الاتفاق النووي: حجج السعودية أقنعت ترامب أكثر من حديث الأوروبيين

الشرق الأوسط اليوم مختلف عن المنطقة التي احتلتها أوروبا سابقا، وواقعية السعودية تثبت أن الصراع سياسي وليس طائفيا.
الجمعة 2018/05/11
انكشفت حقيقتهم بسرعة

باريس - عندما زار ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان فرنسا في أبريل الماضي كان مفعما بالثقة في أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيسحب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران الذي حذرت الرياض من تداعياته.

وردا على أسئلة من الصحافيين في باريس بعد أسبوعين من محادثاته مع ترامب في واشنطن شبه الأمير محمد الاتفاق باتفاق ميونيخ لعام 1938 الذي سعت به القوى الأوروبية لاسترضاء ألمانيا النازية لكن الحال انتهى بها إلى الحرب.

ونجحت السعودية في حين أخفقت الجهود الدبلوماسية التي بذلتها فرنسا وألمانيا وبريطانيا مع ترامب، الذي أعلن الثلاثاء الماضي قرار انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل المشترك (الاتفاق النووي).

زيارة ماكرون.. الملجأ الأخير

كان إعلان قرار ترامب لطمة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فقد حاول الاثنان حمل ترامب على تغيير رأيه في إيران خلال زيارتين للبيت الأبيض في أبريل، ولكنهما فشلا. كما توجه وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون إلى واشنطن في محاولة أخيرة لكنه لم يحظ بمقابلة الرئيس الأميركي.

وشرح جونسون وجهة النظر البريطانية في محادثات مع بومبيو وفي مقابلة ببرنامج “فوكس آند فريندز” على قناة فوكس نيوز الذي يشاهده ترامب بانتظام.

السعودية نجحت في حين أخفقت الجهود الدبلوماسية التي بذلتها فرنسا وألمانيا وبريطانيا مع دونالد ترامب

ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول أوروبي في بروكسل “زيارة ماكرون كانت الملجأ الأخير”، مشيرا إلى محادثات الرئيس الفرنسي مع ترامب في البيت الأبيض في 24 أبريل 2018.

 ووصف المسؤول الشهر الأخير من هذه المساعي الدبلوماسية بأنه “كارثي”. وأضاف “لأسابيع كانت كل المؤشرات من البيت الأبيض ووزارة الخارجية تشير إلى أنه سينسحب” من الاتفاق.

وقالت مصادر مطلعة على المشاورات إن رسالة ترامب لحلفائه الأوروبيين قبل إعلان قراره كانت تتلخص في ضرورة توصلهم إلى وسيلة لإحكام الاتفاق النووي لكي تبقى الولايات المتحدة طرفا فيه. وقالت المصادر إنه طالب باتفاق منفصل بالتوازي مع الاتفاق النووي لمعالجة المخاوف الأميركية الأخرى بشأن إيران مثل برنامجها الصاروخي الذي لم يشمله الاتفاق الأصلي.

وتحقق تقدم في المفاوضات لكنه لم يكن كافيا لتغيير رأي ترامب الذي كان يريد اتفاقا منفصلا مع الدول الرئيسية الموقعة على الاتفاق الأصلي وهي فرنسا وبريطانيا وألمانيا والصين وروسيا. غير أن برلين قالت إنه سيتعين عرض الاتفاق على هيئة تابعة للاتحاد الأوروبي لإقراره وبدا أن هذا سيعرقل المساعي.

وأبلغ بومبيو وزيري الخارجية الألماني والبريطاني ومسؤولا فرنسيا كبيرا هاتفيا يوم الجمعة الماضي بأن واشنطن لن تواصل هذه المساعي مع أوروبا. وكان الموقفان الأوروبي والأميركي متباعدين جدا في ما يتعلق بالبنود التي يمكن بمقتضاها رفع بعض القيود على برنامج التخصيب النووي الإيراني.

ويعتقد بعض الدبلوماسيين الأوروبيين أن أي فرصة لإقناع ترامب بالبقاء طرفا في الاتفاق كانت قد تبددت قبل أن يزور ماكرون واشنطن. فقد اعتبروا تعيين بومبيو في مارس 2018 ضربة قاضية. كما أعقب تلك الخطوة اختيار جون بولتون، أحد الصقور في المسألة الإيرانية، مستشارا للأمن القومي بالبيت الأبيض.

