الاجتثاث الرمزي للعروبيين

الخميس 2017/08/03

للمرة الثانية على التوالي يقصي رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي التيار القومي من جملة العائلات السياسية التونسية، مكتفيا بذكر المقاربات اليسارية والدستورية والإسلامية كمكوّنات فكرية وسياسية أساسية في الفضاء التونسي.

اختار راشد الغنوشي مسلكية الهروب الفكري إلى الأمام، عبر رفض الالتفات إلى الدعوات السياسية والتاريخية والمعرفية التي أطلقها ناشطون عروبيون في السياق التونسي لمراجعة مواقفه ولإعادة قراءة التاريخ السياسي في تونس، حيث مثّل التيار القومي ولا يزال يمثّل لبنة أساسية في بناء التصورات وتأصيل الأفكار وتشكيل الرأي العام.

وأن يعمد الغنوشي، الذي اعتبر في 2012 خلال فعاليات المؤتمر القومي العربي في تونس أن الأمة العربية لن تحلق إلا بجناجين اثنين، الجناح العروبي والإسلامي باعتبارهما عماد الهوية وركن الكينونة، اليوم إلى اجتثاث رمزي وتاريخي لذات التيار العروبي فهذا يدلّ على شيئين اثنين فإمّا أنّ التيار العروبي تغيّر جذريا من 2012 إلى 2017 وهو ما لم يقع، وإما أن يكون الغنوشي قد انقلب في مواقفه وهو ما لا نستبعده.

لن ندخل في سجال أجوف، قوامه إثبات المثبت والتأكيد على المسلم به والبرهنة على المستدل عليه، فالتيار العروبي متجذر في تونس كأطروحات فكرية منذ عبدالعزيز الثعالبي وأحمد السقا ومن بعدهما التيار اليوسفي بمختلف تجلياته، قبل أن ينضم حزبيا وطلائعيا ضمن تيارات سياسية نشـأت قبل نشـأة التيار الإخـواني في تـونس.

ذلك أنه بمنطق التاريخ وبحقيقة الشواهد فإن التيار السياسي الطارئ على المشهد السياسي التونسي هو التيار الإسلامي، فالأحزاب اليسارية نشأت تنظيميا منذ عشرينات القرن المنصرم، والأحزاب الدستورية انبثقت منذ العشرينات والثلاثينات، والأحزاب العروبية في السبعينات، وذلك بعد أن تجذرت صلب المنظمات الطلابية والتلمذية.

قد نتوافق مع الرأي القائل بأن التيار القومي والعروبي في تونس يعيش حالة من التشظي والانشطـار على أكـثر من حزب وتيار وتكتل سياسي حالت دون توحيده وتصييره إلى قوّة بديلة في الفضاء السياسي، ولكن هـذا لا يسـوغ لمقـولة الاندثار والانكسار، ولا يسمح أيضا باستئصال رمزي يقفز فوق التاريخ ويتجاوز الحقائق.

حقائق أن التيار العروبي الذي أصيب بداء الشخصنة على صعيـد القيـادة، والترهل في مستوى المضامين، والهوان في نطاق التأثير والتغيير، هـو حاليا مـؤثر ورقم صعب في الانتخابات القطاعية للمحامين والقضاة، وهو أيضا ذو وزن اعتباري في المحامل الإعـلامية المكتـوبة والإلكترونية التي تنتمي إلى العروبة هوى وهوية.

والحقيقة التي لا بد أن نشير إليها إلى أن الغنوشي يعيش حالة من “قتل الأب” وفق مقولة المحلل النفسي فرويد، فالانتماء الخلاصي للجماعات المنغلقة- ناهيك عن قيادتها- لا يكون إلا عبر التعميد السياسي والفكري من الأطروحات السابقة وتطهرا من تأصيلات الرؤى العروبية السياسية منها والاستراتيجية.

والحقيقة الأخرى أن النهضة تسعى منذ 2011 إلى الاستفراد بمياسم الهويّة العربية والإسلامية والسيطرة على المرجعيات الحضارية الرمزية وعلى ميكانيزمات التفكير ما بعد القطري وبمنظومة الأمن القومي المغاربي والعربي، إلا أن التيار العروبي مثل حجرة العثرة في مسعى الاستفراد بالهوية، وشكل الرديف الموازي والمحرج والمحتج وفي بعض الأحيان الكاشف لتذبذب النهضة في الصراع العربي الصهيوني، وتنازلاتها المخزية في ملفات تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني.

كما شكل العروبيون الكتلة السياسية والثقافية والمدنية والإعلامية المتناقضة مع الإخوان في ما تعتبره النهضة “خزانها وعمقها الاستراتيجي” انطلاقا من سوريا وليبيا، وليس انتهاء بالارتهان للسياسات القطرية والتركية في الوطن العربي.

اليوم قد تكون الكتلة التاريخية للعروبيين والقوميين في تونس ترياقا للحالة الراهنة في انتظار مراجعات كبرى تضع العروبيين على طاولة التكتل والتحالف من أجل تشكيل جبهة عمل موحدة قادرة على التأثير والتغيير. تغيير ما بالعروبيين عبر تحويلهم من الانفعاليين والمتفاعلين إلى الفاعلين الحقيقيين.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9