الاتحاد الاشتراكي والاستقلال بين طموح الفوز في الانتخابات وهاجس البقاء

تعد الانتخابات التشريعية محطة بارزة، تسعى من خلالها الأحزاب لإعادة تموقعها في المشهد السياسي بما يكفل لها المشاركة في سلطة القرار، ولاستحقاق هذا العام في المغرب طعم خاص في ظل المنافسة القوية بين الأقطاب السياسية الكبرى، حيث يصعب التكهن بنتائجها مسبقا.
الأحد 2016/09/18
مراقبون أسبان يتابعون الاستعدادات الجارية للانتخابات

الرباط - تشكل الانتخابات التشريعية في المغرب المقرر إجراؤها في أكتوبر المقبل تحديا كبيرا لحزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاستقلال، في ظل المنافسة الشرسة بينهما وبين أحزاب تستند إلى أيديولوجية مختلفة وتنظيم محكم كالعدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة.

وحزبا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاستقلال خرجا من رحم الحركة الوطنية، الأول انشق عن الثاني في ظروف سياسية خاصة مر بها المغرب منذ استقلاله.

وقد عرف كل منهما هزات تنظيمية داخلية كادت تعصف بهما في السنتين الأخيرتين خصوصا مع مجيء إدريس لشكر وحميد شباط لترؤس المؤسستين الحزبيتين، والنتائج المخيبة لقواعدهما التي حصداها معا في الانتخابات المحلية في السنة الماضية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هل بإمكان الحزبين أن يعتمدا فقط على استدعاء أمجاد التاريخ ليستعيدا قاعدتيهما الانتخابية خصوصا مع ترديد إدريس لشكر وحميد شباط بأن حزبيهما لهما قدم راسخة في التربة السياسية بالبلد وقدما برنامجا انتخابيا جديرا بالقراءة، وكنتيجة لهذا التوجه فرئيسا التنظيمين ظلا يؤكدان على مسامع الجميع أنهما سيتصدران نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة.

وفي حديثه عن الاتحاد الاشتراكي أكد أناس المشيشي، الأستاذ الباحث في العلوم السياسية بجامعـة فاس في حديثه لـ”العرب”، أن محطة 2002 الانتخابية كانت فاصلة في تاريخ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من خلال قبوله بأنصاف الحلول بالرغم من خروج الدولة عمّا أسماه آنذاك عبدالرحمان اليوسفي بـ”المنهجية الديمقراطية”، ولم يتخذ الحزب موقفا تاريخيا بالعودة إلى الجماهير والانسجام مع قيم ومبادئ اليسار وقبوله لخوصصة العديد من المؤسسات العمومية.

وبتفحص البرنامج الانتخابي لحزب الاتحاد الاشتراكي الخاص بانتخابات السابع من أكتوبر، يسجل رفعه لسقف الوعود على المستوى الاقتصادي بتحقيق نسبة نمو محددة في 5.5 بالمئة، واجتماعيا بتقليص البطالة والزيادة في الدخل بـ20 بالمئة، وخلق 150 ألف موطن شغل. برنامج اعتبره مراقبون فوق مستوى إمكانيات الحزب ووضعيته التنظيمية ومستوى حضوره الضعيف داخليا في مقاعد المعارضة وكذلك خارجيا.

وشدد إدريس لشكر في غير مناسبة على أن حزبه سيفوز بالانتخابات التشريعية وسيحصل على المرتبة الأولى، وفي هذا الصدد قال أناس المشيشي إن طموح الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي غير مؤسس على معطيات واقعية، من قبيل تراجع شعبيته والتصدع الداخلي الذي يعانيه وعدم وضوح برامجه وتحالفاته غير المنسجمة مع قيم ومبادئ اليسار.

حزبا الاتحاد الاشتراكي والاستقلال خرجا من رحم الحركة الوطنية، الأول انشق عن الثاني في ظروف سياسية خاصة مر بها المغرب منذ استقلاله. وقد عرف كل منهما هزات تنظيمية داخلية كادت تعصف بهما في السنتين الأخيرتين

ويشكك أكثر من مراقب في إمكانية حزب الاتحاد الاشتراكي توحيد اليسار وأن يعود لتعبئة الجماهير بقوة اعتمادا على زخمه التاريخي وشخصية كاتبه الأول الحالي استعدادا للمحطة الانتخابية المقبلة في العام 2021، ويؤكد أنس المشيشي أنه يجب الاعتراف بأن الشرعية التاريخية بدأت تتوارى لفائدة شرعية الفعل أو الإنجاز.

