الاتحاد العام التونسي للشغل والرهان الانتخابي

الانتخابات القادمة في ظل الوضع السياسي الحالي ستؤدي إلى سيطرة القوى المتدثرة بغطاء الديني الساعية إلى تشكيل طبقة من أثرياء التحول من القطاع العام إلى القطاع الخاص، لخدمة مشروع الإسلام السياسي.
الخميس 2019/01/24
هل يتجه الاتحاد العام التونسي للشغل إلى أن يكون حزبا عمّاليا؟

أن يعلن الاتحاد العام التونسي للشغل أنه معني بانتخابات الربع الأخير من العام الجاري الرئاسية والتشريعية، فذلك يعني أننا أمام حدث مهمّ سيكون له تأثير بالغ على المشهد السياسي في البلاد.

فالمنظمة النقابية الأعرق عربيّا وأفريقيّا، وإن كانت على امتداد تاريخها منذ تأسيسها عام 1946 فاعلة في كل الأحداث والتحوّلات الوطنية الكبرى، كمعركة التحرير والاستقلال وبناء الدولة الحديثة والدفاع عن مقومات الحداثة والمدنية، إلى جانب دورها الاجتماعي الرائد، تبدو اليوم أكثر حرصا على أن تخوض غمار العمل السياسي بما لها من رصيد نضالي وتاريخي، ومن إمكانيات بشرية ومادية ولوجستية، ومن أهداف تسعى إلى تحقيقها على رأسها الدفاع عما تبقّى من أسس كيان الدولة المهدد بسبب الضعف الواضح في أداء الأحزاب والمؤسسات، وغياب الرؤية لدى النخب السياسية، والمخاطر الفعلية التي تواجه استقلالية القرار والسيادة الوطنيين.

من أبرز ما يميّز الاتحاد العام التونسي للشغل أنه يمتلك خبرات استشارية تتكوّن من كوادر وطنية على أعلى مستوى من المعرفة والاطلاع على الواقع واستشراف المستقبل، ومتابعة ما يدور في كواليس السياسة المحلية والإقليمية والدولية، وعندما تحدث القادة النقابيون عن مؤامرات تحاك ضد المنظمة، فهم يدركون جيدا أن تلك المؤامرات إنما تدخل ضمن واقع دولي تسيطر عليه قوى الرأسمالية والليبرالية الجديدة التي تهدف في ما تهدف إليه إلى تخفيض الأجور، وحلّ النقابات العمالية وتهميش حقوق العمال التي حصلوا عليها عبر سنوات من الكفاح، وعدم التدخل لضبط الأسعار.

وإتاحة الحرية الكاملة لحركة رؤوس الأموال والبضائع والخدمات وتقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية مثل التعليم والرعاية الصحية وتخفيض الإنفاق على الضمان الاجتماعي وخدمات المياه والكهرباء، تحت مسمى تقليص دور الدولة والخصخصة عبر بيع المشروعات والبضائع والخدمات التي تمتلكها الدولة إلى رجال الأعمال، والقضاء على مفهوم الصالح العام واستبداله بمصطلح “المسؤولية الفردية”، والضغط على الشرائح الأفقر في المجتمع من أجل البحث عن حلول لمشاكلهم الخاصة بنقص الرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي بأنفسهم.

والواقع أن هناك بوادر لكل ذلك وغيره في تونس الجديدة، منذ عام 2011 تاريخ الإطاحة بالنظام السابق، وكان واضحا أن قوى أجنبية، وعلى رأسها بريطانيا، تعمل على التسويق لهذا المشروع وتمويل جهات ذات توجهات ليبرالية مجحفة لتمرير المخطط وتنفيذ بنوده، بينما تقوم أحزاب بعينها معروفة بتوجهاتها اليمينية وعلى رأسها حركة النهضة بالإشراف العام من خلال دورها في البرلمان وداخل كواليس قصر الحكومة، وكذلك من خلال الوزارات ذات العلاقة، لذلك لم يكن مستغربا أن تظهر علامات الجفوة بين الإسلاميين واتحاد الشغل الذي يتهمونه بأنه حليف موضوعي لما يسمونه باليسار الاستئصالي، ويجندون جيوشا إلكترونية منذ عام 2012 لمهاجمته والتشكيك في وطنيته واتهام قياداته بالفساد وبالوقوف وراء الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعرفها البلاد حاليا.

وما الأزمة التي تعرفها البلاد حول قضية الزيادة في أجور موظفي الوظيفة العامة، والتي كان من تمظهراتها الإضراب العام في 17 يناير الجاري، والإعلان عن إضراب عام ثان بيومين في فبراير القادم، إلا نتيجة للتحالف الحكومي القائم حاليا، الذي تضغط فيه حركة النهضة على رئيس الحكومة لتنفيذ أجندة يقف وراءها عرّابوها الدوليون، ثم تدفع به لتحمل المسؤولية على حساب رصيده السياسي، وهي تدرك جيدا أن الأزمة الاجتماعية كفيلة بإحراق جميع أوراقه في الانتخابات التي يسعى إلى خوضها بحزبه الجديد.

