الاتفاق الأميركي الإيراني وإعادة إنتاج الإسلام الإخواني

السبت 2015/02/28

أجبر الاتفاق الأميركي الإيراني حول المشروع النووي، الذي بات بحكم المنجز كما تشير مصادر عديدة، السياسة السعودية خاصة والخليجية عامة، على إنتاج ردة فعل تهدف إلى مواجهة ما تراه خطرا يهدد أمنها، ويمهد لتوسع النفوذ الإيراني في المنطقة.

ردة الفعل الخليجية جاءت على مستويين؛ داخلي تمثل في زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف إلى الدوحة، بنية إنهاء الخلاف مع قطر، والخروج بموقف موحد تجاه التحدي الإيراني. وخارجي تمثل في زيارة أمير قطر إلى أميركا، حيث التقى الرئيس الأميركي باراك أوباما وخرجا بتصريح موحد ينادي بضرورة رحيل الأسد.

بنت بعض مفردات السياسة الخليجية، في لحظتها الراهنة، منطقا يعتبر أن الرد الأبرز والأكثر واقعية وفعالية على التحدي الإيراني يكمن في إعادة إنتاج الإسلام السياسي السني، والانفتاح على جماعة الإخوان المسلمين. وتاليا تكوين حلف خليجي مصري، وإعادة تمكين التحالف مع تركيا، حيث أن إسقاط حكم الإخوان في مصر كان أبرز عناوين الخلاف معها.

لا يبدو أن الاتفاق النووي مع إيران سيكون دون ثمن سياسي يتضمن تطمينات للخليج الذي بات واضحا أنه فقد الثقة بواشنطن، فقد رشحت معلومات تشير أن هذا الاتفاق قد يفرض على إيران لجم اندفاع الحوثيين في اليمن والكف عن دعمهم، وتثبيت حكم عبدربه منصور هادي كرئيس شرعي، كما يتطلب كذلك التخلي عن بشار الأسد. حرصت السياسة الأميركية على إرسال رسائل مطمئنة بهذا الصدد، فقد اتهم كيري إيران بإسقاط الحكومة اليمنية، وكذلك يصب التصريح الذي خرج عن لقاء أوباما بأمير قطر والداعي إلى رحيل الأسد في الخانة نفسها. دول الخليج لم تر في تلك التطمينات الأميركية قيمة فعلية على الأرض، ويبدو أنها تتجه إلى خلق تيار إسلامي سني مواز لتيار دولة الفقيه الإيرانية كي يواجهها.

تتطلب عملية إنتاج هذا الحلف الإسلامي الإخواني الطابع نسف العلاقة مع مصر السيسي، وإعادة تعويم الإخوان المسلمين. هذه المهمة ليست سهلة على الإطلاق. ففي فترة حكم السيسي اقتصرت سياسته على تصوير الإخوان كصناع للشر المطلق، وعملت ماكينته الدعائية على خلق حالة عامة من فوبيا الإخوان، تم تصعيدها لتصبح معمل إنتاج السياسة الوحيد في البلاد.

أميركا كانت ترى في الإخوان المسلمين حليفا مناسبا لها وممثلا لنمط مقبول من إسلام لا يهمه في حال وصوله إلى السلطة سوى البقاء فيها. قام الإخوان المسلمون في مصر إبان تسلمهم للسلطة بتقديم نموذج سلوكي خلع عنه ثوب الإسلام الجهادي التوسعي، وصب اهتمامه على نشر الخرافات وتعميم الغيبيات، وهو ما يطابق تماما تصنيف الإسلام المقبول أميركيا.

هذا النوع من الإسلام الذي يراد إحياؤه لمواجهة التمدد الإيراني من شأنه أن يعيد إنتاج التخلف والجهل، ويعمق آثارهما في المجتمع، ويعيق أي محاولة لإنتاج الدولة، التي بات من الضروري التذكير بأن الإسلاميين عموما والإخوان خاصة يكنون لها عداء عميقا، ولا يستطيعون ولا يرغبون في إنتاجها، ويعملون على محاربة ما تبقى منها.

تتطلب مقارعة إيران اغتيال أي احتمال لقيام الدولة، والعودة إلى حالة من البداوة الإسلامية، ما يتطلب ضربا لكل قوى التغيير والتحديث في المجتمع، وإعادة تمكين الخطاب الديني من السيطرة على كل مجالات التفكير والإنتاج. يعني ذلك في أبسط تداعياته توكيد قمع الحريات وتخلف القوانين والقصور عن الدخول في زمن العالم كبنية عامة، وتعميم الخطاب الديني كشكل واحد ووحيد للسلطات، ما يعني إعدام المجال العام، والقضاء التام على السياسي.

يبرز هنا التحدي الكبير الذي يفرضه تنظيم داعش على الجميع، فهو قد نجح، على عكس إسلام الإخوان، في تقديم بنية دولة تبدو متكيفة مع كل محاولات تفكيكها وضربها، كما أنه قدم نموذجا إسلاميا جهاديا مغويا ومنفتحا على التكنولوجيا، وبدا في مرات عديدة متفوقا على صناع الصورة في طريقة توظيفها. من هنا يبدو الإسلام الداعشي متفوقا وجديدا وبراقا في مقابل الإسلام الإخواني الجامد والسلبي والفاقد لأي غواية. يقدم نفسه على أنه الوحيد القادر على تكوين جبهة فعلية لمواجهة النفوذ الإيراني، في حين أن جل ما قد تنتجه إعادة تمكين الإسلام الإخواني من الإمساك بزمام الأمور هو تفجير المجتمعات من الداخل اقتصاديا وثقافيا وسياسيا.

كانت فترة حكم الإخوان القصيرة لمصر كارثة بكل المقاييس. ولكن حكما عسكريا مصريا أكثر جمودا وراديكالية من منطق الإخوان، ويعتمد بشكل كلي على ما تقدمه دول الخليج من مساعدات دون أن يكون لديه أي رؤية في الاقتصاد أو في الاجتماع أو في السياسة، سيكون مشكلة من نوع مكرر.

يتخذ منطق إحياء الإسلام الإخواني في مواجهة إيران طابع التمهيد لتمكين داعش من السيطرة على كامل المنطقة، فهو الأكثر قدرة والأكثر تنظيما، والأكثر مهارة في استخدام البروباغندا في تمكين إسلامه “الديجيتالي” المدجج بكل إمكانات الصورة من إسلام الإخوان المترهل الممل والفاقد لأي غواية.

الحرب القادمة في المنطقة ستكون إذن حربا بين ثلاث ماركات من الإسلام هي إسلام الإخوان، وإسلام داعش، وإسلام الولي الفقيه.


كاتب لبناني

9