الاجتماعات التشاورية تطيل عُمر الأزمة الليبية

الاجتماعات التشاورية خطوة يمكن أن ترضي غرور من يقفون مع التسوية أو يعارضونها. الحراك الذي تحدثه يشعرك أن الأزمة على وشك الانفراج. بينما نتيجتها، مهما بلغت درجة إيجابيتها، غير قادرة على الانتقال للخطوة التالية.
الاثنين 2018/04/23
حوارات مطولة

الجهود التي يبذلها غسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، لم تحقق المرجو منها حتى الآن. الخطة التي يعمل بها الرجل، بتكليف من مجلس الأمن الدولي في 20 سبتمبر الماضي، بطيئة ويمكن أن تطيل الأزمة.

الخطوات الثلاث التي تتضمنها، وهي: تعديل اتفاق الصخيرات، وعقد الملتقى الوطني، وإجراء الانتخابات، تبدو نتائجها عقيمة. لم يتم إنجاز خطوة واحدة من هذه الخطوات، مع أن الأخيرة (إجراء الانتخابات) أعلن غسان سلامة أنها ستتم في سبتمبر المقبل، وعلى أقصى تقدير قبل نهاية العام الجاري.

اللقاءات التي تمت في تونس خلال الفترة الماضية بين تيارات مختلفة، لم تتمكن من جسر الهوة بين القوى المتباينة لتعديل بعض بنود اتفاق الصخيرات الموقع في ديسمبر عام 2015. ولا يزال يُعمل به، مع أن مدته أصبحت منتهية الصلاحية.

هناك من حضر اجتماعات تونس لإثبات الوجود، ومن جاء لتعطيل التعديل، ومن يريد التأكد من تضمين رؤيته السياسية. والنتيجة “محلّك سر”. مع ذلك لم تتوقف تحركات غسان سلامة، وتعمل وفقا لآلية تعتمد على الخطوط المتوازية.

جلسات التشاور التي عُقدت في مناطق مختلفة، في الشرق والغرب والجنوب، لم تتقدّم نحو تفكيك عقد الأزمة المناطقية. الانفتاح على جميع القوى تحرّك مهمّ، غير أن الحصول على نتيجة مناسبة في بلد مثل ليبيا عملية شاقة، تحتاج إلى رؤية واقعية، تجيد قراءة الأحداث وتداعياتها، وتراعي صعود وهبوط أسهم من يعملون في العلن والخفاء.

الكثافة التي شهدتها بعض جلسات الحوار ليست دليلا كافيا على الاقتناع بها، أو مؤشرا حاسما على نجاحها مستقبلا، لأن جزءا ممن حرصوا على حضورها من المهمّشين وغير المؤثرين. فقط يطمعون في الحصول على جانب من الكعكة، وسط قوى رئيسية تتحكّم في زمام الكثير من الأمور، وفي ظل ارتفاع هواجس التقسيم، البعض يسعى إلى البحث عن ملاذ آمن.

تسجيل الناخبين عملية معقدة، حيث نجحت المفوضية العليا للانتخابات (حتى شهر يناير الماضي) في تسجيل نحو مليوني مواطن فقط. ما يجعل إمكانية إتمام الانتخابات الرئاسية قبل نهاية العام مسألة غاية في الصعوبة، لأن تهيئة الظروف السياسية والأمنية والتشريعية تحتاج إلى جهود مضنية. كما أن إصرار جماعة الإخوان والتيارات المتشددة على البقاء في صدارة المشهد يجمّد المحاولات الرامية إلى التوافق الوطني.

الطريقة التي يعمل بها المبعوث الأممي برّاقة وجذّابة، وجرت تجربتها في أزمات أخرى وحققت تقدّما في بعض الدول، لكن في ليبيا الأوضاع مختلفة. الأزمة مركبة وتتداخل فيها العوامل المحلية مع الخارجية. صراع القوى بين الجماعات المسلّحة على أشدّه، وثمة صعوبة كبيرة في ضبط العناصر المنفلتة، والتي يعمل معظمها لصالح قوى سياسية معيّنة.

يبدو المبعوث الأممي منفتحا ولم يستثن قوة تقريبا، حيث تحاور مع الغالبية، سواء المـؤثرة أو المهمّشة، إلا أن النتيجة النهائية لا تنبئ بالتفاؤل

التكوين القبلي في ليبيا فريد بصورة يصعب معها تحديد فواصله السياسية والأمنية.

عملية جمع القوى الجديدة مع نظيرتها القديمة حول قواسم مشتركة، بحاجة إلى ما يشبه المعجزة. ولن تستطيع نوايا غسان سلامة وحدها تحقيقها، نعم يبدو المبعوث الأممي منفتحا ولم يستثن قوة تقريبا، حيث تحاور مع الغالبية، سواء المـؤثرة أو المهمّشة، إلا أن النتيجة النهائية لا تنبئ بالتفاؤل.

