الاتفاق النووي يدق المسمار الأخير في نعش هيبة الدولة الفارسية

الأربعاء 2013/11/27
هل تضمر الحكومة الإيرانية فرحة أم حسرة بعد توقيع الاتفاق النووي

تجرّعت طهران كأس السُم للمرّة الثانية خلال ثلاثة عقود بتوقيعها على وقف أنشطتها النوويّة لتفرض عليها مجموعة 5+1 سبعة وعشرين اِلتزاماً استراتيجيّاً مُهيناً مقابل التعهّد لها بأحد عشر التزاما يتصل جميعها بالتعليق المؤقّت للعقوبات الاِقتصاديّة والماليّة التي فَرَضها الغرب على طهران. وفي عام 1988 كان "الخميني" قد اعترف بتجرّعه كأس السُم مقابل هزيمته أمام العراق، فسعى لتسجيل انتصار دموي لنفسه بالعودة إلى الجبهة الداخليّة على حد زعم طهران، فشنّ حَمْلَة إعدامات رهيبة ضد معارضيه ومقاوميه من أبناء الشعوب غير الفارسيّة في آن واحد.

وفي حين تطمح إيران لتوسيع نفوذها الإقليمي والمزيد من التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية بعد صُلحها مع واشنطن، فإن الاِقتصاد الإيراني المتهاوي لم يعد يحتمل المزيد من الإنفاق علىالمشروع التوسعي، خاصة أنها استنزفت مادياً ومعنوياً في سوريا. فعلى الصعيد المادي ضخت طهران مليارات الدولارات للحفاظ على النقص الحاد لترسانة "بشار" العسكرية التي امتلأت على حساب الشعب السوري، وجاء أول استخدام لها على حساب دماء الشعب السوري أيضاً.

أما معنوياً، فتحطمت هيبة الدولة الفارسية في سوريا ً بعد أن شاهد العالم أجمع بكاء الأسرى الفُرس من ضبّاط الحرس الثوري وفيلق القدس التابع له بعد اعتقالهم من قِبَل الجيش السوري الحرّ، مثلما أسقطت الثورة السورية القناع عن وجه إيران ومقاومتها المزعومة إثر تدفق الجنود الإيرانيين أحياء لسوريا وعودتهم في التوابيت حتى أصبح الإيرانيون يرددون مقولة "يذهب جنودنا عمودياَ لسوريا فيعودون أفقياً" أي يعودون أمواتاً ممدّدين في التوابيت. فلم تبق مدينة ولا بلدة في إيران إلا ونَصَبَت العزاء لعدد من أبنائها العائدين أفقياً من سوريا.

وغيرت الثورة السورية اِسم زعيم المقاومة المزعومة من "حسن نصر الله" إلى "عدو الله" و"نصر الشيطان" لدى السوريين وغالبية العرب، مثلما تغير اِسم حزبه الإيراني الطائفي من "حزب الله" إلى "حزب اللات"، في حين كان يردد "نصر الشيطان" من قَبْل أن "سلاح حزبه لن يستخدم إلا ضد العدو الصهيوني"، فإنه استخدم ترسانته هو الآخر لقتل الشعب السوري الذي احتضنه إبان الحرب الصهيونية على لبنان عام 2006 وبذلك تكون الثورة السورية قد أسقطت القناع عن الوجوه الشيطانيّة الإيرانيّة في لبنان.

ويقول المفكر الإستراتيجي السوري "د. خالد المسالمة": "لقد سلّم بشار وعصابته السلاح الكيميائي بعد شعوره بجدية التهديدات العسكرية الأميركية وكذلك فعل حكّام طهران بتخلّيهم عن مشروعهم النووي بعد أقل من شهرين"، ويرى "المسالمة": "على وقع مسيرة كفاح الشعب السوري الباسل سقط مشروع التسلح النووي الإيراني العدواني".

واستغل "حسن روحاني" المئة يوم الأولى من رئاسته واِنهماك أو تواطؤ الغرب مع بلاده في المفاوضات النووية ليعدم مئات المعتقلين، إلا أنه وفور توقيع الإتفاقية النووية، سرعان ما حرك الغرب المؤسسات الحقوقية الدولية لتأدية دورها في تضييق الخناق على إيران إلى حد التدخّل في شؤونها الداخلية. وطالبت "منظمة العفو الدولية"، "روحاني" بالإيفاء بوعوده الاِنتخابية المتعلقة باِحترام حقوق الإنسان والإفراج عن المعتقلين ووقف مسلسل الإعدامات الدموي، وخاصة الإفراج عن قادة الحركة الخضراء "مير حسين موسوي" و"مهدي كرّوبي"، مما يعني فرضهما على النظام وبالتالي إدانتهما بالولاء إلى الغرب شكراً لمساعيه في حريتهم.

واعترافا منه بتحطّم هيبة بلاده والشعور بالإهانة، ذهب موقع "ألف" التابع للعضو البرلماني "أحمد توكّلي" إلى حد وصف الاِتفاقية النووية بمعاهدة "تركمنغاي" بين إيران وروسيا عام 1828، حيث فَرَضَت الأخيرة بموجبها على الدولة القاغارية الفارسية التنازل عن مناطق شاسعة كانت تحت تصرفها مثل "إيروان" و"نَخْجَوان" ودفع 20 مليون روبل تعويضات لروسيا إضافة إلى الكثير من الاِمتيازات والحقوق الاِقتصادية والجمركية، انتزعتها روسيا من الدولة الفارسية آنذاك.

ويرى الموقع أن "الاِتفاقيّة النووية ظالمة وغير متوازنة بتفريط طهران بـ 196 كيلوغراما من اليورانيوم المخصّب وتحويله إلى غاز الأكسيد وتعهّد طهران بعدم تجاوز الـ 5 بالمئة في تخصيب اليورانيوم مع وقف نشاط مفاعلات "فَرْدو" و"أَراك" و"نَطَنْز"، وبالتالي فإن كل الجهود الإيرانية ستعود إليها بسبعة مليار دولار، وكل ما جنته إيران هو الحد من إصدار لوائح جديدة من العقوبات ضدها.

وأثبتت إيران عَجزها عن وضع أية استراتيجيّة للتعامل مع العقوبات المفروضة عليها، فتعرّض اِقتصادها إلى هزات عنيفة مما أدى إلى تضخم مالي قاتل وارتفاع نسبة الفقر والجريمة وانتشار البطالة والمخدرات، إضافة إلى استشراء المحسوبية والتحيل والخداع والنفاق في المجتمع الإيراني وفقاً لتأكيدات "رفسنجاني" وغيره من المسؤولين الفرس.

ورغم أن الاِتفاقية مَنَحَت الدولة الفارسية فرصة للبقاء، إلا أنها تحتاج سنوات لإعادة توازنها على الصعيد الداخلي والخارجي نظراً لاِستنزاف اقتصادها في دعم حلفائها الطائفيين في سوريا واليمن والبحرين والعراق ولبنان، مما يعني هزيمتها على المستوى الاِستراتيجي، وليس أدل من ذلك بدء التفاهمات الدولية لإنهاء الحرب السورية فور التوقيع على الاِتفاقية النووية بين طهران والمجموعة 5+1 بالتزامن مع موسم التنازلات الإيرانية، الأمر الذي يؤكد أن الأخيرة مُقبلة على تلقي ضربة أخرى وكأس جديد من السُم في سوريا لتدقّ دمشق المسمار الأخير في نعش هيبة الدولة الفارسيّة.

12