الاتفاق النووي "الجيد"

السبت 2015/04/04

يتيح “اتفاق الإطار” الذي تم التوصل إليه أول أمس بشأن برنامج إيران النووي للطرفين الأميركي والإيراني، ادعاء تحقيق النصر. فالاتفاق لا يفكك البرنامج النووي بل يقيده وإن كان تقييداً صارماً. كما يرفع الاتفاق العقوبات الاقتصادية عن إيران، ولكن بصورة تدريجية، وليس بين عشية وضحاها كما كانت تشترط طهران.

“إنه اتفاق جيد” يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما منتشياً بهذا “الاتفاق التاريخي” الذي يكاد يكون الإنجاز الوحيد خلال حكم الرئيس الممتد لولايتين.

يجادل أوباما في أن الاتفاق ليس مبنيا على الثقة بين الطرفين، وإنما على تقليص قدرات المشروع النووي والرقابة المشددة، وعلى التحسب والتشكك الدائم تجاه طهران. وبالنتيجة، فإن الاتفاق سوف “يمنع إيران من إنتاج قنبلة نووية” يقول أوباما مرددا “إنه اتفاق جيد”.

ولكن، هل يمنع الاتفاق بالفعل إيران من إنتاج قنبلة نووية؟

يجادل البعض في أن الاتفاق، وطالما أنه لم يسفر عن تفكيك شامل لقدرات إيران النووية فلا يمكن الحديث عن أنه يمنعها من إنتاج السلاح المدمر.

الحقيقة أن الهدف الرئيسي للمفاوضات من قبل الجانب الأميركي هو تعليق عمل مشروع إيران النووي، وتقليص القدرات بما يضمن وجود فترة زمنية مناسبة تفصل محاولة إيران إنتاج سلاح نووي عن التحرك الغربي ضدها من أجل منعها.

تملك إيران حوالي 9 آلاف جهاز طرد مركزي فاعل من الجيل الأول، فضلاً عن 9 آلاف جهاز تقبع من دون تشغيل. وبناءً على معدل أداء هذا الطراز من أجهزة الطرد المركزي، فإن الوقت اللازم لبلوغ مرحلة الإنتاج النووي حسب التقديرات الغربية حاليا هو سبعة أشهر.

وربما تتقلص تلك المدة بسبب المخزون الذي تملكه إيران من سادس فلوريد اليورانيوم المخصب، الذي قد يستخدم كمادة تغذية بديلة، مقلصاً بذلك زمن بلوغ مرحلة الإنتاج النووي.

الاتفاق حدد أجهزة الطرد المركزي المشغلة بنحو 5 آلاف جهاز. كما توصل إلى أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب سوف يُنقل إلى الخارج. هكذا، رفع الاتفاق نظريا من الزمن المتاح أمام القوى الغربية للتدخل في حال باشرت إيران العمل على إنتاج قنبلة نووية.

لم تتسرب معلومات كافية عن تعامل الاتفاق مع أعمال البحوث والتطوير، والتي كانت أحد النقاط العالقة في المفاوضات. فالبحوث الإيرانية تتركز حول تطوير أداء أجهزة الطرد المركزي لتحصل على جيل متطور منها يتفوق بعدة مرات على الجيل الأول الحالي الذي تملكه. وهو ما سيؤدي، في حال الوصول إليه، إلى تخفيض الزمن اللازم لبلوغ المرحلة النووية، وسيجعل ذلك الاتفاق الموقّع عديم الفائدة.

على صعيد العقوبات الاقتصادية، توصل الطرفان إلى إنهائها بصورة تدريجية، وربما يحتاج ذلك إلى أشهر عديدة. إنه أمر مخيب للجانب الإيراني، حيث أسال رفع العقوبات الاقتصادية لعاب طهران، ودفعها إلى خوض تلك المفاوضات الشاقة والحساسة. تحملت إيران مخاطر المساس بخطابها السياسي التاريخي المعادي لـ“الشيطان الأكبر”، والذي يدّعي أنه لا يقبل المساومة على المصالح الوطنية.

تحملت إيران كل ذلك من أجل رفع شامل وفوري للعقوبات، ومن أجل أن تتدفق الفوائض الاقتصادية لتسكّن الاحتقان الشعبي المتفاقم بفعل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتدهور قيمة العملة المحلية، ولتدعم عمليات الحرس الثوري الإيراني خارج الحدود، في سوريا والعراق ولبنان، واليوم في اليمن.

سوف تحصل طهران على فوائضها الاقتصادية المحتجزة بفعل مشروعها النووي، وذلك بالتزامن مع تطبيق التزاماتها. ولكن العقوبات المرتبطة بقضايا سياسية، والتي بدأت في العام 1984 عندما صنفت الإدارة الأميركية إيران كدولة راعية للإرهاب، سوف تبقى سارية المفعول حتى إشعارٍ آخر. وربما حتى توقيع اتفاق آخر “جيد” (حسب وصف أوباما) في ما يخص قضايا المنطقة، وبما يحدد دور إيران في تسوية أزماتها الملتهبة.

كان باراك أوباما شديد الوضوح يوم إعلان الاتفاق مع إيران، إذ أنه محض اتفاق نووي ولا ينسحب على القضايا السياسية، ولا على موقف أميركا من إيران وسلوكها في المنطقة.

الوضوح جاء في مكالمة أوباما للملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز لكي يبدي “حرص الولايات المتحدة الأميركية على سلام واستقرار المنطقة”، أي للقول بأن الرهانات والخيارات الأميركية لم تتغير.

الأهم، بكل تأكيد، هو تزامن إعلان أوباما عن الاتفاق النووي مع إيران مع توجيه الدعوة لقادة الدول الخليجية لحضور قمة سياسية – أمنية في ربيع العام المقبل في كامب ديفيد، وهي قمة سوف تتركز على تعزيز التعاون الأمني، ونقاش مختلف النزاعات المندلعة اليوم في المنطقة وأيضا سبل حلها. كل ذلك لكي يؤكد أوباما على صواب ما ذهب إليه من تفاوض مع إيران، وأن لا مبرراً للقلق، “ألم أقل لكم، إنه اتفاق جيد” يردد باراك أوباما.

كاتب فلسطيني سوري

8