة والسياسيين الداعمين لإنشاء المسجد. وكان فريتز شراما، رئيس البلدية يعلن عبر الصحافة الألمانية أنه لم يتلقَ دعوة قائلًا “اليوم أيضًا نظرت إلى صندوق البريد، لم يكن هناك شيء”.

أليس من العجيب أن يصمد الرجل أمام جميع الحملات المعادية كرئيس بلدية مدة 10 سنوات من أجل إنشاء المسجد في كولونيا، ويكون عضوًا في لجنة دعم المسجد هناك، ثم لا يتلقى دعوة لحضور مراسم الافتتاح؟

أعتقد أنه ليست هناك حاجة إلى التعليق على هذا الحد من قلة الذوق، واللامبالاة أو الإهمال. ولنا أن نقول إنها ثقافة أردوغان وحزب العدالة والتنمية. أستطيع أن أوضح لكم كيف أمكن حدوث هذا “الإهمال” في مثلث القصر ورئاسة الشؤون الدينية ووزارة الخارجية، ولكن دعونا نمض قدمًا…

ليس السياسيون فحسب، ولكن الزعماء الدينيين في مدينة كولونيا ذات التقاليد الكاثوليكية، والتي فيها واحدة من أعرق وأعظم الكاتدرائيات في ألمانيا قرروا الابتعاد عن مراسم افتتاح المسجد؛ إحدى دور العبادة. وقد قاطعت المنظمات الاجتماعية الأخرى أيضًا مراسم الافتتاح، وكأنها كانت توثق لمدى العزلة التي يعيشها الاتحاد الإسلامي التركي في ألمانيا.

وهناك شيء آخر محزن للغاية، إذ أن المسجد المركزي في كولونيا اللافت للانتباه بعمارته المثيرة للاهتمام، أصبح عملًا فنيًّا يمكننا أن نعتبره إجابة سياسية لمهندس معماري في باب الرد على الدوائر المعارضة لبناء دار العبادة هذا. لقد ربحت كولونيا أثرًا معماريًا هو بعيد إلى حد كبير عن الجو الذي نعيشه في النسخ التقليدية لمسجد السلطان أحمد والتي تضع في مركزها القبة الرئيسية المستخدمة في عمارة المساجد العثمانية.

كما لم يشارك في هذا الافتتاح بيتر بوم، المهندس المعماري الذي صمم هذا الأثر الذي يعتبر رؤية معمارية حديثة بفضل عمارته وقبته ومنارته. إن الحفل الذي خاطب فيه أردوغان الحاضرين والبالغ عددهم مِئتي فردٍ جاء معظمهم من أنقرة في الغالب، لم يذهب بعيدًا أكثر من أنه حول افتتاح المسجد إلى عرض سياسي محزن، وجعل المغزى من افتتاح المسجد عرضة للنقاش والجدل.

ليس السياسيون فحسب، ولكن الزعماء الدينيين في مدينة كولونيا ذات التقاليد الكاثوليكية، والتي فيها واحدة من أعرق وأعظم الكاتدرائيات في ألمانيا قرروا الابتعاد عن مراسم افتتاح المسجد

ووفقًا لصحيفة فرانكفورت ألغماينه التي تطرقت للموضوع في 29-9-2018 فقد استغل أردوغان الافتتاح ليؤكد أنه “زعيم المسلمين جميعًا”. وقد دافعت الصحيفة عن أن هذه الرسالة السياسية التي نُقلت إلى أوروبا كافة باستخدام “تحية الإخوان المسلمين” لم تعنِ شيئًا سوى “إنني أنا ممثل الإسلام السياسي المتشدد”، وكتبت أنه لا يمكن أن يتم بسهولة إصلاح الجرة التي انكسرت في كولونيا.

وبسبب أردوغان لم تعد المساجد دورًا للعبادة؛ بل أصبحت منصات ومنابر سياسية. وهذا الافتتاح الذي كان من الممكن أن يصبح حظًا جديدًا بالنسبة للمسلمين في ألمانيا أصبح مشكلة بالمعنى الكامل. ولست أدري إن كان الاتحاد الإسلامي التركي مدركًا هذا أم لا، ولكنه لم يكتف بخسارته أصدقاءه في كولونيا وفي غيرها، بل ساعد -دون أن يدري- الدوائر المعارضة للمسلمين والمناهضة لبناء المساجد في ألمانيا.

وهناك أكثر من 5 ملايين مسلم يعيشون في ألمانيا منذ عقود، وما زال هؤلاء الناس يلتقون في أقبية تم تحويلها إلى مساجد. ولم يقف الأمر عند مجرد نبذ هذه السياسات في كولونيا، والتي تناضل منذ سنوات من أجل التغلب على هذه الحقيقة العنصرية المزعجة، والممتدة من الديمقراطيين المسيحيين حتى حزب الخضر، فقد تعرضوا لــ”هزيمة” كبيرة أيضًا. لم تعد أعمالهم سهلة. كونوا على يقين من أنهم سوف يُسألون “هل تعملون لصالح أردوغان؟”.

هل تعرفون لماذا أوجه النقد إلى الاتحاد الإسلامي التركي وليس إلى أنقرة ورئاسة الشؤون الدينية التركية؟ لأننا نعلم أن أردوغان استخدم كل الوسائل لأغراضه السياسية ولم يهتم بالعواقب كما رأينا في حادثة أوزيل. إننا لا نعيش في ألمانيا، علاوة على أننا نعلم أن سياستها في السنوات الأخيرة لم تقم على الاستيعاب، وإنما على الاستقطاب.

13