الاتحاد العام التونسي للشغل ودوره في مستقبل تونس

الثلاثاء 2014/10/14

اكتسب الشعب التونسي وعيه النقابي مبكرا، وكان ذلك قبل الاستقلال بعد أن نشأت فيه طبقة عاملة واسعة في قطاعات مثل السكك الحديدية والمناجم والزراعة، وبفعل تركيز ضيعات فلاحية في مناطق الشمال والشمال الغربي والوطن القبلي والساحل، ومجاميع صناعية وتحويلية حيث المناجم والثروات الباطنية في منطقة الحوض المنجمي ومنطقة الجريصة بجهة الكاف والصخيرة بجهة صفاقس وغيرها. وبسبب الاستغلال الرأسمالي الاستعماري، تكرس الوعي النقابي الذي انتهى إلى بعث الاتّحاد العام التونسي للشغل، وهو منظمة نقابية وطنية تونسية عريقة أسسها الشهيد فرحات حشاد سنة 1946 للدفاع عن الطبقة الشغيلة من استغلال المعمرين الفرنسيين. كما انخرط الاتحاد في حركة التحرر الوطني لمقاومة الاستعمار الفرنسي.

وبعد استقلال تونس سنة 1956، خاض اتحاد الشغل محطات نضالية كبيرة مشعة في تاريخ تونس الحديث أهمها، على الإطلاق، أحداث 1978 ضد استبداد النظام الدستوري وأحداث الخبز سنة 1984. وكان دوره حاسما في ثورة ديسمبر 2010/ جانفي 2011 حيث فتح الاتحاد داره المركزية ومقراته الجهوية والمحلية في مختلف ربوع تونس لنجدة المحتجين وحمايتهم وإخفائهم وتأمينهم من ملاحقات البوليس. وكان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي قد أقر من ملجئه الاختياري في لندن، أثناء اشتعال الثورة التونسية، بأن الاتحاد هو من يقود الثورة ويحتضنها ويؤطرها. وهو الدور الذي لعبه، فعلا، قادة الاتحاد لا سيما في الجهات الداخلية ومنطقة الحوض المنجمي.

ما سميناه الوعي النقابي الذي اكتسبه الشعب التونسي مبكّرا، لم تفهمه حكومتا الترويكا الأولى والثانية اللتان استلمتا الحكم عقب انتخابات 23 أكتوبر 2011 التأسيسية. ولم تدركه حركة النهضة التي قادت الترويكا. فتعاملت مع الاتحاد بصلف ولي ذراع. ولم تيأس من محاولات تفتيته بشعارات متعددة، أهمّها شعار التعددية النقابية تحت غطاء مخاتل، هو تكريس الممارسة الديمقراطية، ورغبة في شلّ دوره الوطني.

كانت حركة النهضة تعرف حجم اتحاد الشغل تنظيميا واجتماعيا وتاريخيا، وتدرك ثقله الشعبي باعتباره حصن التونسيين الحصين. وكانت قد قدرت أن التمكين لمشروعها الإخواني لن يكون دون ضرب الاتحاد. فتم بعث الميليشيات العنفية وتوجيهها أساسا للاعتداء على الاتّحاد ومناضليه ودوره بمناسبة كل إضراب قطاعي.

وأشهر الاعتداءات، كان هجوم ميليشيات حماية الثورة على المقر المركزي للاتّحاد يوم 4 ديسمبر 2012 لمّا كان النقابيون يحتفلون بإحياء ذكرى اغتيال الزعيم حشاد. وكانت الغاية من الهجوم احتلال المقر وتخريبه وإتلاف تاريخه وتشتيت النقابيين.

وشن إعلام الترويكا، ومن والاها، حملات إعلامية متكررة لتشويه الاتحاد وتخوينه وهز صورته عند التونسيين. وأدت المساجد “المحتلة” من قبل المتشددين من أنصار حركة النهضة والسلفيين دورا لا ينسى في شحن الناس ضد الاتحاد، وتكفير النقابيين، وتحريم العمل النقابي. ونتيجة لهذه الحملة تعرضت حياة النقابيين للخطر، وأهدرت دماء الأمين العام حسين العباسي والأمناء العامين المساعدين مثل بوعلي المباركي.

ولكن الاتحاد صمد أمام هذه الاعتداءات المخطط لها، وتمكن من امتصاص كل الضربات التي وجهت إليه. وأصر على مبادئه التي تحتم عليه الانتصار للعمال والفلاحين والفئات الضعيفة.

ولم يتزحزح قيد أنملة عن دفاعه عن قيم الحداثة والتقدم والمدنية والتنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية ومكاسب الشعب التونسي الاجتماعية وثرواته الوطنية. ووجد الاتحاد كل الدعم والتضامن من القوى التونسية الوطنية والتقدمية.

إنّ عدم إدراك ما سميناه الوعي النقابي من قبل حركة النهضة، وربيبها حزب المؤتمر، يتجلّى في كونهما يعتقدان أن الإضرابات القطاعية التي يخوضها الاتحاد دفاعا عن حقوق منظوريه ومطالبهم ليست ممارسة نقابية ديمقراطية، بل كانا يريان فيها تعطيلا مقصودا لحكومة الترويكا رغم أن الاتحاد العام التونسي للشغل لم يوقف إضراباته دفاعا عن منظوريه في عهدي بورقيبة وبن علي رغم العنف والاستبداد اللذين واجههما النقابيون آنذاك.

