الاتحاد العام التونسي للشغل: حدود التمرد

لا يمكن توصيف تفاعل رئيس الحكومة مع تمرد اتحاد الشغل أو تهديده بالخروج من الحزام السياسي للحكومة سوى بالمرآة الحقيقية التي عكست بشكل واضح حجم الخلافات وحقيقتها بين الطرفين.
الخميس 2018/03/01
اتحاد الشغل حاضر في كل هزات وتطورات الوضع السياسي

يُطلق التونسيون بمختلف انتماءاتهم ومشاربهم الفكرية قبل وبعد ثورة يناير 2011 صفة “أكبر قوة في البلاد” على الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يتهم في المقابل منذ سبع سنوات، عبر قدرته على التعبئة وتجييش قواعده، بلعب دور سياسي في البلاد كاد أن يُمكنّه في أكثر مرة من السلطة لو أراد ذلك وخصوصا عقب إسقاط منظومة حكم “الترويكا” وقائدتها الأولى حركة النهضة الإسلامية في العام 2013.

توصيف آخر، قد يكون أكثر تناسقا مع ما فرضته مواقف أكبر منظمة عمالية تونسية في الفترة الأخيرة عبر مطالبة أمينها العام، نورالدين الطبوبي، بوجوب إجراء تعديل وزاري على حكومة يوسف الشاهد، وهو أن الاتحاد بات بمثابة طائر السمندل الذي يعشق النار ويتلذذ جحيمها ولكنه لا يحترق.

وليبلغ التشبيه مقاصده فإنه عادة ما اتخذ من طائر السمندل الأسطوري واسع الشهرة حديثا وقديما عادة كنية أو اسما لمن يتماهى معه في قدرته الرهيبة أولا على تعويض أعضائه المفقودة ومنها الخياشيم، أو عشقه للنار التي يقترب منها بل ويُلهم بالعيش فيها دون أن يحترق بها.

اتحاد الشغل الذي كان حاضرا في كل هزّات وتطوّرات الوضع السياسي في تونس منذ تأسيسه أو خلال ثورة يناير 2011 أو ما بعدها خاصة عبر دوره الكبير في تتويج الحوار الوطني عام 2013 بحكومة كفاءات اتّفقت عليها جلّ الأحزاب بيمينها ويسارها، يعي جيدا بدخوله في عام 2016 في وثيقة قرطاج التي أنتجت حكومة يوسف الشاهد، أنّه قد يخسر في أنظار المتابعين أو منظوريه تلك النزعة الصدامية التي عُرف بها تاريخيا منذ نشأته في أربعينات القرن الماضي.

كل رسائل الاتحاد المعلنة والمبطنة تعامل معها رئيس الحكومة يوسف الشاهد بحذر شديد ولكن بتحليل وتوصيفات ضمنية قد تحيل المتابع للشأن السياسي على حقيقة مفادها أن الشاهد استوعب جيدا كل رسائل نورالدين الطبوبي

ولا يعدّ تقارب وتماهي اتحاد الشغل أحيانا مع خيارات السلطة السياسية والاقتصادية، أو التصادم معها أحيانا أخرى، شيئا جديد في فكره وممارسات العمل النقابي لديه والدليل على ذلك اقترابه في وقت ما من دولة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ولكنه واجهها بل وانتصر عليها غداة أحداث الخميس الأسود في 26 يناير 1978 (إضراب العمال الشهير الذي راح ضحيته العشرات من الشهداء والجرحى).

ورغم كل ما يُطلق على اتحاد الشغل من توصيفات سياسية عقبت خلافة نورالدين الطبوبي للأمين العام السابق حسين العباسي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بقوة حضوره وقدرته على تجييش النقابيين من قبيل انتهاج الطبوبي وفريقه للخط العاشوري (نسبة للأمين العام الأسبق للمنظمة الحبيب عاشور)، فان المنظمة تخوض مؤخرا معركة جديدة من سلسلة صراعاتها وحُروبها الماضية والقادمة مع السلطة الحاكمة.

في تونس قد لا تعني دعوات أو مقترحات الأحزاب السياسية أي شيء ولا تحدث عادة أي تغيير، لكن عندما يُطلق اتحاد الشغل صيحة فزع أو يدق ناقوس خطر بضربه على طاولة السلطة ومطالبته بوجوب تعديل الفريق الحكومي الذي يرأسه الشاهد يتغيّر الأمر، لتتلقف الساحة السياسية المُنشغلة أحزابها حكما ومعارضة بالإعداد للانتخابات البلدية في مايو المقبل فكرة التعديل الوزاري، ليس لأن المقترح جديد بل لأن باعثه ومهندسه هو المنظمة الشغيلة.

وتعلم قيادات المنظمة العمالية منذ الوهلة الأولى التي وطأت فيها أقدامها قصر قرطاج لتزكية ومساندة حكومة يوسف الشاهد أنها ستكون ضحية أو فريسة للعديد من الاتهامات التي أتت مؤخرا، على سبيل المثال لا الحصر، من منافسها التقليدي الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (منظمة أرباب العمل) في أواخر العام الماضي ومطلع العام الحالي الذي اتهم الطبوبي بهندسة كل إجراءات الحكومة.