في الأزمة في ليبيا، وهي مثل غالبية أزمات المنطقة، لا توجد جهة واحدة تسيطر على الحلّ والعقد، بل هناك مكوّنات متشابكة ولها امتداداتها المستترة تفوق الظاهرة. دول لها مصالح ترى في التسوية السياسية ضرورة عاجلة، وأخرى تعمل على تطويل الأزمة. لم تصل تلك الجماعات، ومن يقفون خلفها، إلى قناعة تؤكد أن الحل أصبح مطلبا جماعيا.

من يعملون على التسوية، بحسن أو سوء نية، لا يملكون القرار الحاسم، فالمبعوث الأممي نفسه تجده في بعض الأحيان متخبّطا، تارة يعمل على تنفيذ خطته بكل همّة ويروّج لها بنشاط، وتارة ثانية يظهر عدم اقتناعه بها، وهو ما نقله لبعض الدول التي تتواصل معه دائما.

كل ما يريده غسان سلامة أن يشعر الناس بوجوده من خلال مرونته التي قد ترضي الجميع وتبعده عن الصدام المباشر مع من لهم تحفظات على تحركاته، لكنه غير قادر على الوصول إلى الهدف الذي يصبو إليه، وهو وضع نهاية إيجابية للأزمة.

أحد أسباب العُقم الحاصل في الخطة، أنها وضعت العربة أمام الحصان. فالخلافات الحاصلة بين حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي من جهة، والجيش الوطني والبرلمان من جهة أخرى، لم تتقدّم بما يوحي بالتفاهم لإنجاح، تعديل اتفاق صخيرات، والملتقى الوطني، وإجراء الانتخابات.

ناهيك عن القوى التي تدور في فلك هؤلاء. منها جماعات سياسية لا ترى نفسها مع أي منهما، وميليشيات استقوت بما يجعل انحيازها للحل السلمي مستحيلا، ودول لم تنضج في عقولها التسوية السياسية، بل ثمّة من يعتقدون أن الوضع الـراهن بكل تداخلاته يمثل حلا نموذجيا لهم.

لذلك يمثّل تشكيل حكومة جديدة تتولى تنفيذ خطة الأمم المتحدة، واحدة من المهام العاجلة، لأن اللقاءات التشاورية على أهميتها سوف تصبح كمن يصدر صوتا نشازا ليؤكد أنه موجود على الأرض، وعند ساعة الحساب لن تكون له تأثيرات فعلية.

الحكومة الانتقالية المطلوبة، مهمتها تهيئة البلاد للخطوات السياسية والأمنية اللاحقة. وهي فرصة حقيقية لاختبار النوايا، والمضيّ قُدما نحو توحيد الجيش الليبي، وتقنين وضع الجماعات المسلحة المنحازة للدولة، وإنهاء عصر الميليشيات التي تحوّلت إلى تجارة رائجة، فضلا عمّا توفره من فرز دقيق لفك الارتباط بين قوى داخلية وأخرى خارجية.

لن يعدم غسان سلامة، حال اقتناعه والقوى المـؤثرة بتعديل الخطة الأممية، إيجاد الشخصيات اللازمة لتكوين حكومة وطنية، بعيدة عن المحاصصة السياسية والقبلية، تمثّل الجميع، كي تتمكّن من عبور الجزء المهم من الأزمة، وتفتح الطريق أمام إجـراء الانتخابات الرئاسية، قبـل أن تستفحل بعض التكتلات التي تعمل على تغيير التوازنات، أملا في العودة إلى المربع الأول.

الإنجازات التي تحققت وتضخّم نفوذ الجيش، وكسر عظام عدد مهمّ من الجماعات المتطرفة، والانفتاح على النظام القديم، عوامل تجعل من الالتفاف حول حكومة تشرف على الانتخابات عملية إيجابية، وهي أيضا مناسبة لاختبار نوايا جميع القوى التي تريد التسوية فعلا أو تعمل على تعطيلها.

الاجتماعات التشاورية خطوة يمكن أن تُرضي غرور من يقفون مع التسوية أو يعارضونها. الحراك الذي تحدثه يشعرك أن الأزمة على وشك الانفراج. بينما نتيجتها، مهما بلغت درجة إيجابيتها، غير قادرة على الانتقال للخطوة التالية، وهي إجراء الانتخابات والتي تحتاج إلى آليات تسمح بإتمامها بمرونة.

القياس على الانتخابات الماضية لن يكون مفيدا، لأن موازين القوى تبدّلت. من شجعوا عليها سابقا قـد تجدهم يعملون ضدها حاليا.

وما لم يقتنع المبعوث الأممي والقوى الدولية الفاعلة، بوضع الحصان أمام العربة وتشكيل حكومة انتقالية، سوف تطول الأزمة أكثر مما يجب.

9