الاتحاد المتوسطي وضرورة تحوير مسار برشلونة

إصلاح الاتحاد من أجل المتوسط لن يتأتى إلا بتعديل "وثيقة برشلونة"، وتحويلها من سياق الأمن إلى الاستثمار، ومن فلسفة العصا الغليظة إلى الاقتصاد البناء.
الثلاثاء 2018/08/07
زيارة مهمة لتونس أكثر منها للمنتظم الإقليمي

محاولات الأمين العام المنتخب حديثا لمنظمة الاتحاد من أجل المتوسط السفير ناصر كامل ضخّ الدماء في جسد التكتل الإقليمي الرابط بين ضفتي البحر المتوسط، قد تكون أقرب إلى شحن القلب بصدمات كهربائية عساها تعيد له النبض وقوة الدفق من جديد.

ذلك أنّ التكتل الإقليمي الجامع بين دول ضفتي البحر المتوسط، غاب عن أحلك الاستحقاقات الأمنية والسياسية والاستراتيجية التي مرت بها المنطقة المتوسطية من الحرب في ليبيا وعليها، إلى إشكاليات الهجرة غير الشرعية، وصولا إلى التباين الحادّ بين دول جنوب المتوسط وشمالها حيال مشاريع غوانتنامو اللاجئين والمهاجرين.

وعلى مدى أكثر من عقد لم ينجح الاتحاد المتوسطي في تحقيق أي هدف من أهدافه الاستراتيجية الكبرى، والمتمثلة في تحقيق السلم والأمن في المنطقة وتأمين التكامل الاقتصادي وفرص الاستثمار بين الجنوب والشمال، ولم يقدر في أبسط الظروف من التحول إلى منصة حوارية إقليمية من شأنها تقريب وجهات النظر حيال الملفات الكبرى.

لا يختلف اثنان في أنّ الهاجس الأمني لدول الشمال من الجنوب، وتمثل الأوروبيين الجنوبيين لدور الأفارقة الشماليين في الوظيفية الأمنية وتصورهم كجنود حراسة على خطوط دفاعهم الأولى، سيطر على المدونة السياسية والخطابية للاتحاد المتوسطي وعلى كافة قممه، ولن نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ مسار برشلونة كان مسار عسكرة للضفة الجنوبية للمتوسط حيث اختزل إشكاليات الهجرة غير الشرعية في زوايا الأمن الأوروبي وخاصة في مقاربات الأمن الهوياتي، غاضا الطرف عن الجذور العميقة لمسألة الهجرة غير الشرعية والمتجسدة في انعدام الاستثمار وقلة فرص العمل واهتراء منظومة العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

وعلى مدى عشرية من الزمان، استحال المشروع المتوسطي إلى مجال استثمار وتوظيف للكثير من الرؤساء والمسؤولين الأوروبيين، فالرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي اعتبره مجال مناكفة لاسترداد مجد فرنسا مقابل أميركا المتمردة، فيما تمثله الزعماء الإيطاليون كمجال نفوذ بديل عن الاتحاد الأوروبي الذي يقبع تحت النفوذ الفرنسي والألمانيّ.

تتحدث مصادر من داخل الاتحاد إلى أنّ الصيغة الأولية لانبثاق الاتحاد المتوسطي والمتمثلة في معادلة (5+5)، بقيت العمود الفقري لهيكلة الاتحاد ولمشاريعه ولخطابه، وأن الانفتاح على باقي الدول الأخرى كان بمثابة التطوير بعد اكتمال البناء الأصلي.

ورغم صحة هذه المقاربة، إلا أنّ الصحيح أيضا أنّ الاتحاد لم يبتغ إدخال يده في عش دبابير شرق المتوسط، حيث الملف الفلسطيني المشتعل، وقضايا الحدود المائية والبرية بين إسرائيل ولبنان، والاشتباك اليوناني التركي، والتشابك التركي القبرصي، والتركي الأرمني، وكلها ملفات شبيهة بحقول الألغام قابلة للانفجار في وجه كل من يقترب منها.

في مثل هذا السياق الحساس، تأتي زيارة الأمين العام للاتحاد المتوسط إلى تونس، والتي التقى خلالها رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزير الخارجية خميس الجهيناوي، وهي زيارة مهمة لتونس أكثر منها للمنتظم الإقليمي، لا فقط لأنّ تونس ستستحث من ورائها مشاريع اقتصادية واعدة، بل لأن تونس ستعيد تسجيل موقفها الثابت بأّنه لا حلّ للهجرة غير الشرعية عبر إرساء مخيمات لاجئين على أرضها أو مراكز إيقاف على مجالها البحري، وهو موقف تتشارك فيه مع كافة دول شمال أفريقيا.

ولئن كان خطاب الأمين العام للاتحاد المتوسطي، مطمئنا في سياق تأكيده بأنّ زيارته إلى تونس ذات عناوين اقتصادية صرفة، حيث أكد أن تونس شريكة في 39 مشروعا من أصل 51 آخر، إلا أنّ تحركات الساكنين الجدد في روما ما بين البيت الأبيض والعواصم العربية، والتباين بينهم وبين الرئاسة الفرنسية، والضغوط المستمرة على تونس من أكثر من جهة لاستقبال قوارب الهجرة من الذين غلقت دونهم الحدود الجنوبية الأوروبية كلها مقدمات تدعو إلى الكثير من الحيرة والتوجس.

لن نجادل في الجوانب الإنسانية لاستقبال قوارب الهجرة لمهاجرين اختاروا ركوب موج الموت على البقاء في يابسة جنوب المتوسط، فهذا واجب تونس، إنسانيا وقانونيا، ولكن أن يتحول الأمر إلى عبء لوجستي ومادي تتحمل تونس وزره، دون باقي دول المنفذ والمقصد، فهو من باب فرض الأمر الواقع بالإكراه، وهو ما لن تقبله تونس أيضا.

أمام ناصر كامل فرصة تاريخية لإصلاح الاتحاد المتوسطي عبر إصلاح مساره وفلسفته الكبرى، ولن يتأتى هذا الأمر إلا بتعديل الوثيقة التأسيسية “وثيقة برشلونة”، وتحويلها من سياق الأمن إلى الاستثمار، ومن فلسفة العصا الغليظة إلى الاقتصاد البناء ومن مقاربة “الجنوب في خدمة الشمال” إلى الجغرافيا التشاركية.

9