تقارب وتماهي اتحاد الشغل أحيانا مع خيارات السلطة السياسية والاقتصادية، أو التصادم معها أحيانا أخرى، لا يعدّ شيئا جديد في فكره وممارسات العمل النقابي لديه

وقد لا تعني أيضا مسارعة الأمين العام لاتحاد الشغل مؤخرا بتوجيه سهام نقده إلى الأداء الحكومي أو تأكيده تراخي يوسف الشاهد في مواصلة الحرب على الفساد سوى أن المنظمة تريد إبراق رسائل مضمونة الوصول لجميع الفاعلين السياسيين بأنها لم تمنح الحكومة أو رئيسها صكّا على بياض، وأن نسق تقاربها أو تصادمها مع السلطة لا يكون مبينا إلا وفق الملفات المطروحة على طاولة التفاوض.

كما تشير بداية تبخّر خطوات الود بين الحكومة واتحاد الشغل إلى أن النقابيين استبقوا شيئا مما يدور ما برأس السلطة التنفيذية من أفكار في مقدمتها التخلّص من أعرق المؤسسات العمومية للقطاع الخاص، وهو ما تعتبره المنظمة الشغيلة خطا أحمر لا يمكن حتى التفكير بالتفاوض فيه.

ولئن كان دق ساعة تمرّد المنظمة العمالية على رئيس الحكومة مفاجئا خاصة في توقيته، فإنه لم يكن وليد اللحظة أو نتاج تفاعل مزاجي مع السلطة، بقدر ما كان نتاجا للعديد من التراكمات التي رافقت منعرج دخول الاتحاد العام التونسي للشغل لجبة الحكم ومساندته ومناصرته لخيارات الحكومة.

ولم تكن تذمّرات وتحفظات الآلاف من النقابيين منهم اليساريون والعروبيون خاصة خافية بسبب التقارب الكبير بين الطرف الحكومي ومنظمتهم العريقة، وفي المقابل كان الطبوبي يدرك أيضا أن النقابات الوازنة- ومن أهمها نقابات التعليم والصحة- تترصّد كل تحركاته وسكناته وتتلقف كل مواقفه، لينتهج الرجل سياسة ذكية قدم فيها كل مطالب منظوريه على مصلحة الحكومة حتى إن تعلق الأمر بوجوب إقالة وزراء على شاكلة ما حصل مع وزير التربية ناجي جلول أو وزير الصحة سعيد العايدي أو وزيرة المالية لمياء الزريبي.

ولم تقتصر ضربات اتحاد الشغل وردّات فعله القوية على حصر الحكومة في زاوية النقد، بل تفاعلت مع كل ضجيج أحدثته الأحزاب السياسية أو زعماؤها كرد الطبوبي المزلزل على دعوة زعيم النهضة راشد الغنوشي لرئيس الحكومة بالالتزام بعدم الترشّح للانتخابات الرئاسية 2019، بقوله “من أنت كي تقرر مصير الرجل؟”.

ولخّض أمين عام المنظمة الشغيلة ماضي وحاضر ومستقبل الخط السياسي لنقابته بإعلانه صراحة وللجميع بأن الاتحاد لا يخجل من أحد لا من الحكومة ولا من رئيسها ولا من زعماء الأحزاب السياسية، ليتُرجم بمخاطرة مساندة الحكومة فلسفة جديدة تتلخّص في الاقتراب من النار ومواجهتها وعدم الاحتراق بها تماما كطائر السمندل.

كل رسائل الاتحاد المعلنة والمبطنة تعامل معها رئيس الحكومة يوسف الشاهد بحذر شديد ولكن بتحليل وتوصيفات ضمنية قد تحيل المتابع للشأن السياسي على حقيقة مفادها أن الشاهد استوعب جيدا كل رسائل نورالدين الطبوبي بتلميحه في الحوار التلفزيوني الأخير، إلى أنه فهم أن المنظمة الشغيلة تستعد لسحب البساط لا من تحت أقدام بعض وزرائه فحسب، بل حتى من تحت أقدامه هو، وذلك عبر قوله “إنّ التغيير المستمر في الحكومات لا يخدم مصلحة تونس”.

ورغم إدراك رئيس الحكومة لوزن اتحاد الشغل وثقله، إلا أنه بدا أيضا قويا وواثقا من نفسه عبر اقتباسه من أدبيات المنظمة الشغيلة مفردة “الخطوط الحمراء” وتشبثه بترديد رسالة واضحة مفادها أن التعديل الوزاري من صلاحياته هو فقط وأنه لم يحن وقته بعد.

ولا يمكن توصيف تفاعل رئيس الحكومة مع تمرد اتحاد الشغل أو تهديده بالخروج من الحزام السياسي الداعم للحكومة سوى بالمرآة الحقيقية التي عكست بشكل واضح حجم الخلافات وحقيقتها بين الطرفين، خصوصا أن قيادات الاتحاد تلقفت وفهمت جيدا كل همزات خطاب الشاهد ليُقر أمينه العام المساعد سمير الشفي بوجود أزمة حقيقة بين الحكومة وبين الطرف النقابي، أو بتأكيده أن الحكومة ورئيسها دخلا في مستنقع الصراعات السياسية خدمة لأجندات الانتخابات البلدية المقبلة.

9