ما لم تقبله حركة النهضة، أيضا، هو المسؤولية السياسية الوطنية لاتحاد الشغل. فهو، وإن كان لا يتدخل في سياسات الحكومات التونسية، فإنه يقيم النتائج. ويقف سدا منيعا أمام الخيارات الفاشلة التي تؤدي إلى إهدار الثروات الوطنية، أو الإساءة إلى سمعة تونس أو تهديد أمنها واستقرارها. هذا الدور لعبه اتحاد الشغل باقتدار بعد الثورة وبعد انتخابات 23 أكتوبر التأسيسيّة. وتعرض بسبب دوره الوطني ذاك إلى ما أشرنا إليه أعلاه من اعتداءات.

ولمّا احتدت الأزمة السياسية في تونس بعد نفاذ سنة الشرعية الانتخابية ودخول الترويكا مرحلة الاستيلاء على الحكم وإدخال تونس في نفق الاغتيالات السياسية والإرهاب والأزمات الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية المتتالية، لم تجد حركة النهضة ملاذا يقيها تبعات الفشل الذي تردت فيه حكومتها إلا الاتحاد العام التونسي للشغل.

فتحمل الاتحاد كعادته مسؤوليته الوطنية وقاد الحوار السياسي الوطني الذي انتهى إلى إنقاذ تونس من المجهول. جهود الاتحاد في قيادة الحوار الوطني قادت تونس إلى دستور جديد، وإلى النجاح في تحديد مواعيد انتخابية وطنية ستفرز بعد أيام حكام تونس الجدد.

كما يواصل اتحاد الشغل مراقبة سير خارطة الطريق المنبثقة عن الحوار الوطني الذي قاده بنفسه، وأفرز حكومة ملتزمة بعدم الترشح للانتخابات القادمة. وفي هذا الإطار كان موقف الاتحاد قاطعا في التصدي لسعي حركة النهضة لترشيح رئيس الحكومة المؤقتة مهدي جمعة لرئاسة الجمهورية، خلافا لتوافقات خارطة الطريق والمراهنة عليه مرشحا توافقيا يستجيب لمقترح المرشح التوافقي الذي طرحته حركة النهضة ورفضه اتّحاد الشغل والأحزاب والمنظمات الكبرى.

وأمام إعلان الاتحاد رفضه لترشح مهدي جمعة التزاما بخارطة الطريق، وجد رئيس الحكومة المؤقتة نفسه مضطرا لإعلان قراره عدم الترشح في ندوة صحفية.

وكان الاتحاد قد أعرب، في أكثر من مناسبة، بأنه ليس معنيا بالحكم، وبالتالي لن يقدم قائمات انتخابية مستقلة في الانتخابات البرلمانية ولن يشارك في الحكومة المقبلة.

كما يعرف اتحاد الشغل أن الحكومات والأنظمة التي تعاقبت على حكم تونس منذ الاستقلال إلى زمن الترويكا كانت ذات توجهات رأسمالية ليبرالية فرطت في الثروات الوطنية، ووسعت دائرة الفقر وعمقت الفوارق الاجتماعية بين الطبقات والفئات والجهات، وهو ما دفع الاتحاد إلى خوض نضالات استنزافية من أجل التصدي لتلك السياسات والدفاع عن حقوق الفقراء والضعفاء والعمال.

ويدرك اتحاد الشغل أن قوى ثلاثا ستتنافس في الانتخابات البرلمانية والرئاسيّة القادمة، وهي أحزاب الترويكا الثلاثة بما لها من دعم أجنبي وضخ مالي كبيرين، وأعوان النظام القديم المستفيدون من سقوط فصل العزل السياسي من القانون الانتخابي بسبب تصدي حركة النهضة لتمريره، والقوى التقدمية الديمقراطيّة القريبة من الطبقات الشعبية ومن الثورة ومطالبها.

تعرض الاتّحاد عبر تاريخه لأذى النظام القديم فتصدى له وساهم في إسقاطه محتضنا الانتفاضة الشعبيّة التي اشتعلت يوم 17 ديسمبر 2010 ولم تهدأ إلا بهروب بن علي يوم 14 جانفي 2011. وتعرض الاتحاد لاعتداءات الترويكا فتصدى لها بمساعدة القوى التقدمية والديمقراطية والمدنية والشعبية وساهم في إنقاذ تونس من مهاوي المجهول الذي تردت فيه بسبب فشل الترويكا في الحكم واستيلائها عليه دون شرعية. ولذلك لا يبدو من المنطقي أن يدعم الاتحاد أحزاب النظام القديم ولا أحزاب الترويكا.

يعلن الاتحاد دائما عن حياده السياسي في مواقفه الرسمية. ولكنّ المعروف أن قادته ومناضليه ينتمون، أساسا، إلى العائلة اليسارية العمالية والعائلة الوطنية الديمقراطية والعائلة القومية. فهل يتحد النقابي والسياسي، ذويْ الأصل الواحد، ليقلبا باتحادهما الموازين من أجل مستقبل تونس؟


كاتب وباحث سياسي من تونس

9