الاتحاد المغاربي.. 32 عاما من الإصرار على الفشل

غياب الديناميكية المغاربية الموحدة حتى الآن يكمن بالأساس في عدم توافق الأنظمة السياسية لدول المنطقة، فضلا عن تقلبات التاريخ والمواقف الجيواستراتيجية وتأثيراتها الدبلوماسية.
الجمعة 2021/02/19
غياب الاندماج السياسي

المغرب العربي الكبير كتكتل يمنحنا شعورا بعدم مواكبة التطورات والتغيرات الطارئة في أجزاء أخرى من العالم، إذ تتفاقم المشاكل الرئيسية في هذه المنطقة الاستراتيجية أكثر مما يتم حلها والوضع العام لا يتقدم إلى المستوى الذي يحق لنا توقعه، ونحن نقف على أطلال 32 عاما من تأسيس الاتحاد المغاربي، والذي صار مناسبة شكلية بروتوكولية يتبادل فيها قادة المنطقة رسائل “التهنئة” بولادة هذا الكيان المريض.

الكثيرون تفاءلوا بأن تكون رياح التغيرات الجيوسياسية التي ضربت تونس وليبيا ضمن ما يسمّى بـ”الربيع العربي”، وما تلاها من حراك شعبي في الجزائر للقطعية مع الطبقة الفاسدة، والمساعي المغربية الحثيثة لإبقاء أبواب الحوار مفتوحة مع الجميع، ومحاولات موريتانيا الدبلوماسية لرأب الصدع بين “الأخوة” (المغرب والجزائر)، كفيلة برسم معالم أكثر وضوحا لهذا التكتل بعد سنوات من الجمود.

الكل كان ينتظر ربيعا لاتحاد المغرب العربي ومستقبلا مشرقا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لشعوب المنطقة. حتى أن تنامي النشاط الإرهابي، الذي شكّل تهديدا حقيقيا ومباشرا لأمن المنطقة واستقرارها في العشرية الأخيرة، لم يشفع لدول الاتحاد المغاربي لتكوين جبهة مشتركة ذات فاعلية يمكن من خلالها بناء قاعدة صلبة تقطع مع الماضي وتنظر إلى المستقبل، بل فضلت البحث عن منافذ أخرى بحثا عن التنفيس.

الأبصار ظلت شاخصة لسنوات تنتظر استفادة دول المنطقة من كل ما حدث لترى اتحادا بين القادة، والذي سيحقق التكامل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي بين شعوب المنطقة التي راحت ضحيّة الخلافات. وما إذا كان سيساعد النظام الجديد في تونس وليبيا في إيجاد استراتيجية بديلة لإحياء الاتحاد وإخراجه من حالة “الموت السريري” الذي يعاني منه، إلى حالة من النشاط والحيوية والتعاون والتكامل بين دوله رغم الهوّة العميقة بين أهم عضوين فيه.

المتأمل في واقع اتحاد المغرب العربي اليوم سيصاب بخيبة أمل كبيرة. لكن هذا ليس مستغربا، وذلك بالنظر لما يعانيه من تعثر في مسيرته وجمود في تطبيق العشرات من الاتفاقيات المبرمة في ما بين الدول الأعضاء. الواقع يشي بوضوح بأن هذا الاتحاد يعدّ من أكبر التكتلات السياسية فشلا في التاريخ الحديث، وبات يوما بعد يوم يفقد حتى أسباب ودواعي وجوده، ويمنحنا فكرة واحدة هي أن هذه الدول مُصرّة على إعادة تدوير الفشل.

ثمة دلائل عديدة لا يمكن اختصارها في قضايا معيّنة ذات أبعاد استراتيجية صرفة تشير إلى أن الاتحاد ولد ميّتا. فالعلاقات بين دول المنطقة مرّت طيلة العقود الماضية بسلسلة من التقلبات والهزات السياسية والأمنية والاقتصادية، واتجه كل بلد منها إلى رسم معالم علاقات جديدة خارج نطاق هذا التكتل، بدليل أنه لم تعقد أي قمة على مستوى القادة منذ قمة تونس في العام 1994. فهل هناك تشرذم أكثر من هذا؟

إن عدم تحقيق أهداف الوحدة يعود إلى أسباب كثيرة يتعلق بعضها بالعلاقات السياسية بين دول المنطقة وبطبيعة اقتصاد كل بلد، وبعضها يتعلق بالأيديولوجيا والثقافة، فيما يرتبط بعضها الآخر بالتاريخ والمؤسسات القائمة. لكن أيضا المتغيرات التي حصلت على الساحة في الأشهر الأخيرة من خلال اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على صحرائه وتطبيع المغرب علاقته الدبلوماسية مع إسرائيل كانت بمثابة كتابة فصل النهاية لهذا التكتل.

المنطقة المغاربية لم تنجح في اندماجها السياسي بسبب غياب الإرادة السياسية، فالعوامل التفسيرية لذلك الفشل كثيرة وعلى مستويات مختلفة وتتركز بشكل أساسي في قضية الصحراء، وبالتالي على التنافس الجيواستراتيجي بين المغرب والجزائر، الذي ظل عقدة عصيّة عن تفكيك لغز مفرداته رغم محاولات العاهل المغربي الملك محمد السادس لإزالة غيوم الجفاء والقطعية مع السلطات الجزائرية الجديدة.

وإذا بدا هذا الصراع هو العامل الرئيسي الذي يعيق بناء الاتحاد المغاربي، فإنه يوضح عدم قدرة الجزائر والمغرب على التقارب منذ “حرب الرمال” في 1963، في ظل علاقة عدم الثقة، وأحيانا العداء، حينما حمّلت الرباط المخابرات الجزائرية مسؤولية تفجير فندق مراكش في 1994، وفرضت التأشيرة على الجزائريين، لتردّ الجزائر بإغلاق حدودها.

غياب الديناميكية المغاربية الموحدة يكمن بالأساس في عدم توافق الأنظمة السياسية المغاربية وعجزها عن التقارب، ناهيك عن الاختلافات في مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك تقلبات التاريخ والمواقف الجيواستراتيجية. كل تلك العوامل ساهمت في زيادة الصعوبات وتعقيد الوضع المكبل أصلا.

رغم هذه التعقيدات إلا أن قادة الدول بإمكانهم تجاوز مشكلة الانطوائية إذا ما قاموا بتحريك الدبلوماسية، فإعادة إحياء الاتحاد أمر لا مفرّ منه تمليه التحديات الدولية والواقع الاقتصادي الذي يحكمه منطق السوق، فأي تكتل لديه وسيلة للاحتماء من المخاطر الخارجية المتزايدة بأبعادها العسكرية والاقتصادية والسياسية، ومدخل لتحقيق التنمية الشاملة. ثم لماذا لا يتم التفكير بجدية في ضم كل من مصر والسودان بالنظر إلى أهميتهما في شمال أفريقيا لتوسيع قاعدة الاتحاد؟

باستثناء عدة إنجازات تحققت من خلال هياكل بعيدة عن فلك السياسية، رغم أن الدوافع قد تكون سياسية، مثل اتحاد الغرف التجارية للمغرب العربي أو اتحاد صحفيي المغرب الغربي، على سبيل المثال لا الحصر، لا يمكن القول إننا متفائلون بمستقبل هذا التكتل لسبب بسيط وهو غياب أسس الديمقراطية الحقيقية والحوكمة والاستغلال الأمثل للثروات المادية والبشرية، التي يفترض أن تكون أسسا لبناء قوة إقليمية ذات ثقل استراتيجي.

7