الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في "دفاعه" عن السوريين ينتصر لتركيا

اعتبار الجنود الأتراك الذين سقطوا في العملية التركية في سوريا، شهداء، هو تعسّف يخفي تبنيا لكل المنطلقات الدينية التي أضفاها النظام التركي على عملياته في ليبيا أو في سوريا.
الاثنين 2020/03/02
جاهز لإصدار بيان النجدة لترميم صورة النظام التركي

دأب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذراع الأيديولوجية لجماعة الإخوان المسلمين، على إصدار بيانات تتفاعل مع بعض الأحداث السياسية في المنطقة العربية، والواضح أن بيانات الاتحاد تكون في الغالب مركزة على أحداث بعينها وإهمال أخرى. وبديهي أن المحدد في انتقاء القضايا التي يتفاعل معها الاتحاد هو صلتها العقائدية أو السياسية بجماعة الإخوان.

أصدر الاتحاد يوم الأول من مارس بيانا حمل وسم “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يدين بشدة الجرائم التي يرتكبها النظام السوري وأعوانه ضد الشعب في إدلب وغيرها”، خصصه للتفاعل مع تطور الأحداث في إدلب، وكان فيه وفيا لانتمائه العقائدي إذ ادعى الوقوف جنب الشعب السوري في محنته، وأعلن اصطفافه إلى جانب تركيا وقدم عزاء للشعب التركي بعد سقوط “شهدائه”.

لم يكن بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مفاجئا للرأي العام العربي والإسلامي، الذي تعود على بيانات الاتحاد خاصة في الأحداث التي تكون لها صلة بتركيا، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا أن البيان كان مثيرا في توقيته السياسي وفي التصويب على القضية السورية عندما انفتحت على تطورات سقط خلالها عشرات القتلى من الجيش السوري في العملية التي خصصت لها تركيا اسم “درع الربيع”. وكان البيان مثيرا أيضا في ما احتواه من “مساواة” غير منصفة، بين “شهداء” الشعب السوري و”شهداء” الجيش التركي الذي يقاتل في الأراضي السورية لأسباب سياسية صرفة.

يكفي إلقاء جرد بسيط على بيانات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في السنوات الأخيرة، لكي نتبين أن أغلبها تفاعل مع أحداث ذات صلة بالسياسة التركية، وجلها انتصر لجماعة الإخوان. فإذا استثنينا بيانات النعي التي يصدرها الاتحاد، فإن أغلب البيانات والمواقف تكون مستتبعة للمواقف التركية الرسمية مثل؛ تصريح الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بخصوص الانتخابات التركية، والاتحاد يتضامن مع تركيا شعباً ورئيسا وحكومة في مصابهم الأليم، ويستنكر التصعيد العسكري في ليبيا، أو يستنكر الممارسات الهولندية تجاه تركيا ومحاولتها التأثير على قرار الناخب التركي، وغيرها من المواقف المبالغة في الاصطفاف جنب الحليف والداعم التركي.

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين كان وفيا لإخوانيته وزجّ بنفسه في صراع سياسي أضفى عليه دلالات دينية

وإذا كانت بيانات اتحاد يزعم (وفق بيانه الرسمي التأسيسي) أنه “يمثل المسلمين بكل مذاهبهم وطوائفهم ويستمد قوّته من ثقة الشعوب والجماهير المسلمة به، وأنّه لا يعادي الحكومات”، بهذه المبالغة في الاصطفاف والانتقائية، فلا شك في أن مواقفه ستكون فاقدة للإنصاف والتمثيل اللذين يدعيهما في تعريفه الرسمي.

وبالعودة إلى البيان الأخير الذي تفاعل مع تطورات الأحداث في إدلب، فإن المثير أنه جاء في توقيت سياسي موسوم بالورطة التي وقع فيها النظام التركي، الذي بدأ يستشعر وقوعه في الوحل السوري، في ظل المكاسرة العنيفة بينه وبين النظام الروسي الذي يدعم القوات السورية. النظام التركي الذي فتح جبهتين متزامنتين في وقت وجيز، في سوريا وفي ليبيا، يحتاج حتما إلى دعم أيديولوجي وديني من تنظيم على شاكلة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والأخير لم يتأخر في إصدار بيان النجدة، مساهمة في ترميم صورة النظام التركي لدى الرأي العام العربي والإسلامي.

للربط بين الأحداث في سوريا والتركيز على أهمية العملية التركية ركز البيان على تقديم “شكره وتقديره لكل الدول والمؤسسات التي هبت لنجدة وإغاثة الشعب السوري الحر”، ثم قدم “عزاءه إلى الشعب السوري في شهدائه الذين سقطوا في إدلب، وإلى الشعب التركي ورئاسته وقيادته بمناسبة استشهاد عدد من جنوده، داعياً الله أن يتغمدهم برحمته، وأن يعجل بشفاء الجرحى”.

ولا شك في أن اعتبار الجنود الأتراك الذين سقطوا في العملية التركية في سوريا، شهداء، هو تعسّف يخفي أولا تبنيا لكل المنطلقات الدينية والتاريخية التي أضفاها النظام التركي على عملياته في ليبيا أو في سوريا، ويغفل ثانيا الدواعي السياسية الصرفة التي دفعت النظام التركي إلى التدخل في سوريا وهو تدخل ألقى المزيد من الحطب في نار الأزمة المستعرة.

كان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وفيا لإخوانيته، وزجّ بنفسه في صراع سياسي متداخل بأن أضفى عليه دلالات دينية لم تقتصر على اعتبار قتلى الجيش التركي من الشهداء، بل تجلت أيضا في الآيات القرآنية التي وزعها في البيان “السياسي”، وتبينت أيضا في استدعائه لمصطلحات الظلمة والطواغيت والمستضعفين في الأرض، وهي مصطلحات تنهل من مدونة يشترك فيها الاتحاد مع العديد من التيارات التكفيرية، ومع النظام الإيراني الذي خصه بالانتقاد بوقوفه جنب النظام السوري، مع أنه يدرك المشتركات التي تجمع نظام طهران بنظام أنقرة في أكثر من قضية.

13