فمنذ أواخر 2011 وحركة النهضة في الحكم، ولم تغادره في أيّ تشكيل حكومي تقريبا، وقام وزراء منها بالإشراف على كل الوزارات ما عدا وزارة الدفاع، وتمكنوا من معرفة كل الملفات، ومن اختراق مختلف مفاصل الدولة عبر الانتدابات الوظيفية، وأضحت الحركة تمثّل القوة الأكثر تنظيما داخل المؤسسات القائمة، وأصبح هاجسها الأبرز حاليا هو الفوز الكاسح في الانتخابات القادمة، الرئاسية منها أو البرلمانية، واتفقت مع كتلة الائتلاف الوطني الداعمة ليوسف الشاهد على تمرير قانون العتبة الانتخابية بـ5 بالمئة، ما سيؤدي وفق المشروع الخفي، إلى إقصاء المعارضة اليسارية المتهمة بأنها داعمة للنقابات ومتحالفة معها.

ولا شك في أن الاتحاد العام التونسي للشغل يتابع كل ذلك، ويعرف أن استهدافه المباشر مسألة وقت لا أكثر، وأن هناك اتفاقا حول ذلك بين قوى داخلية وخارجية، وأن الانتخابات القادمة في ظل الوضع السياسي الحالي ستؤدي إلى سيطرة القوى اليمينية المتدثرة بغطاء الدين، والساعية ضمنا إلى تشكيل طبقة جديدة من أثرياء التحوّل المنتظر من القطاع العام إلى القطاع الخاص، لخدمة مشروع الإسلام السياسي في وجهه الحقيقي المرسوم وفق قواعد الليبرالية الجديدة التي ستتحول إلى إلغاء الدور الاجتماعي للدولة في مجتمع لا يزال قيد البناء والبلورة الفعلية لأولوياتها.

وعندما يعلن اتحاد الشغل أنه معني بالانتخابات، وإن انزعج المنزعجون وفق مقولة أمينه العام نورالدين الطبوبي، فإنما يؤكد أنه يتجه لخوض المعركة الأخيرة مدفوعا إليها بغريزة الدفاع عن مقومات البقاء أمام محاولات استهدافه، ولكنها الغريزة التي تتحول إلى إستراتيجية عملية انطلاقا من رؤية واضحة للمشهد كما يدور في الخفاء، حيث يرادُ للعشرية القادمة أن تكون عشرية الحرب على الاتحاد وإلغاء دوره، وربما القضاء عليه نهائيا، وهو ما سيواجهه النقابيون بقوة، معتمدين على ماكينة يمكن القول إنها الأقوى حاليا ليس اجتماعيا فقط وإنما بقدرتها على التجييش السياسي كذلك، وهو ما تبين في الإضراب العام الأخير عندما انتصرت الصفة النقابية على القناعات السياسية لأصحابها، وتجاوزت نسبة المضربين عن العمل 95 بالمئة من عموم موظفي وعمال الوظيفة العمومية والقطاع العام.

ولكن هل سيخوض الاتحاد انتخابات 2019 مباشرة أم عن طريق دعم مرشحين من خارجه؟ هذا السؤال يمكن أن تجيب عنه الأيام والأسابيع القادمة، وإن كان يبدو أن النية تتجه إلى قوائم مشتركة مع قوى سياسية لا تزال تدافع عن الدور الاجتماعي للدولة، وهي ليست يسارية بالضرورة، ولكن يمكن أن تكون وسطية معتدلة ومتفهمة لمطالب العمال، وكذلك لمسائل تتعلق بالوطنية التونسية، خصوصا وأن الاتحاد أكد في أكثر من مناسبة أنه معني بكل ما يتصل بالواقع العام للبلاد، بما في ذلك القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية، وما دعوته الأيام الماضية الحكومة إلى الإسراع بالكشف عن حقيقة الجهاز السري لحركة النهضة إلا تأكيد على أنه لصيق بمختلف المستجدات، وأنه القوة التي تبقى بإرثها التاريخي والنضالي ودورها الاجتماعي فوق بقية القوى، وخاصة الحزبية منها، وأنه صمّام الأمان للتونسيين في وجه عاصفة التحولات التي فرضت عليهم ولا تزال تفرض من خلال أدوات مرتبطة بمشاريع عابرة للقارات، وتنظر إلى عموم الشعب نظرة من أعلى ربوة المصالح والحسابات الحزبية والشخصية الضيّقة

يبقى في الأخير هل يتجه الاتحاد العام التونسي للشغل إلى أن يكون حزبا عمّاليا؟ هذا الاحتمال غير متوقّع على الأقل خلال السنوات القادمة، رغم أنه سيتجه للفعل السياسي الحقيقي، فالتونسيون في جانب كبير منهم لا يزالون يصدّقون المنظمة النقابية أكثر مما يصدّقون الأحزاب السياسية، وإن كان البعض وخاصة من مناوئيه ينظرون إليه كحزب في عباءة نقابية، وهو ما تم ترويجه في عواصم غربية عدة، ما جعل سفير هولندا يخاطب راشد الغنوشي مؤخرا: لا نرى حزبا حقيقيا إلا حزبكم ولا حزب يضاهيكم إلا الاتحاد العام التونسي للشغل.

8