طهران: أوروبا عاجزة عن إنقاذ الاتفاق

 أنقرة - نقلت وكالة فارس شبه الرسمية للأنباء عن نائب القائد العام للحرس الثوري الإيراني قوله إن الدول الأوروبية عاجزة عن إنقاذ الاتفاق النووي مع إيران بعد قرار الولايات المتحدة الانسحاب منه. ونسبت الوكالة الإيرانية إلى البريجادير جنرال حسين سلامي قوله “أوروبا لا تستطيع التحرك بشكل مستقل في ما يتعلق بالاتفاق النووي”. وجاءت تصريحاته بعد أن قالت بريطانيا وفرنسا وألمانيا إنها لا تزوكان المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي شكك الأربعاء في قدرة الموقعين الأوروبيين على الاتفاق على ضمان مصالح طهران، مضيفا “لا أثق في هذه الدول”. ونظرا لأن الاتفاق النووي كرس دور إيران كلاعب محوري في الشرق الأوسط المثخن بالصراعات، سيلقي قرار ترامب بلا شك بظلاله على المنطقة.

لماذا كسبت السعودية

نقلت وكالة رويترز عن مصدر وصفته بوثيق الصلة بالقيادات المسؤولة عن رسم السياسات في السعودية أن واشنطن والرياض يناقشان الاتفاق النووي “منذ فترة” قبل إعلان ترامب يوم الثلاثاء الماضي قرار انسحاب الولايات المتحدة منه.

وقال مصدر سعودي آخر عن دبلوماسية الرياض “كنا مع هذا القرار وعملنا من أجله”. ونجحت السعودية في حين أخفقت الجهود الدبلوماسية التي بذلتها فرنسا وألمانيا وبريطانيا مع ترامب. والسياسة الواقعية وحسابات على الأرض هي التي قادت إلى هذه النتيجة.

على مدى أيام المفاوضات، وبعد توقيع الاتفاق النووي، سعت الإدارة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما، وشركاؤها الأوروبيون، إلى الترويج لإيران “السلمية”، التي يمكن أن تتغير وأن تتعامل وفق سياسة حسن الجوار، وكانت ترد على التحذيرات السعودية، والعربية عموما، بأن تشغيل أسطوانة الحرب بين السعودية، القوة السنية، وإيران، القوة الشيعية، مقارنة لا تستقيم من كل النواحي سواء من حيث التواجد الإقليمي أو من حيث التوصيف الدقيق، فمكانة السعودية الدينية تجعلها قبلة كل المسلمين، كما أنها بلد فيه السنة والشيعة، ولا فرق بينهما.

إيران، إلى اليوم، ورغم تواجد ميليشياتها في العراق وسوريا واليمن ولبنان، لا يمكن اعتبارها قوة ندية للسعودية، بالمفهوم الذي روّجت له إدارة أوباما، كما الأوروبيون والإيرانيون؛ وكرة اللهيب المشتعلة في الشرق الأوسط وإن بدت في شكلها العام تحمل مظهر التوتّر الطائفي إلا أن النظر بعمق إلى الأحداث الراهنة وخلفياتها يكشف أنه صراع سياسي.

ويقول الخبراء إن الإصرار على النظر إلى ما يجري في المنطقة على أنه تحديات على أساس طائفي جعل من الصعب جدا التفكير في حلول مبتكرة بالنسبة الأوروبيون الذين غابوا لفترة عن الشرق الأوسط لكن عندما عادوا لم ينتهبوا إلى أنهم يتعامولون مع منطقة مختلفة عن تلك التي عرفوها في السابق، لذلك فشلوا فيما ربحت إيران فرصة لتطوير السلاح النووي وفي نفس الوقت نشر ميليشياتها في العراق واليمن وسوريا ولبنان، وغيرها، لتحريكها عند انكشاف زيف التزاماتها.

لذلك، إن دل الموقف الأميركي على شيء فهو صحة التوجهات السعودية، وكيف أن هناك خطا في العلاقات الدولية لا يمكن أن يحيد عنه النظام العالمي حتى لو تغيرت موازين القوى فيه أو اتجاهاتها؛ وتقف عند بداية هذا الخط بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط السعودية بحكم مكانتها وعلاقاتها المحورية في المنطقة.

6