الاتعاظ من تجارب الماضي سبيل لتخطيط المستقبل

عملية الاسترجاع بالمعنى السردي الحكائي للكلمة هي العودة إلى الماضي والنبش فيه وفق ما ترسّب على سطحه المرن الأملس من نتوءات لا يمكن إخفاؤها أو نسيانها أو التغافل عنها.
الأحد 2018/04/22
مسارات حياتنا مسطّرة

دخلت العقد الخامس من عمري وتراءت لوحة عدّاد السنين في ذاكرتي تسرع دون هوادة، حتى أن ما مضى من العمر يبدو في بعض الأحيان مثل السراب يُرى ولا يُلمس لشدّة ضبابيته، ويلحّ عليّ السؤال الوجودي المحيّر: ما مهمتك في الحياة، وماذا أنجزت وماذا لم تنجز، وهل أصبت في اختياراتك أم سلّطت عليك بحيث لم يكن بوسعك الاختيار أصلا؟

تُطرح هذه المسألة على مستوى شخصي ذاتي وعلى مستوى أسري واجتماعي، خاصة إذا فكّر الواحد منا وهو يلاقي مشقة مترتبة عن إنجاز فعل أو أمر أو عمل ما، فيقول في نفسه “كان في الإمكان خير مما كان، كنت أستطيع إنجاز هذا العمل عندما كان عمري كذا وكانت الظروف الجسدية والمادية أفضل”. إنه نوع من جلد الذات وندم على ما فات.

عملية الاسترجاع بالمعنى السردي الحكائي للكلمة هي العودة إلى الماضي والنبش فيه وفق ما ترسّب على سطحه المرن الأملس من نتوءات لا يمكن إخفاؤها أو نسيانها أو التغافل عنها، فيقع إخراجها في سردية أقل ما يقال فيها إنها تمت بانتقائية مدروسة، لأنها بكل بساطة مثلت محطات هامة في حياة الفرد في الاتجاهين؛ علاقته بذاته وعلاقته بالآخرين من أفراد أسرته وجيرانه وأقربائه وأصدقائه وكل معارفه في مختلف مراحل حياته، والتي تختلف حتما رؤاه مع كل مرحلة جديدة، فالصبا والطفولة مرحلتان ليستا كما الشباب أو الكهولة، فكل مرحلة بطعمها الخاص.

لماذا نندم على فعل قمنا به في الماضي وقد أنتجه ظرفه، حتى وإن كان محفوفا بالبعض من التهوّر أو التجاوز؟ أعتقد أن كل فعل قمنا ونقوم وسنقوم به يكون نتيجة حاجة ووضع نفسي وعائلي واجتماعي شديد الخصوصية. كم من لامبالاة عشناها وكم من مغامرة لم نحسب عواقبها، وكم من علاقات عقدناها ثم تناسيناها وانزحنا عن مسارها بمحض الإرادة مع سبق الإصرار والترصد، وكم من حماقات ارتكبناها فقط من أجل النكتة والهزل.

لاحظت أن أولادي -رغم انشغالاتهم واهتماماتهم اليومية التي سحبتهم رويدا رويدا من الحضن العائلي الدافئ- يشتدّ شغفهم حين أعود بذاكرتي إلى فترتي طفولتي وشبابي فأروي لهم مغامراتي وطريقة لعبي ومهاتراتي وكيفية تواصلي مع أقراني وطبيعة المدرسة التي عايشناها ووسائل الترفيه المتوفرة، فتعلو محياهم غبطة لا أدري ما مأتاها وكأنهم يقارنون بين طبيعة حياتهم بنسقها السريع والمتسرع وبين ما كنا ننعم به -بكل بساطة- من بعض الهدوء والسكينة.

ونحن كبار واعون وقد سُطّرت مسارات حياتنا وأصبحنا مسؤولين بكل ما تحمله المسؤولية من معنى عن عائلات لم تعد منسجمة كما في الماضي وهو ما يُعسّر الأمر، وفجأة وفي كل مرّة ونحن نتصفح صفحات وسائط التواصل الاجتماعي نتلقى دعوة صداقة من بعض رفاق الطفولة والدراسة بمراحلها، فيغمرنا فرح عارم وكأنّ لحظة في ماضينا انشقت عن ذكرى تبتلعنا لبعض الزمن، فتنسينا إرهاصات حاضرنا ووطأة الزمن الذي خطّ ندوبه على محيّانا. نتجاذب أطراف الحديث ونتذكر بعض الأحداث الطريفة والغريبة أحيانا ونضحك ضحكا طفوليا بريئا، ونتواعد دون أن نقدر على الإيفاء بالوعد في أغلب الأحيان لأن حاضرنا لا يزال يحاصرنا بمشكلاته المتعدّدة.

من أشدّ ما يؤرق الإنسان في مرحلة الكهولة وبدايات الشيخوخة من عمره بعض التفاصيل والحيثيات الدقيقة التي تتعلق بعلاقته بوالديه تحديدا، خاصّة إذا رحلا عن هذه الدنيا، فيحسّ بمشاعر اليتم الحقيقية ويلازمه شعور قاتل عبارة عن خليط من التأنيب والندم والحسرة وجلد الذات. أمّا أنا فأتمنى -والتمني لغةً يفيد استحالة التحقق- أن يعود بي الزمن إلى حيث أستطيع أن أصوّب ما قد اعوجّ أو على الأقل أعتقد أنه اعوجاج، فيتراءى لي أنني قصّرت في حقّ والديّ وكان بالإمكان أن تكون علاقتي بهما أشدّ تماسكا وتوطيدا.

أعرف أنني حاولت أن أسعدهما بما تيسر لي من إمكانيات كما أعرف أيضا موقفهما الإيجابي مني ورضاهما عني، ومع ذلك أطرح سؤالا أزليا: كيف بإمكاني أن أبرّ والدي بعد مماتهما؟ الإجابات الدينية الشرعية قد تثلج الصدر ولكنها حسب اعتقادي غير كافية لجلب الطمأنينة والرضى.

إذن بالعودة إلى الماضي تتراءى لنا فجوات في ما قمنا به وما أنجزناه، فنحكم على بعضه بالتسرّع وعدم التريث ونحكم على البعض الآخر بالجهل وعدم المعرفة أو بالرعوانية والاستهتار أو بالأنانية وحب الذات وغيرها من الأحكام. المهمّ أنه لا مجال للعودة الفعلية إلى الماضي، ولكن التدارك ممكن بطريقتين؛ أولا التأكد من سلامة أفعالك ومنجزاتك المستقبلية بحيث لا تكرّر نفس الأخطاء التي وقعت فيها في الماضي سواء في علاقتك بذاتك أو في علاقتك بمن حولك. وثانيا نقل تجربتك إلى أبنائك وأفراد عائلتك ليتّعظوا من هفواتك التي لا يجب أن تستحي منها الآن.

21