وحول السبل الكفيلة بعودة الزخم لهذا الحزب الذي خفت نجمه بعدما استهلكته سنوات تدبير الشأن العام منذ حكومة التناوب في العام 1998، قال الأستاذ الباحث في العلوم السياسية، أن الاتحاد الاشتراكي يحتاج لنقد ذاتي على أرضية التوافق على أمين عام محطّ إجماع من طرف الجميع ومشروع سياسي بِنَفَس يساري ووفق برنامج يتلاءم مع مرجعيات وقيم اليسار.

وفي مضمار الحديث عن الأحزاب التاريخية يطل حزب الاستقلال كتنظيم مؤسساتي له تاريخ عريق، وتبرز للنقاش فكرة قابلية الحزب واستعداد قيادته الحالية لاستعادة القاعدة الانتخابية خصوصا مع الحرب المتبادلة بينه وبين وزارة الداخلية، والمطبات التي تعرض لها بعد خروجه من التدبير الحكومي والحملة التي قادها حميد شباط ضد العدالة والتنمية.

فمنذ خروجه من التدبير الحكومي في العام 2013 دأب أمين عام حزب الاستقلال حميد شباط على انتقاد الحكومة ورئيسها كاستراتيجية لكسب أوراق لترسيخ موقعه داخل الحزب الذي عرف تصدعات منذ انتخابه رئيسا له، وكمحاولة أيضا لربح مساحات انتخابية تؤهله للبقاء ضمن مربع الأقوياء في انتخابات 7 أكتوبر 2016.

وفي رأي أناس المشيشي فإن الاستقلال يستطيع أن يستعيد قاعدته الانتخابية لتجذّره في المجتمع من خلال تنظيمات نسائية وشبابية، واستدرك محدثنا مؤكدا أن ما أثّر سلبا على الحزب هو رداءة الخطاب السياسي الذي قاده الأمين العام الجديد ضد العدالة والتنمية، إضافة إلى الانسحاب غير المبرّر من الحكومة في ظرفية جد حساسة.

من جهة أخرى اشتد الصراع داخل حزب الاستقلال حول رئاسة اللائحة الوطنية للشباب والأسماء الأولى في اللائحة وكتعبير عن رفضها لأيّ تعمية أو إرضاء لأسماء معينة ضدا عن ديمقراطية الاختيار، أعلنت الشبيبة الاستقلالية في بيان لها عن ضرورة “تدبير موضوع اللائحة الوطنية للشباب بشكل لا يمكن أن يمس بمبادئ الديمقراطية الداخلية أو يترتب عنه مساس بهيبة وحرمة مؤسسات الحزب وهيئاته”.

وعلق الأستاذ الباحث في العلوم السياسية بجامعـة فاس، على هذه النازلة الحزبية بالقول إن عدم الاحتكام إلى الشفافية في انتقاء المترشحين سيؤدي إلى نوع من عدم الرضى، الشيء الذي سيؤثر سلبا على الأداء السياسي للحزب في المحطة الانتخابية المقبلة لأنه سيصادر حق الارتقاء السياسي لمناضليه.

وكخطة لاستعادة وهج التاريخ واللعب على وتر الإنجازات أكد شباط أن حزب الاستقلال وصل إلى تسعين سنة من حياته منذ التأسيس والذي ترأس الحكومة سنة 2007، استطاع تنفيذ 85 بالمئة من برنامجه رغم أنه لم يتمم الولاية الحكومية. وبنبرة الواثق من نفسه أعلن شباط أن حزبه سيتصدر الانتخابات، موضحا أن، الإصلاحات السياسية والاجتماعية كانت في عهد حزب الاستقلال، الذي حافظ على مجانية التعليم والصحة.

واعتبر مراقبون أن هذا التكتيك إضافة إلى تغطية الحزب لجميع الدوائر وتأكيد شباط أن حزبه لا تحكمه خطوط حمراء في التحالفات مع الأحزاب الأخرى التي تتماشى مع برنامج الاستقلاليين، رغم أنه دعاية انتخابية، إلا أنه سيؤهل الحزب للعب أدوار طلائعية في تشكيل خارطة ما بعد الاستحقاقات المقبلة نظرا لتمرسه الطويل وتمكنه من أدوات العمل المعقدة داخل الحقل السياسي المغربي.

2